
اشـتريت مقـبرة جـنب قـبر جـوزي اللـي عـشت مـعاه 25 سـنة… لـكن لمـا شـفت الصـورة اللـي علـى القبــ,,ـر الجديد جنبه… نفسي اتقطع من الصدمة… .أنا وجوزي أحمد… كنا متجوزين 25 سنة.لما مات من 3 أسابيع في حادــ,,ـثة عربية…حسّيت إن الدنيا كلها انتهت معاه. كان راجع من شغل…الدنيا كانت شتا… والطريق زلق… حادــ,,ـثة فجائية…من النوع اللي الناس بتقول عليه: “حصل في لحظة.”حتى ما لحقتش أودّعه. كنا دايمًا بنحلم إننا نكبر سوا…وحتى المــ,,ـوت… نكون جنب بعض فيه.علشان كده…
بعد الدفــ,,ـنة…دفعت تقريبًا كل اللي معايا… واشتريت مقبــ,,ـرة جنب قبــ,,ـره على طول.كنت حاسة براحة غريبة…إني عارفة مكاني فين…وإني في يوم… هكون جنبه. جنب الراجل اللي كنت فاكرة إنه نصي التاني. الأسبوع اللي فات…كان المفروض عيد جواز.نا الـ26. اشتريت ورد أبيض…اللي كان بيحبه…وروحت المقابر أقعد معاه شوية لكن وأنا طالعة على قبــ,,ـره…حسيت إن في حاجة غلط…المكان اللي جنبه…..المكان بتاعي أنا…ماكانش فاضي. الأرض كانت متشقلبة…ولسه متردومة…وكان في شاهد قبــ,,ـر جديد…قلبي بدأ يدق بسرعة… إزاي؟!المكان ده مدفوع ومحجوز باسمي!محدش المفروض يندفــ,,ـن فيه! إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الورد وقع مني.
قربت خطوة خطوة… بحاول أفهم…في الأول قلت أكيد غلط… غلط هيتصلح…لكن بعدين…شفت الصورة…صورة محطوطة بعناية جنب الشاهد…وأول ما عرفت وشها…كل حاجة جوايا انهارت. نجلاء…أقرب صاحبة ليا زمان….اللي اختفت من 20 سنة…من غير أي أثر…لا وداع….ولا تفسير…ولا حتى خبر. وقعت على الأرض…مش قادرة أتنفس… إزاي؟!إزاي تكون هنا؟!دي حتى ماكانش حد لقاها… ولا اتأكد إنها ماتت…ومع كده…مدفونة جنب جوزي. كأنها…مكانها الطبيعي…وفي اللحظة دي…خدت بالي من حاجة…كان في ظرف مستخبي تحت الورد الأحمر. عليه اسمي…ايدي كانت بتترعش وأنا بفتحه…
وكان مكتوب جواه: يا إيرين… لو بتقري الكلام ده… يبقى أنا وفيت بوعدي. يتبع… 👀🔥صلي على محمد وال محمد وتابع👇👇👇
ايدي كانت بتترعش وأنا بقرا السطر… كأن كل حرف بيغرز في ص.دري…
“يا إيرين… لو بتقري الكلام ده… يبقى أنا وفيت بوعدي.”
وقفت مكاني مش قادرة أتنفس…
وعد؟!
وعد إيه؟!
ومين اللي كتبه؟!
بصيت حواليّا كأني مستنية حد يطلع يقولي إن ده كله هزار تقيل…
بس المكان كان ساكت… ساكت بطريقة مخيفة…
ريح خفيفة بتعدي بين القبور… وصوت شجر بيخبط في بعضه… وكأن الدنيا كلها عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي تايهة.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة…
كان فيه ورق تاني… متني بعناية…
خط الإيد… أول ما شفته… قلبي وقع.
ده خط أحمد.
جوزي.
وقعت على ركبي تاني… وأنا بفتح الورقة…
“عارف إنك هتتصدمي… ويمكن تكرهيني بعد اللي هتعرفيه…
بس لازم تعرفي الحقيقة… لأنك الوحيدة اللي تستاهلي تعرف.”
دموعي نزلت من غير ما أحس…
كملت:
“نجلاء ما اختفتش…
نجلاء ماتت… من 20 سنة…
وأنا السبب.”
شهقت بصوت عالي… كأن حد خبطني في ص.دري.
لا… مستحيل… أحمد؟!
الراجل اللي عاش معايا 25 سنة؟!
اللي كنت فاكرة إني أعرفه أكتر من نفسي؟!
كملت وأنا مش مصدقة:
“الليلة دي… اللي إنتي فاكرة إنها كانت آخر مرة شفتي فيها نجلاء…
أنا كنت معاها.”
ذكرياتي بدأت ترجع…
نجلاء… ضحكتها… أسرارنا… آخر مرة شفتها… لما قالتلي إنها محتاجة تقابل أحمد في موضوع مهم… وبعدها اختفت.
اختفت للأبد.
وأنا فضلت سنين ألوم نفسي… أقول يمكن زعلت مني… يمكن سافرت… يمكن حصل لها حاجة…
لكن الحقيقة… كانت قدامي طول الوقت… وأنا مش شايفاها.
الورقة كملت:
“كانت عايزة تقولك حاجة…
حاجة عني…
عن اللي بيني وبينها.”
قلبي بقى بيدق بعنف… وأنا خايفة أكمل… بس مش قادرة أوقف.
“أيوه… أنا كنت بخونك يا إيرين.”
الدنيا اسودت في عيني.
حتى بعد مــ,,ـوته… وجعني تاني.
بس الأسوأ لسه جاي.
“لكن اللي حصل الليلة دي… ماكنش خيانة وبس…
كان نهاية كل حاجة.”
إيدي بقت ساقعة… وأنا بقرا:
“اتخانقنا…
هي كانت عايزة تقولك… وأنا كنت خايف أخسرك…
الدنيا شدت… والكلام كبر…
زقتها…
وقعت…
رأسها خبطت في حافة الرصيف…
وسكتت.”
سكتت…
الكلمة دي رنت في دماغي.
سكتت يعني… ماتت.
أنا كنت متجوزة قاتل… 25 سنة… ومش عارفة.
كملت وأنا مش شايفة قدامي:
“كنت ممكن أبلغ…
بس جبنت…
خفت…
خفت أخسرك… وخفت أضيع…
فدفــ,,ـنتها… بإيدي.”
صرخت…
صرخة خرجت من جوايا… من مكان عمري ما سمعته قبل كده.
الناس في المقابر بصت ناحيتي… بس أنا ماكنتش شايفاهم.
“من يومها… وأنا عايش ميت…
وكل يوم بشوف وشها… وبسمع صوتها…
وكل مرة تبصيلي فيها بثقة… كنت بمــ,,ـوت أكتر.”
دموعي غرقت الورقة.
“لما عرفت إني همــ,,ـوت…
قررت أصلح اللي أقدر عليه… حتى لو متأخر.”
نفسي اتقطع…
“رجعت لها حقها…
طلعت رفاتها… ودفــ,,ـنتها جنب قبــ,,ـري…
علشان تفضل الحقيقة قريبة منك…
وعلشان أوفي بوعدي لها…”
وعد؟!
كملت…
“وعدتها إني مش هسيبها لوحدها…
وإنها هترجع لك…
حتى لو بعد سنين.”
وقعت الورقة من إيدي…
كل حاجة بقت واضحة… ومش مفهومة في نفس الوقت.
صاحبتي…
جوزي…
الخيانة… ال.… الكذب…
25 سنة كانوا كدبة؟!
ولا كانوا حقيقة واتلوثت؟
قعدت على الأرض وقت طويل… مش عارفة أعيط ولا أصرخ ولا أهرب.
وبعدين… بصيت للقبــ,,ـرين…
أحمد…
ونجلاء…
الاتنين جنب بعض.
زي ما كانوا في السر… بقى في العلن.
بس المرة دي… الحقيقة مكشوفة.
قمت بالعافية… قربت من قبــ,,ـر نجلاء…
بصيت لصورتها… نفس الضحكة… نفس العيون اللي كانت بتحكيلي كل حاجة.
همست بصوت مكسور:
“أنا آسفة… سامحيني…”
حسيت إني أنا كمان كنت مغفلة… كنت شايفة نص الحقيقة… ومصدقة إنه كل الحقيقة.
بصيت لقبــ,,ـر أحمد…
وقفت قدامه… لأول مرة… من غير حب… من غير حنين… بس وجع.
قلت:
“كنت ممكن تقول… كنت ممكن تختارني…
بس إنت اخترت الكدب.”
الهواء عدّى بين القبور… كأنه بيرد.
سكت شوية… وبعدين مسحت دموعي…
وحطيت الورد الأبيض… مش على قبــ,,ـره…
على قبــ,,ـرها هي.
ومن يومها…
بقيت بروح المقابر… مش علشان أحمد…
علشان نجلاء.
علشان الحقيقة اللي اتدفــ,,ـنت سنين… وطلعت أخيرًا.
وعلشان أفهم حاجة واحدة بس…
مش كل اللي بنعيشه حب… بيبقى حقيقي.
وأحيانًا…
أقرب الناس لينا…
بيكونوا أغربهم. وقفت قدام القبــ,,ـرين وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، الدنيا كلها حواليا كانت ساكنة بس جوايا كان في عاصفة، مش بس عاصفة وجع… لأ… عاصفة أسئلة، أنا كنت مين في حياة أحمد؟ زوجة؟ ولا ست اتخدعت سنين؟ ونجلاء… كانت ضحية؟ ولا كانت جزء من الخيانة؟ ولا الاتنين سوا؟ قعدت على الأرض تاني، المرة دي بإرادتي، وفضلت باصة للتراب كأني مستنية يرد عليا، كأن فيه حد تحت سامعني، وقلت بصوت مبحوح:
“إيه اللي حصل بالظبط؟” ومفيش رد… غير صوت الهوا اللي بيعدي زي أنين قديم، مسكت الورق تاني وقريت كل كلمة كأنها أول مرة، يمكن ألاقي حاجة فاتتني، يمكن ألاقي تفسير يهون اللي جوايا، بس الحقيقة كانت واضحة وقاسية، أحمد . نجلاء…
وفضل عايش معايا كل السنين دي وهو شايل السر ده لوحده، طب ليه ماقاليش؟ ليه اختار يعيش كده؟ وليه اختارني أنا أعيش في كدبة؟ قمت بالعافية ومسكت شنطتي، كنت ناوية أمشي… أهرب… أسيب المكان كله، بس قبل ما آخد خطوة، عيني جت على حاجة تانية جنب القبــ,,ـر، حاجة صغيرة ماخدتش بالي منها من الصدمة، صندوق خشب صغير، لونه قديم ومتحط بعناية، قلبي دق بسرعة تاني، قربت وفتحته بإيد مرتعشة، كان فيه شريط كاسيت قديم… ونوتة صغيرة، فتحت النوتة… لقيت جملة واحدة: “اسمعي… علشان تفهمي كل حاجة.”
حسيت إن الأرض بتسحبني تاني لجوه الحكاية، كأن الموضوع لسه مخلصش، خدت الشريط وحطيته في شنطتي، وقفت وبصيت آخر مرة على القبــ,,ـرين، وبعدين مشيت، الطريق من المقابر للبيت كان طويل، أو يمكن أنا اللي كنت تايهة، كل حاجة حواليا كانت عادية… ناس ماشية، عربيات، صوت بائع بيصرخ، بس أنا كنت في عالم تاني، عالم كله وجع وذكريات وأسئلة، وصلت البيت وفضلت واقفة عند الباب شوية، خايفة أدخل…
خايفة أشوف البيت اللي عشت فيه مع أحمد، كل ركن فيه بيفكرني بحاجة، ضحكة، خناقة، لحظة حب… كل حاجة بقت مشكوك فيها، فتحت الباب ودخلت، البيت كان ساكت، هدوء تقيل، كأن الحيطان نفسها عارفة اللي حصل، قعدت على الكنبة وطلعت الشريط، بصيت له شوية، وبعدين قمت وجبت جهاز قديم كان عندنا في الدولاب، حطيته وشغلته، صوت خشخشة بسيطة… وبعدين… صوته طلع، صوت أحمد، بس مش الصوت اللي كنت عارفاه، كان فيه كسر، فيه تعب، قال: “لو بتسمعي الشريط ده يا إيرين… يبقى أنا مش موجود، ويمكن تكوني عرفتِ الحقيقة… بس مش كلها.” قلبي وجعني، كملت أسمع، قال: “أنا كنت بحبك…
وده مش كدب، بس كنت ضعيف… وغلطت… وغلطتي كانت أكبر من إني أصلحها بسهولة، نجلاء ماكنتش مجرد نزوة… كانت فاهمةني، كانت شايفة فيا حاجة أنا نفسي ماكنتش شايفها، بس لما قررت أختار… اخترتك إنتي، واخترت أرجعلك… وهي رفضت، قالت إنها مش هتكون السر اللي هفضل مخبيه طول عمري، قالت إنها هتقولك،
وأنا خوفت… خوفت أخسرك… خوفت كل حاجة تتهد، الليلة دي… كنت فاكر إني هسيطر… بس الدنيا خرجت عن إيدي، زقتها… وماتت.” سكت شوية في التسجيل، وصوت نفسه كان واضح، كأنه بيبكي، كمل: “من يومها وأنا بدفــ,,ـن نفسي كل يوم، حاولت أنسى، حاولت أعيش، بس كل مرة كنت ببص في عينيكي… كنت بشوفها، بشوف خيانتي… وذنبي، لما كبرنا… وبدأنا نحلم نكبر سوا… كنت عارف إني ماستحقش الحلم ده، ولما عرفت إني همــ,,ـوت… حسيت إن دي فرصتي الوحيدة، رجعت لها حقها… ودفــ,,ـنتها جنب قبــ,,ـري… علشان ما أفضلش هارب حتى بعد مــ,,ـوتي.” التسجيل وقف… وفضلت قاعدة مكاني مش قادرة أتحرك، الكلام كان تقيل…
تقيل لدرجة إني مش عارفة أكرهه ولا أتعاطف معاه، كان قاتل… بس كان كمان إنسان عاش في عذاب سنين، بس هل ده يبرر؟ لا… مفيش حاجة تبرر، قمت ولفيت في البيت، فتحت الدولاب،
لقيت هدومه، ريحته لسه فيها، مسكت قميص ليه وفضلت باصة له، كل حاجة بقت مزدوجة… فيها حب وفيها خيانة، فيها ذكرى حلوة ووراها سر أسود، رميت القميص على السرير وقعدت أعيط، عياط طويل… مش بس على أحمد… على نفسي، على نجلاء، على السنين اللي راحت، تاني يوم صحيت وعيوني وارمة، بس جوايا كان في حاجة مختلفة، قرار… مش واضح بس موجود، لبست وخرجت، رجعت المقابر تاني، وقفت قدام قبــ,,ـر نجلاء، وقلت: “أنا عايزة أعرفك… من غير كدب المرة دي.” قعدت أحكيلها…
عني، عن حياتي، عن أحمد، عن كل حاجة، كأنها سامعاني، يمكن علشان أريح نفسي، أو يمكن علشان أديها حقها اللي اتسلب منها، وبعدها رحت لقبــ,,ـر أحمد، وقفت شوية وسكت، ماكنش عندي كلام، بس كان عندي شعور… شعور إني لازم أقفل الصفحة دي بطريقتي، الأيام عدت… وأنا بقيت أروح هناك كل أسبوع، مرة أحط ورد لنجلاء،
ومرة أقف ساكتة قدام أحمد، ومع الوقت… بدأت أفهم، مش أسامح… بس أفهم، إن الحياة مش أبيض وأسود، وإن البشر معقدين، بس برضه… الغلط يفضل غلط، وبعد شهر، خدت قرار مهم، روحت القسم، وقدمت بلاغ بكل اللي عرفته، بالشريط، بالورق، بكل حاجة، الضابط بص لي باستغراب وقال: “بعد كل السنين دي؟” قلت: “الحق ما بيمــ,,ـوتش.” التحقيق اتفتح، والموضوع كبر، ناس كتير اتكلمت، ملفات قديمة اتفتحت، اسم نجلاء رجع يتقال بعد ما كان منسي، وأهلها عرفوا الحقيقة أخيرًا، أمها جت المقابر، شفتها أول مرة وهي بتبكي على قبــ,,ـر بنتها، وجيت جنبها وقلت لها: “أنا آسفة…” بصت لي بعينين مليانين وجع، بس قالت:
“الحقيقة أحسن من الكدب.” الكلمة دي فضلت معايا، الحقيقة أحسن… حتى لو موجعة، ومع الوقت… حياتي بدأت تتغير، مشيت من البيت، نقلت مكان جديد، بدأت أعيش لوحدي… لأول مرة بجد، من غير ظل أحمد، من غير ذكريات تقيلة، بس برضه من غير كدب، بقيت أشتغل في مكان بسيط، أتعرف على ناس جديدة، أتعلم أعيش من تاني،
بس كل أسبوع… كنت برجع، أقف عند القبــ,,ـرين، وأفتكر كل حاجة، مش علشان أوجع نفسي… بس علشان ما أنساش، علشان أفتكر إن الحقيقة دايمًا بتطلع، حتى لو بعد سنين، وفي يوم… وأنا واقفة هناك، حسيت بهدوء غريب، أول مرة أحس بيه من يوم الحكاية بدأت، بصيت للقبــ,,ـرين وقلت: “أنا خلاص… سامحت نفسي.” يمكن ما سامحتش أحمد… بس سامحت نفسي إني كنت جزء من حكاية ماكنتش عارفاها، وإن حياتي مش انتهت عند اللحظة دي، مشيت وأنا لأول مرة مش حاسة بثقل، يمكن الوجع لسه موجود… بس بقي أهدى، أخف، يمكن علشان الحقيقة أخيرًا بقت مكشوفة، ويمكن علشان أنا أخيرًا بقيت حرة.
