
نزلنا السلم كأننا بننزل على نــ,,ـــــار قايدة. الشارع قدام باب المخزن كان ساحة حرب مصغرة؛ شباب الحارة واقفين زي السد المنيع قدام “البلطجية” اللي جابهم حمايا، وناس لابسة لبس عمال وبدؤوا يكسروا في القفل بمزاج، وكأنهم في ملك أبوهم. حمايا كان واقف على جنب، لابس جلابية ومربع إيده وبيبص بشم,,اتة، ومراتي.. آه مراتي، كانت واقفة جنبه، لابسة عباية سوداء، وعنيها بتدور في وجوه الجيران بانتصار مستفز. أول ما شافتني خارج من باب البيت، رفعت إيدها وشاورت عليا وقالت بصوت عالي:
ـ أهو! أهو اللي أخد حاجتي وحابسها في المخزن! هاتوا حاجتي وكسروا الباب، القانون معايا! البلطجي اللي كان بيكسر في القفل بصلّي بقلة أدب وقال: “وسع كدة يا جدع إنت، معانا أمر بالتفتيش والتحريز”. دمي غلي لدرجة إني مكنتش شايف قدامي. أخويا الكبير مسكني من دراعي وقال بصوت واطي: “استنى يا رومانى، لو قربت منهم دلوقتي هنضيع حقنا”.. بس أنا كنت خلاص فقدت القدرة على السكوت. قربت من الراجل اللي بيكسر، وبكل قوة في إيدي زقيته لورا، وقع على الأرض ووقع معاه “الأجنة” اللي بيفتح بيها القفل.
صوت الخناقة عليّ، وبدأت الإيدين تتشابك. شباب الحارة دخلوا يحمونا، والشارع بقى مسموع فيه غير أصوات الشتائم والزعيق. في اللحظة دي، سمعت صوت سيرينة بوظيس من بعيد.. الكل اتجمد في مكانه. حمايا وشه اصفر، والبلطجية بداوا يلموا حاجتهم عشان يهربوا، بس كان الأوان فات. عربيتين شرطة دخلوا الشارع، ونزل منهم ضابط ومعاه عساكر. الضابط بصلنا وبص للمنظر وقال بصوت جهوري: “في إيه هنا؟ مين اللي عامل المشكلة دي؟” حمايا جرى على الضابط وهو بيصيح: “يا باشا أنا معايا أمر من المحكمة بتفتيش المخزن ده، والراجل ده منعني واعتدى على العمال!”.
الضابط بصله ببرود وطلب منه يشوف الورق. حمايا طلع ورقة من جيبه واداها للضابط. الضابط قراها كويس، وبعدين بصلي وبص للورق اللي كان في إيدي (صورة المحضر اللي عمله الأستاذ فوزي)، وقال لحمايا: ـ الورقة دي اللي معاك “إذن تفتيش” لمكان تاني خالص، والعنوان اللي هنا بتاع مخزن مش مرخص بالتفتيش عليه في القضية دي! إنت بتضلل العدالة وبتعمل تهجم على ملكية خاصة! حمايا اتجمد في مكانه، ومراتي ملامحها اتغيرت من الشم,,اتة للرعب. الضابط كمل: “الناس دي كلها تطلع على القسم، أخد أقوالكم هناك، وأي حد عمل تكسير أو اعتــ,,ـــــدا هيتحبس”.
في القسم، قعدنا ساعات. المحامي بتاعي جه، وبدأ يثبت إن حمايا زور في بيانات العنوان عشان يقتحم بيتنا، وإنه جايب بلطجية. المحامي بتاعهم كان بيحاول يدافع، بس الظابط كان حازم جداً، خصوصاً لما شاف المحضر اللي في مباحث الإنترنت. قبل ما نخرج، الضابط طلب من حمايا ومراتي يقعدوا في المكتب التاني.. سمعت صوت زعاق الضابط فيهم وهما بيتحيلوا عليه ينسى الموضوع. خرجوا من المكتب ووجوههم غرقانة في المذلة، وشفتهم وهما ماشيين من القسم، من غير اللوري، ومن غير البلطجية، ومن غير الهيبة اللي كانوا متخيلين إنهم داخلين بيها.
رجعت البيت مع إخواتي، وأمي كانت مستنيانا على باب الشقة، أول ما شافتني، حــ,,ـــــضنتني بدموعها وقالت: “الحمد لله.. الحمد لله اللي نصرك يا ابني”. لكن الهدوء ده كان هدوء كاذب. بالليل، وأنا قاعد براجع أوراق القضية مع المحامي، جالي خبر من ابن عمي اللي شغال في النيابة، قالي خبر خلاني أحس إن المعركة لسه بتبدأ: “حماك مش بس بيحاول يلفقلك قضايا، حماك بيحاول يفتح ملفات قديمة تخص شغل أخوك الكبير، وبيحاول يضغط على ناس كانت شغالة معاكم عشان يشهدوا زور ضدكم”..
بصيت لإخواتي وقلت: “الناس دي مش هتسكت.. هما دلوقتي بيدوروا على أي ثغرة يدمرونا بيها.. لازم نكون أسرع منهم”. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم بينما كنت أحاول ألملم خيوط المؤامرة الجديدة اللي بيحيكها حمايا ضد أخويا، كان البيت عندنا بيمر بحالة من الترقب القاتل. الأستاذ فوزي المحامي كان بيتحرك زي النحلة، بيجمع شهادات من الناس اللي حمايا حاول يضغط عليهم، وبيحضر مفاجأة تقيلة جداً للنيابة.
في اليوم ده، وأنا قاعد في مكتبي الصغير اللي بخلص فيه شغلي، لقيت الباب بيخبط بخفة.. كانت أخت مراتي، “هبة”. هبة كانت دايماً بعيدة عن خناقات أهلها، وكانت أقرب واحدة ليا وليها قبل ما النــ,,ـــــار تولع. دخلت وشها شاحب، وعيونها مليانة خوف. قعدت من غير ما تطلب، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي:
ـ رومانى.. أنا عارفة إني ماليش وش أقابلك بعد اللي أهلي عملوه، بس أنا مش قادرة أسكت أكتر من كدة. بابا وأمي ومراتي بيخططوا لحاجة أكبر بكتير من التلفيق والقضايا.. هما ناويين يبعتوا ناس يوم جلسة المحكمة الاقتصادية يتهجموا على المحامي بتاعك، ويحاولوا يس,,رقوا الملفات اللي فيها الرسائل الصوتية وتقرير المباحث. هما فاكرين إنهم لو ضيعوا “الأدلة”، القضية هتتلف وتتقفل لصالحهم. قلبي دق بسرعة.. “البلطجة” وصلت لحد المحكمة؟ بصيت لهبة وقولتلها: ـ شكراً يا هبة.. أنا كنت حاسس إنهم هيعملوا حركة زي دي، بس إني أعرفها منك ده معناه إنهم مفيش حدود لغبائهم.
بعد ما هبة مشيت، كلمت الأستاذ فوزي علطول وبلغته باللي سمعته. المحامي سكت لحظة وبعدين قال بحدة: ـ كدة اللعبة بقت في ملعبنا.. إحنا مش بس هنروح الجلسة، إحنا هنطلب حماية أمنية مشددة، وهنقدم للنيابة “نسخ احتياطية” من كل دليل، ونسخة أصلية هتكون في مكان سري بعيد عن إيدي تماماً. بس الأهم من ده، إحنا لازم نكشف “لعبهم” ده قدام القاضي في الجلسة.. لما يتهجموا أو يحاولوا يس,,رقوا، هيكونوا بيقدموا نفسهم للمحكمة مجرمين مش مجرد أطراف في قضية سب وقذف.
يوم الجلسة كان يوم مشهود.. الحارة كلها كانت واقفة معانا بقلبها، والشارع قدام المحكمة كان مليان بالناس. دخلنا قاعة المحكمة، ولقيت حمايا ومراتي قاعدين، وأول ما شافوني عينيهم كانت بتلمع بشم,,اتة، وكأنهم ضامنين إن الملف اللي في إيد المحامي هيختفي في لحظة. القاضي بدأ الجلسة، والجو كان مكهرب. المحامي بتاعي قدم كل الأدلة، وبدأ يتكلم بقوة عن الابتزاز والتهديد والافتراء. فجأة، وفي نص مرافعته، شفت حمايا بيومئ بإيديه لراجل غريب واقف في آخر القاعة.. الراجل ده بدأ يتحرك ناحية ترابيزة المحامي.
أنا وأخويا الكبير كنا مستعدين.. قبل ما الراجل يوصل للمحامي، قمت وقفت وصرخت في القاعة:

