Advertisements
Advertisements
منوعات

الم الفراق حكـايـات أسمـا ×3

Advertisements

بقيت الرسالة أمامها على الشاشة لوقت طويل. “أنا مش بطلب تسامحيني… أنا بس بطلب فرصة أبقى أب.” كلمات بسيطة. لكنها أعادت إليها سبع سنوات كاملة. سبع سنوات من السهر مع طفل مريض. ومن الجري بين المدرسة والعمل. ومن الخوف عندما ترتفع حرارته في منتصف الليل. ومن الجلوس وحدها في المستشفيات وهي توقّع الأوراق باسمها فقط. هي وحدها. دائمًا وحدها. أغلقت الهاتف. ثم دخلت إلى غرفة عمر. كان نائمًا على جانبه. يحتضن سيارة السباق الجديدة. وشعره مبعثر فوق الوسادة.

جلست بجواره. وأبعدت خصلة شعر عن جبينه. وهمست: “أنا خايفة يا عمر.” لم يكن يسمعها. لكنه كان السبب الوحيد الذي جعلها تتردد. لأن الأمر لم يعد متعلقًا بها وحدها. بعد أسبوع كامل. أرسلت رسالة قصيرة. أربع كلمات فقط. “نتقابل نتكلم. وبس.” وصل الرد بعد أقل من دقيقة. “أي وقت.” اختارت مقهى هادئًا يطل على البحر. مكانًا عامًا. بعيدًا عن الذكريات. وبعيدًا عن أي فرصة للضغط أو التلاعب. وصل آدم قبل الموعد بنصف ساعة. ولأول مرة منذ سنوات لم يرتدِ بدلته المعتادة.

قميص بسيط. وساعة عادية. ورجل يبدو أكبر بعشر سنوات مما كان عليه. عندما دخلت ياسمين رفع رأسه. ولم يتحرك. كأنه يخشى أن تهرب إذا اقترب. جلست أمامه. وساد الصمت. طويلًا. ثم قال أخيرًا: “إزيك؟” أجابت: “كويسة.” ثم عاد الصمت. حتى قالت هي: “عايز إيه بالضبط يا آدم؟” نظر إليها مباشرة. وقال دون تردد: “ابني.” لم تغضب. ولم تصرخ. فقط هزت رأسها. “متأخر أوي.” أخفض عينيه. “عارف.” “ثمان سنين.” “عارف.” “أول خطوة.” “عارف.” “أول كلمة.” “عارف.”

“أول يوم مدرسة.” أغمض عينيه. “عارف.” ثم أضاف بصوت مكسور: “وكل يوم منهم بندم عليه.” كانت هذه أول مرة تشعر أن الندم حقيقي. ليس لأنه قاله. بل لأنها رأته. في وجهه. وفي صوته. وفي الطريقة التي ينظر بها إلى الأرض كأنه عاجز عن مواجهة نفسه. قالت: “لو عمر عرف الحقيقة هيكرهني.” رفع رأسه بسرعة. “ليه؟” “لأني أخفيتها عنه.” سكت قليلًا. ثم قال: “ولو معرفش الحقيقة هيكرهني أنا.” نظر كل منهما للآخر. وللمرة الأولى منذ سنوات اتفقا على شيء.

كلاهما خائف. في تلك الليلة. لم تنم ياسمين. وظلت تفكر. حتى تذكرت شيئًا حدث قبل شهر. عندما عاد عمر من المدرسة. وسألها فجأة: “ماما؟” “نعم؟” “هو أنا معنديش بابا؟” تجمد قلبها يومها. وقالت: “عندك.” “فين؟” ولأول مرة لم تعرف ماذا تقول. فاكتفت بقول: “بعيد.” لكن عمر سأل بعدها سؤالًا آخر. سؤالًا لم تنسه. “هو يعرف إني موجود؟” ولم تستطع الإجابة. بعد ثلاثة أيام. كانت تجلس مع عمر على الشاطئ. يبني قلعة من الرمل. ويضحك. ويركض.

ثم يعود ليكمل البناء. فقالت فجأة: “عمر.” “نعم يا ماما؟” “لو قابلت شخص لأول مرة… وبعدين عرفت إنه كان نفسه يعرفك من زمان… تعمل إيه؟” فكر الصغير قليلًا. ثم قال: “أديله فرصة.” ابتسمت رغم دموعها. “حتى لو غلط؟” هز كتفيه. “على حسب الغلط.” “ولو ندم؟” نظر إليها باستغراب. ثم قال بجملة بسيطة جدًا: “الناس الكويسة بتغلط برضه.” شعرت بشيء ينكسر داخلها. لأن ابنها كان أرحم من الكبار جميعًا. وبعد أسبوع. وصل آدم إلى الحديقة العامة في الموعد المحدد.

وكان متوترًا لدرجة أن يديه كانتا ترتجفان. لم يكن هناك اجتماع شركات. ولا صفقة بملايين الجنيهات. ولا مؤتمر دولي. كل ذلك كان أسهل. أصعب شيء واجهه في حياته كان ينتظر الآن. رأى ياسمين أولًا. ثم رأى الطفل بجوارها. عمر. كان يحمل كرة صغيرة. ويرتدي قميصًا أزرق. ويبدو غير مدرك أن حياته كلها على وشك أن تتغير. اقترب آدم ببطء. أما عمر فابتسم فورًا. وقال: “صاحب الشوكولاتة!” ضحك آدم رغم دموعه. وأومأ برأسه. “آه.” ثم جلس أمامه.

وقال: “عامل إيه يا بطل؟” “كويس.” سكت آدم لحظة. ثم قال: “ممكن أسألك سؤال؟” “اسأل.” أخذ نفسًا عميقًا. وقال: “لو لقيت شخص كان غايب عنك سنين… بس كان نفسه يشوفك كل يوم… تزعل منه؟” فكر عمر طويلًا. أطول مما توقع الاثنان. ثم قال: “هو كان غايب ليه؟” نظر آدم إلى ياسمين. ثم عاد بعينيه إلى الطفل. وقال الحقيقة لأول مرة كاملة: “لأنه كان غبي.” ضحك عمر. ضحكة عالية صافية. ثم قال: “دي مش إجابة.” ابتسم آدم وسط دموعه.

وأجاب: “معاك حق.” ثم مد يده المرتجفة. وقال بصوت يكاد لا يُسمع: “أنا آدم.” مد عمر يده الصغيرة وصافحه. وقال: “وأنا عمر.” وفي تلك اللحظة… شعرت ياسمين أن القدر الذي فرّقهم ثماني سنوات كاملة… بدأ أخيرًا يفتح بابًا صغيرًا للعودة. ظلّت يد آدم داخل يد عمر لثوانٍ أطول مما ينبغي. ثوانٍ صغيرة. لكن بالنسبة له كانت تعادل ثماني سنوات كاملة. كان يحدق في أصابع الصغير. في حجمها. في دفئها. في الحقيقة التي حُرم منها كل هذه السنوات.

أما عمر فلم يشعر بثقل اللحظة. بالنسبة له كان مجرد رجل لطيف قابله عدة مرات. رجل يحضر له الهدايا ويبتسم له كثيرًا. قال عمر فجأة: “إنت بتحب الكورة؟” ضحك آدم. أول ضحكة حقيقية منذ شهور. وقال: “بعشقها.” رفع عمر حاجبيه. “بجد؟” “بجد.” “وأي نادي؟” نظر آدم إلى ياسمين للحظة. ثم قال اسم النادي. فتسعت عينا عمر فورًا. “مستحيل!” ضحكت ياسمين رغم نفسها. لأنهما كانا يشجعان النادي نفسه. وبدأت أول محادثة حقيقية بين الأب وابنه.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!