
محادثة عن الكرة. والألعاب. والمدرسة. والآيس كريم. أشياء بسيطة جدًا. لكنها كانت تبني جسرًا لم يستطع الكبار بناءه بسنوات من الكلام. خلال الأسابيع التالية أصبح آدم يزور عمر مرة كل أسبوع. ثم مرتين. ثم أكثر. دون ضغوط. ودون مطالب. ودون أن يحاول شراء حب الطفل بالمال. كان فقط حاضرًا. وللمرة الأولى في حياته اكتشف أن الحضور أهم من النفوذ. أهم من الشركات. وأهم من الحسابات البنكية. في إحدى المرات جلس مع عمر يساعده في واجب الرياضيات.
وبعد عشر دقائق قال عمر متذمرًا: “إنت مش شاطر خالص.” انفجرت ياسمين بالضحك. أما آدم فقال باحتجاج: “إزاي يعني؟” رد عمر بثقة: “ماما أذكى منك.” ولم يجد آدم أي حجة. لأن الحقيقة كانت أن ياسمين أنهت المسألة في أقل من دقيقة بينما كان هو ما يزال يحاول فهم السؤال. بعد أربعة أشهر تقريبًا. حدث ما كانت ياسمين تخشاه. كانوا عائدين من السينما. هي وآدم وعمر. عائلة غير مكتملة تحاول أن تفهم شكلها الجديد. وفجأة سأل عمر من المقعد الخلفي:
“ماما؟” “نعم؟” “هو آدم صاحبي ليه شبهّي؟” تبادل آدم وياسمين النظرات. وجاء السؤال الذي كان ينتظرهم منذ البداية. “ونفس لون عيني.” ثم أضاف: “ونفس الضحكة.” ساد الصمت داخل السيارة. طويلًا. ثقيلًا. حتى أوقفت ياسمين السيارة على جانب الطريق. وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تعرف أن اللحظة جاءت. ولا يمكن تأجيلها أكثر. استدارت نحو ابنها. وكان قلبها يرتجف. أما آدم فشعر أن أنفاسه توقفت. قالت ياسمين بهدوء: “عمر… في حاجة مهمة لازم تعرفها.” نظر إليها الطفل باهتمام.
ثم أكملت: “آدم مش مجرد صاحب.” تجمد الصغير. ونظر إلى آدم. ثم عاد بعينيه إليها. قالت بصوت مرتعش: “آدم هو باباك.” ساد الصمت. ثانية. ثانيتان. ثلاث. كان آدم مستعدًا لكل شيء. للرفض. للغضب. للبكاء. لكنه لم يكن مستعدًا لما حدث. لأن عمر قال ببساطة: “أنا كنت عارف.” تجمد الاثنان. “إيه؟” هز كتفيه. “كنت عارف.” “إزاي؟” رد عمر وكأن الأمر بديهي: “لأني مش صغير للدرجة دي.” ثم نظر إلى آدم. “كنت ببص عليكم.” وأشار بينهما. “نفس العينين.”
ثم أشار إلى نفسه. “ونفسهم عندي.” كان آدم عاجزًا عن الكلام. أما عمر فأكمل: “وكمان كل ما حد يجيب سيرة بابا كانت ماما بتسكت.” نظر إلى أمه. “ولما ظهر آدم بقت تعيط بالليل.” شهقت ياسمين. فقال الصغير: “أنا كنت بصحى يا ماما.” وانكسرت آخر الحواجز داخل قلبها. وفي تلك الليلة. جلس آدم مع عمر وحدهما لأول مرة. على شرفة الشقة المطلة على البحر. وكان القمر ينعكس فوق المياه. قال عمر بعد فترة: “إنت هتمشي تاني؟”
شعر آدم بوخزة مؤلمة. وسأل: “تقصد إيه؟” خفض الطفل رأسه. وقال بصوت صغير: “زي الأول.” أغلق آدم عينيه. لأن هذا السؤال اختصر ثماني سنوات كاملة. اقترب منه. وجلس على ركبتيه أمامه. ثم قال بصدق لم يقله لأحد من قبل: “لو بإيدي أرجع الزمن كنت عملت أي حاجة عشان أبقى جنبك.” نظر إليه عمر بصمت. فأكمل آدم: “بس الزمن ما بيرجعش.” ثم وضع يده على كتف ابنه. وأضاف: “عشان كده هفضل موجود من النهارده وطالع.” “وعد؟”
“وعد.” مد عمر إصبعه الصغير. “وعد بالإصبع.” ضحك آدم وسط دموعه. وشبك إصبعه بإصبع ابنه. “وعد بالإصبع.” ومن خلف زجاج الشرفة… كانت ياسمين تراقبهما. ولأول مرة منذ ثماني سنوات كاملة… لم تشعر بالخوف. بل شعرت بشيء كانت قد نسيته منذ زمن طويل. الطمأنينة. يتبع
