Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

سر الوحمة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

أنا وجوزي، كريم، حاولنا نخلف سنين. ولما ابننا سيف اتولد أخيرًا، كان عنده وحمة كبيرة جدًا على ناحية من وشه. كريم ما اترددش لحظة. باس سيف في جبينه وهمسله:
“إنت كامل ومفيكش غلطة.” مشوفته وهو بيحب ابننا بالسهولة دي كان الحاجة الوحيدة اللي مخلية رجلي ثابتة على الأرض. لكن حماتي، دولت، كانت طول عمرها بتكرهني. ومن بعد ما سيف اتولد، كانت تبصله بنظرات كأن شكله بيضايقها شخصيًا. وفجأة… كريم مـ,ـات. أزمة -قلبية.
من غير مقدمات.
كأن الدنيا وقفت.

وبعد دفـ,ـنته بيومين بس، دولت جت شقتنا وقالتلي أمشي. من غير رحمة.
من غير حتى ما تعرض مساعدة. كل اللي قالته:
“إنتي وابنك مالكوش أي قيمة عندي.” سألتها وأنا شايلة سيف:
“عايزاني أروح فين بطفل لسه رضيع؟” بصتله ببرود وقالت:
“دي مش مشكلتي.” فمشيت. شنطة هدوم صغيرة، وشنطة البيبي، وسويت شيرت كريم… عشان لسه ريحته فيه. بعدها بكام ساعة بس، وأنا بهز سيف عشان ينام، تليفوني رن. رقم غريب. رديت. لقيت صوت دولت هادي بشكل غريب… ناعم… كأنه صوت شخص تاني.

قالت:
“يا مي… عايزاكي إنتي والبيبي تيجوا تتعشوا عندي.” من غير أي تفسير. تاني يوم، وقفت قدام باب بيتها وسيف في حضـ,ـني، وقلبي مقبوض كأن جوايا صوت بيقولي اهـ,ـربي. دولت فتحت الباب وهي بتبتسم…
ابتسامة دافية وحقيقية عمري ما شفتها على وشها قبل كده. ولثانية، افتكرت:
“يمكن عندها قلب فعلًا.” فدخلت. وفي اللحظة دي… ابتسامتها اختفت. ولقيت ملف تخين مستنيني فوق الترابيزة… ومكتوب عليه اسمي بخط عريض. قلبي وقع. بصيت للملف… وبعدين بصيت لدولت. قلت بتوتر:
“إيه ده؟”

قعدت بهدوء، وشاورتلي أقعد قدامها.
الغريب إن ملامحها ماكنش فيها القسوة المعتادة… كان فيها خوف. حطيت سيف في العربية الصغيرة اللي معايا وقعدت. دولت فتحت الملف بإيد مرتعشة وقالت:
“في حاجة لازم تعرفيها عن كريم.” اسمه خرج من بقها خلاني أحس إن نفسي اتسحب. طلعت شوية ورق وصور وتحاليل. وقالت:
“قبل ما كريم يمـ,ـوت بأسبوع… عمل تحليل DNA.” حسيت الدنيا لفت بيا. اتجمدت مكاني وأنا بقول:
“إنتي بتقولي إيه؟” قالت بسرعة:
“هو اللي طلبه… مش أنا.”

دموعي نزلت فورًا.
“مستحيل… كريم عمره ما شك فيا.” دولت بصت في الأرض وقالت:
“هو ماشكش… الدكتور هو اللي اقترح التحليل بسبب الوحمة اللي في وش سيف.” إيدي بدأت ترتعش وأنا بقلب في الورق. وفجأة…
وقعت عيني على النتيجة. “احتمال الأبوة: 99.99%” رفعت عيني عليها بعصبية:
“يعني إيه؟! ما النتيجة واضحة!” هنا…
دولت انفجرت في العياط. وشها كله انهار قدامي وهي بتقول:
“أنا اللي كنت شاكّة… مش كريم.” السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل بطريقة توجع.

قالت وهي بتشهق:
“كنت فاكرة إن الطفل مش ابنه… كنت فاكرة إن الوحمة دي دليل على حاجة وحشة… وفضلت أضغط عليه يعمل التحليل.” حسيت بغصة في زوري. لكنها كملت:
“ولما النتيجة طلعت… كريم اتخانق معايا خناقة عمره ما عملها قبل كده.” بلعت ريقي بالعافية. قالت:
“قالّي لو حصلي حاجة يومًا ما، أوعى تسيبي مي لوحدها… دي مراتي وابني.” دموعي نزلت من غير ما أحس. دولت قامت ببطء، ومشيت ناحية أوضة كريم القديمة.
ورجعت بعدها بصندوق صغير.

فتحته…
وكان فيه ساعات كريم، محفظته، وخطاب مطوي. ناولتهولي. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. وكان مكتوب فيه: “لو إنتي بتقري الكلام ده، يبقى أنا للأسف مش موجود.
بس لازم تعرفي إني عمري ما شكيت فيكي ولا ثانية.
وسيف… هو أعظم حاجة حصلتلي في حياتي.
أوعى تخلي حد يخليكي تحسي إنه أقل من أي طفل تاني.
وعديني تفضلي قوية عشانه.” ماقدرتش أكمل. حـ,ـضنت الخطاب وانهرت في العياط. ولأول مرة…
سمعت صوت دولت وهي بتعيط معايا. وقالت بصوت مكسور:
“أنا ظلمتك… سامحيني.”

عدّى وقت طويل وإحنا قاعدين ساكتين، مافيش غير صوت عياط سيف الخفيف وهو بيتحرك في العربية الصغيرة. دولت مسحت دموعها وقالت:
“في حاجة تانية لازم تعرفيها.” بصتلها وأنا تعبانة نفسيًا ومش قادرة أستحمل صدمات أكتر. فتحت درج البوفيه وطلعت مفتاح صغير وسلسلة مفاتيح عربية. وقالت:
“كريم قبل ما يمـ,ـوت نقل الشقة باسمه وباسمك إنتي وسيف.” استوعبت الكلام بالعافية.
“يعني إيه؟” قالت:
“يعني محدش يقدر يطردك منها… حتى أنا.” بصيتلها بذهول. كملت وهي باصة في الأرض:
“أنا كذبت عليكي.”

الهواء وقف في صدري. “لما جيت وطردتك… كنت فاكرة إني بحمي اسم ابني وفلوسه. كنت عميانة.” إيدي شدت على الخطاب اللي في حـ,ـضني. قالت:
“بعد ما مشيتي، المحامي كلمني وفهمني كل حاجة… وقالّي إن كريم سايب وصية.” قلبي دق بعنف.
“وصية؟” هزت راسها، وطلعت ظرف أبيض. فتحته بسرعة، وكانت أول جملة فيه: “أمي… لو بتقري الكلام ده، يبقى يا إما أنا مسافر، يا إما حصل اللي كنت خايف منه.” دموعي نزلت تاني. “مي هي مراتي اللي حبيتها أكتر من نفسي.
وسيف ابني، وحفيدي اللي المفروض تحبيه زي ما أنا حبيته.
لو جـ,ـرحتِهم يومًا… تبقي خسرتيني حتى بعد مـ,ـوتي.”

دولت شهقت وهي بتحاول تكتم عياطها. “كريم كان عارف إن قلبه تعبان… وماقالناش.” أنا حرفيًا حسيت الأرض بتميد بيا. قالت:
“الدكاترة قالوله من شهور إنه لازم يعمل عملية… لكنه كان بيأجلها عشان مصاريف الولادة والعلاج.” غطيت وشي بإيديا وانهرت. كل مرة كنت بقوله فيها:
“ليه بتشتغل كتير كده؟”
كان يضحك ويقولي:
“علشانكم.” بس عمره ما قال الحقيقة. دولت قربت مني ببطء…
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، حطت إيدها على كتفي بحنان. وقالت:
“ارجعي بيتك يا مي… ده بيتك إنتي وسيف.”

بصيت لسيف وهو نايم ببراءة، ووشه الصغير عليه نفس الوحمة اللي كانت سبب كل الوجع ده. لكن لأول مرة…
ماحسّتش إنها لعنة. حسّيتها علامة.
حاجة تميز ابني… وتفكره قد إيه أبوه حبه من أول لحظة. قمت بهدوء، وشيلت سيف. وقبل ما أمشي، دولت نادت عليا بصوت مكسور:
“ممكن… ممكن أشيله؟” بصتلها ثواني طويلة. وبعدين…
ناولتهولها. هي حضـ,ـنته بحذر، كأنها خايفة ينكسر بين إيديها. وساعتها، سيف فتح عينيه الصغيرة…
وبكل براءة، مسك صباعها. حبست نفسي وأنا ببص للشاشة.

كريم أخد نفس طويل، وبعدين قال: “الوحمة اللي في وش سيف… مش صدفة.” حسيت قلبي وقف. كمل بابتسامة حزينة:
“هي علامة وراثية في عيلتنا.” اتجمدت مكاني. “أنا كمان اتولدت بنفس الوحمة… بس عملت عمليات وأنا صغير علشان تتشال.” إيدي غطت بقي تلقائي. عمري…
عمري ما كنت أعرف. كريم ضحك ضحكة خفيفة وقال:
“أمي كانت بتخبي كل الصور القديمة عشان محدش يعرف.” وفجأة فهمت. فهمت ليه دولت كانت بتبص لسيف بالرعب ده كله. هي ماكنتش شايفة الوحمة بس…
كانت شايفة ذكريات حاولت تدفـ,ـنها سنين.

كريم كمل:
“وأمي كانت دايمًا خايفة إن الناس ترحمِني أو تتنمر عليا. علشان كده، لما شافت سيف، كل خوفها القديم رجع تاني.” دموعي كانت بتنزل بهدوء.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!