
ـ يا سيادة القاضي! الراجل ده بيحاول يتهجم على المحامي بتاعي ويس,,رق ملفات القضية، ودول البلطجية اللي بعتهم حمايا عشان يضيعوا الأدلة! القاعة اتقلبت.. الأمن جيه في لحظة، ومسك الراجل ده، وبدأ القاضي يبص لحمايا بحدة. في اللحظة دي، شفت مراتي بتبصلي، ولأول مرة، شفت في عيونها “خوف”.. خوف حقيقي، مش كبرياء ولا عناد. القاضي أمر بالتحفظ على الراجل، وأمر ببدء تحقيق فوري في واقعة محاولة الس,,رقة جوه القاعة. حمايا حاول يبرر، بس صوته كان بيترعش، ومراتي قعدت على الكرسي كأنها فقدت القدرة على الكلام.
خرجنا من المحكمة وإحنا حاسين إننا كسبنا جولة مش بس قانونية، دي جولة في كرامتنا. لكن، وأنا خارج، لقيت مراتي واقفة قدام الباب، بتبصلي نظرة أخيرة.. نظرة كانت مزيج من الندم، والانكسار، وحاجة تانية مقدرتش أحددها.. كان واضح إنها بدأت تدرك إن اللعبة اللي لعبتها بأمر من أهلها، خربت بيتها وخلت كرامتها في الأرض. كنت عارف إن الجلسة الجاية هي اللي هتحسم كل حاجة، وإن دي كانت “قبل الأخيرة” في مسلسل الافترا، وإن النهاية خلاص قربت.. يا إما بالحق والعدل، يا إما بانهيار كل اللي بنيناه طول حياتنا.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم جاء يوم النطق بالحكم، والجميع داخل قاعة المحكمة حبسوا أنفاسهم. وقف الحاج عبد الستار وكبار الحارة في الخلف يساندوننا، بينما جلس حمايا ومراتي في الجهة المقابلة، وقد بدت عليهما علام,,ات الانكسار بعدما أحبط الأمن محاولتهم الأخيرة لس,,رقة الملفات وتزوير الحقائق.
اعتلى القاضي منصته، ونظر إلى الأوراق بنظرة ملؤها الهيبة، ثم نطق بالحق الذي انتظرناه طويلًا. حكمت المحكمة بإدانة زوجتي بتهمة السب والقذف العلني والطع,,ن في الأعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعاقبتها بالحبس ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ مؤقتًا كفرصة أخيرة، وغرامة مالية تقطّم الظهر، مع إحالة حمايا وقريبه إلى النيابة العامة بتهمة التحريض والتهجم ومحاولة تضليل العدالة.
في تلك اللحظة، ساد الصمت أركان القاعة، والتفتت مراتي إليّ وعيناها غارقتان في الدموع، والندم يمزق ملامحها بعد أن أدركت أن العند الأعمى وخلفية أهلها دمروا كل شيء. اقترب حمايا مني بصوت منخفض، وعزة نفسه المزيفة قد تلاشت تمامًا، وقال: “خلاص يا ابني.. الحق حقك، والبيوت أسرار، وإحنا طمعانين في كرمك وأصولك إننا نلم الموضوع وديًا ومنفضحش البنت أكتر من كدة”. نظرت إليه بثبات وهدوء، ولم تكن في قلبي شهوة للانتقام، بل رغبة في إرساء الحكمة التي تربيت عليها. قلت له بصوت رزين سمعه من حولنا:
ـ يا عمي، أنا مكنتش بدور على فضايح ولا خراب بيوت. أنا كنت بدافع عن الست اللي شقيت وتعبت عشان تطلعنا رجالة نعرف الأصول.. الست اللي بنتك وصفتها بـ “تربية مرّة” كإهانة، والنهاردة المحكمة أثبتت إن تربية الست دي بالحق والقانون كسبت غشومية وعِند عيلة كاملة. التفتُّ إلى مراتي وقلت لها:
ـ الكلمة زي طلقة الرصاص يا بنت الناس، لما بتطلع بتهد كل حيطة أمان بين الراجل ومراته. القلم اللي أخذتيه مني كان غلطة وضيق نفس على كرامة أمي، بس الغل والافتراء والقضايا الزور اللي عملتوها بعد كدة هدت كل جسور الرجوع.. إنتي طالق، مش انتقامًا منك، بس عشان المركب اللي يدــ,,ـــــخلا الغش والعند بتغرق.. وحق أمي المالي في الغرامة أنا متنازل عنه، عشان الست اللي ربتني علمتني إن الرجولة في العفو عند المقدرة، مش في كسر النفوس.
خرجت من قاعة المحكمة مرفوع الرأس، وإخواتي الرجالة يحيطون بي كالسور المنيع. عدنا إلى الحارة، وأول ما دخلت الشقة، ارتميت في أحضان أمي وبكيت كالطفل الصغير، وقولت لها: “حقك رجع يا أمي، والكل شهد إنك ربيتي رجالة بيصونوا العرض وبيجيبوا الحق بالأصول والقانون”. مسحت أمي دموعي بيديها الطاهرتين وابتسمت بحكمة وقالت: “يا ابني، الدنيا مفيهاش خير في بيت يتبني على العند وقلة الأصل، والحمد لله إن ربنا أظهر طهرنا ونصرنا من غير ما نلوث إيدينا بظلــ,,ـــــم حد.. اللي فات م,,ات، والنهاردة يوم جديد تبدأ فيه حياتك وأنت عارف إن راسك وراس عيلتك في السما”.
وانتهت تلك الحرب الشرــ,,ـــــسة، لا بالدم ولا بالخراب، بل بانتصار الحق وظهور الحكمة، لتبقى قصتنا درسًا لكل من يظن أن طيبة أولاد الأصول ضعف، أو أن لسان الإساءة يمكنه أن يكسر كرامة من تربى على يد ست بـ مية راجل.

