
أصبحت سائقًا خاصًا لأرملة مصرية ثرية لأنني كنت في أمسّ الحاجة إلى المال… لكن بعد أن اتهمتني بالسرقة، وجدت رسالة مخبأة منها داخل السيارة جعلتني عاجزًا عن الكلام. عندما يكون لديك ثلاثة أطفال، وإيجار شقة متأخر، وفواتير كهرباء ومياه متراكمة فوق منضدة المطبخ، يصبح الكبرياء رفاهية لا تملكها. ولهذا قبلت العمل سائقًا خاصًا لدى السيدة “ليلى المنشاوي”. كانت أرملة ثرية تجاوزت السبعين من عمرها، من ذلك النوع من السيدات اللواتي يعشن في فيلا فاخرة بالتجمع الخامس خلف بوابات حديدية ضخمة، وترتدين اللؤلؤ حتى أثناء تناول الإفطار.
توقعت أن تكون متعجرفة وباردة… لكنها لم تكن كذلك. في البداية، كانت مهمتي تقتصر على توصيلها إلى المواعيد الطبية، وحفلات الجمعيات الخيرية، وإلى مقابــ,,ـــــبر العائلة كل يوم جمعة، حيث كانت تضع باقة من الزهور البيضاء على قبــ,,ـــــر زوجها الراحل. لكن بعد فترة بدأت تطرح عليّ أسئلة شخصية. “عندك كام سنة يا حسن؟” “وأولادك شبهك؟” “عارفين قد إيه أبوهم بيتعب علشانهم؟” وأحيانًا، بعد أن أوصلها إلى الفيلا، كانت تدعوني لشرب فنجان قهوة. كنت أجلس دائمًا على طرف المقعد، حريصًا ألا أشعر بالراحة أكثر مما ينبغي.
كانت تحكي لي عن زوجها الراحل، وعن وحدتها القاسية داخل ذلك البيت الكبير، وعن أبنائها الأربعة الذين لا يزورونها إلا عندما يحتاجون إلى توقيع على ورقة أو تحويل بنكي. وبصراحة… كنت أشفق عليها. وربما كان ذلك أكبر خطأ ارتكبته. يوم الثلاثاء الماضي، وصلت إلى الفيلا كعادتي، لكنني وجدت أبناءها جميعًا مجتمعين هناك. كانت السيدة ليلى واقفة في منتصف الصالون، شاحبة الوجه وترتجف. ثم قالت بصوت متوتر: “دبوس الألماس بتاعي اختفى.” ثم رفعت عينيها ونظرت إليّ مباشرة.
“وأعتقد إن حسن هو اللي أخده.” ساد الصمت في المكان. ابتسم ابنها الأكبر ابتسامة خبيثة. أما ابنتها فضمّت ذراعيها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن. شعرت بوجهي يحترق من الإهانة. قلت بصوت مرتجف: “يا هانم… والله أنا مستحيل—” قاطعتني بعصبية: “كفاية. خد العربية وودّيها للميكانيكي بتاعي في مدينة نصر. الأوراق موجودة في درج التابلوه. هو عارف المطلوب. وبعد ما تسلمه المفاتيح… شغلك عندي انتهى.” كنت أريد أن أرمي المفاتيح على أرضية الرخام وأغادر بلا رجعة.
لكنني كنت بحاجة إلى راتب ذلك الأسبوع. لذلك ركبت المرسيدس السوداء وانطلقت بها عبر شوارع القاهرة وأنا أكاد أختنق من الغضب والمهانة. وعندما وصلت إلى الورشة، فتحت درج التابلوه لأخرج الأوراق المطلوبة. وفجأة… انزلقت ورقة مطوية وسقطت على مقعد الراكب. تجمدت في مكاني. لأن اسمي كان مكتوبًا عليها بخط السيدة ليلى. وبيدين مرتجفتين فتحت الرسالة… وما قرأته بعدها جعلني عاجزًا عن النطق… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين الفصل الثاني تجمدت أصابعي فوق الورقة. لثوانٍ طويلة لم أستطع حتى أن أتنفس. كان اسمي مكتوبًا بخط السيدة ليلى المنشاوي الواضح. “إلى حسن…” قرأت الكلمات الأولى بينما قلبي يدق بعنــ,,ـــــف. “إذا كنت تقرأ هذه الرسالة الآن، فمعنى ذلك أن الأمور سارت كما توقعت تمامًا.” رفعت رأسي تلقائيًا ونظرت حولي داخل السيارة الفارغة. ثم عدت إلى الرسالة. “أعرف أنك الآن تعتقد أنني خنت ثقتك واتهمتك ظلــ,,ـــــمًا. وأعرف أنك تتألم. لكن أرجوك أكمل القراءة للنهاية.”
شعرت بغصة في حلقي. تابعت. “دبوس الألماس لم يُسرق. أنا التي أخفيته بنفسي.” اتسعت عيناي. أعدت قراءة الجملة مرتين. ثلاث مرات. كأن عقلي يرفض استيعابها. كيف؟ ولماذا؟ أكملت القراءة بسرعة. “أبنائي الأربعة ينتظرون مــ,,ـــــوتي منذ سنوات. لا أقول هذا بدافع الحزن أو المبالغة. إنها الحقيقة التي أعيشها كل يوم.” بدأت الكلمات تتراقص أمام عيني. “لقد لاحظت خلال الأشهر الماضية أنهم يحاولون السيطرة على كل شيء. حساباتي البنكية. أوراق أملاكي. حتى أدويتي.” شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
تذكرت نظرات أبنائها الباردة. زياراتهم النادرة. حديثهم الدائم عن التوكيلات والميراث. “لكن ما أخشاه أكثر من المال هو الحقيقة التي اكتشفتها منذ شهرين.”
