
فضلت قاعدة قدام النيل لحد المغرب. الشمس كانت بتنزل ببطء، والناس حواليا ماشية عادي جدًا، كأن الدنيا ما اتهزتش جوايا من كام ساعة. بس الحقيقة إن حياتي كلها كانت بتتفك زي خيط قديم. كل حاجة كنت فاكرة إنها ثابتة… طلعت قائمة عليا أنا بس. رجعت أوتيل صغير في الزمالك كنت حجزته بسرعة من الموبايل. أول ما دخلت الأوضة، حسيت بصدمة غريبة. أوضة عادية جدًا… سرير صغير… ستارة بيضا… ومكتب خشب بسيط. لكن رغم كده، كانت أرحم من المخزن اللي أهلي شافوه مناسب ليا.
حطيت الشنطة على الأرض وقعدت على طرف السرير. السكوت كان مؤلم. لأن أول مرة من سنين… ماحدش محتاج مني حاجة. لا تحويل بنكي. لا حل مشكلة. لا إني أبقى “الابنة المثالية”. بس بدل الراحة… حسيت بفراغ مرعب. وفجأة موبايلي رن تاني. أمي. بصيت للاسم ثواني طويلة. ثم رديت. صوتها كان مبحوح من العياط: — إنتِ فين يا مريم؟ غمضت عيني. — في مكان كويس. سكتت شوية. ثم قالت: — أبوكي من ساعة ما مشيتي وهو ما بيتكلمش.
الذنب حاول يدخل قلبي تاني. لكن المرارة كانت أقوى. قلت بهدوء: — وأنا من ساعة ما رجعت مصر وأنا نايمة جنب السخان يا أمي. عيطت أكتر. — ماكنش قصدي. ضحكت بوجع: — بس حصل. الصمت بينا كان تقيل. ثم همست: — البيت من غيرك عامل وحش أوي. الجملة كسرت حاجة جوايا. لأنها كانت أول مرة تحسسني إني “شخص” مش مجرد دور. لكن رغم كده… قلت: — البيت اللي ماكانش فيه مكان ليا… عمره ما كان بيتي.
قفلت المكالمة بعدها مباشرة. لأن لو كنت سمعت صوتها ثانية زيادة… كنت هرجع. وأنا عارفة إن الرجوع المرة دي هيقتلني. في اليوم اللي بعده، صحيت على عشرات الرسائل. قرايب. خالات. عمات. كلهم عندهم رأي. “عيب اللي عملتيه.” “مهما كانوا أهلك.” “الراجل ليه حق في بيت أهله.” “البنت ملهاش إلا جوزها.” قريت الرسائل كلها من غير ما أرد. الغريب إن محدش سأل: “إنتِ نمتي فين؟” “إنتِ موجوعة؟” “إنتِ محتاجة حاجة؟” لأ. المهم الراحة العائلية ما تتعكرش. حتى لو على ضهري أنا.
قفلت الموبايل ونزلت أفطر تحت. وأنا قاعدة في الكافيه الصغير بتاع الأوتيل، سمعت صوت حد بينادي: — مريم؟ رفعت عيني باستغراب. وكانت سارة. صاحبتي القديمة من الجامعة. نفس الضحكة. نفس الشعر الكيرلي. بس باين عليها إنها نضجت أكتر. شهقت: — يا نهار أبيض! إنتِ بجد؟ وقفت حضنتها تلقائيًا. وأول ما حضنتني… حسيت قد إيه كنت محتاجة حضن حقيقي. قعدنا سوا. وحكتلها كل حاجة. كل حاجة. من أول الغربة لحد المخزن. سارة فضلت ساكتة تسمع. ولما خلصت… قالت جملة عمري ما هنساها:
— إنتِ مش زعلانة علشان البيت يا مريم… إنتِ زعلانة علشان أول مرة تكتشفي إن حبهم كان مشروط. الكلمة دخلت قلبي مباشرة. لأنها كانت الحقيقة اللي بهرب منها. سارة مسكت إيدي: — بصيلي… اللي عملتيه مش قسوة. دي أول مرة تحطي نفسك في الصورة. الدموع نزلت مني غصب. لأن عمري ما حطيت نفسي في أي صورة. حتى وأنا ببني الفيلا… كنت ببنيها لهم هما. مش ليا. سارة سألتني: — هتعملي إيه دلوقتي؟ سكت. لأول مرة… ماعرفش.
الغربة كانت واخدة حياتي. وأهلي كانوا هدفي. دلوقتي الاتنين ضاعوا. قلت بصوت واطي: — مش عارفة. ابتسمت. وقالت: — حلو. أصل دي أول مرة يبقى عندك فرصة تختاري نفسك. الجملة فضلت معايا طول اليوم. وفي المساء… لقيت إشعار إن شريف المستثمر بعت عربون شراء رسمي. الرقم كان ضخم. رقم يخليني أعيش مرتاحة بقية عمري. بصيت للموافقة ثواني طويلة. ثم فجأة… افتكرت أمي وهي واقفة في الجنينة تسقي الورد. وأبويا وهو بيشرب الشاي في البلكونة وقت المغرب.
ويوسف وهو بيجري في الطرقة. غمضت عيني بتعب. أنا كنت عايزة حقي… مش خراب. طلبت مقابلة شريف تاني. واتقابلنا في مكتبه بعد يومين. راجل هادي وذكي. أول ما قعدت قال: — واضح إنك غيرتي رأيك. هزيت راسي ببطء. — أنا مش عايزة أبيع الفيلا. رفع حاجبه: — رغم اللي حصل؟ ضحكت بمرارة: — للأسف بحبهم رغم اللي حصل. سكت شوية. ثم قلت: — بس في نفس الوقت… مستحيل أرجع زي الأول. شريف بصلي باهتمام. ثم قال: — يبقى محتاجة حدود… مش انتقام.
الكلمة علقت في دماغي. حدود. أنا عمري ما كان عندي حدود. كنت بدي لحد ما أخلص. طلعت عقد جديد من الشنطة. وحطيته قدامه. — أنا عايزة أعمل حاجة مختلفة. قرأ الورق. ثم ابتسم بإعجاب: — ذكية جدًا. العقد كان بسيط. الفيلا هتفضل باسمي. أهلي يعيشوا فيها طول عمرهم. لكن ممنوع أي حد يبيع أو يورّث أو يعتبرها ملكه. ولو حصل أي تعدي… الحق القانوني الكامل يرجعلي فورًا. ولأول مرة… حسيت إني بحمي نفسي بدل ما أضحي بيها.
رجعت الفيلا بعدها بأسبوع. قلبي كان بيدق بعنف وأنا داخلة. البيت كان هادي بشكل غريب. أمي أول ما شافتني… عيطت فورًا. حضنتني بقوة وهي بتقول: — حقك عليا يا بنتي… حقك عليا. جسمي كله اتشنج. لأن دي أول مرة أسمع الاعتذار ده منها. أبويا كان قاعد في الصالة. أول ما دخلت… قام واقف. وشه كان تعبان جدًا. كأنه كبر سنين في أيام. قال بصوت واطي: — سامحيني. الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة. لأن طول عمري كنت مستنية منه موقف… مش اعتذار.
قعدنا ساكتين شوية. ثم حطيت العقود قدامهم. — البيت هيفضل لكم تعيشوا فيه. بس ملكيته ليا أنا وبس. أبويا هز راسه فورًا: — من حقك. أما أمي… فكانت بتعيط بصمت. لكن داليا؟ كانت واقفة عند باب المطبخ ووشها كله غضب. قالت بسخرية: — يعني رجعتي تتحكمي فينا بالقانون؟ لفيتلها بهدوء. وقلت: — لا… رجعت أحط حدود. ضحكت باستهزاء: — وحدودك دي تمنها إيه؟ بصيتلها بثبات: — تمنها إني ما اتكسرش تاني. كريم كان ساكت طول الوقت. ولأول مرة… شكله مكسور فعلًا.
بعد شوية قال: — أنا غلطت. بصيتله. أخويا اللي كنت مستعدة أبيع عمري عشانه. قال وهو منزل عينه: — أنا اتعودت إنك دايمًا هتسامحي… فافتكرت إن ده حق طبيعي. الكلام وجعني. لأنه حقيقي. كنت بديهم الحب لدرجة إنهم نسوا إنه تضحية. مش واجب. يوسف الصغير جري وقتها ناحيتي. وحضني فجأة. — طنط مريم… إنتِ هتعيشي معانا؟ الطفل الوحيد اللي ما أذانيش فيهم كلهم. نزلت لمست وشه. وقلت بابتسامة خفيفة: — لأ يا حبيبي… طنط مريم جابت لنفسها بيت.
أمي شهقت: — بيت؟! هزيت راسي. اشتريت شقة صغيرة على النيل. مش فيلا. مش قصر. بس أول مكان في حياتي… يتعمل علشاني أنا. وفي الليلة دي… طلعت أوضتي القديمة. كانت فاضية. داليا نقلت حاجتها منها بعد الأزمة. يمكن خوف. يمكن إحراج. دخلتها بهدوء. ولقيت حاجة فوق السرير. علبة صغيرة. فتحتها باستغراب. وكان جواها سلسلة دهب قديمة. سلسلتي. اللي بعتها زمان في أول سنة غربة علشان أكمل دفعة الأرض. وتحتها ورقة بخط أبويا: “كنت فاكر إن الرجولة معناها البيت يتسلم للولد… بس الظاهر إني نسيت إن البيت الحقيقي هو اللي بنته بنتي.”
الدموع نزلت مني فجأة. قعدت على السرير أبكي لأول مرة من غير غضب. مجرد وجع قديم… بيطلع ببطء. وفي آخر الليل… نزلت الجنينة. ريحة الفل كانت مالية المكان. أمي خرجت ووقفت جنبي. وقالت بهدوء: — فاكرة لما زرعتي الشجر ده بإيدك؟ ابتسمت وسط دموعي: — وكنتوا بتقولوا هيعيش أسبوع ويموت. ضحكت بخفة. ثم سكتت. وقالت: — إحنا ظلمناكي يا مريم. بصيت للشجر الطويل. وقلت: — عارفة. — هتقدري تسامحينا؟ السؤال كان صعب. لكن الحقيقة؟ أنا ماكنتش محتاجة أنتقم. كنت محتاجة يتحس بيا.
لفيتلها. وقلت بهدوء: — يمكن مش دلوقتي بالكامل… بس بحاول. حضنتني وهي بتعيط. وأنا للمرة الأولى… ماحسيتش إني ماكينة فلوس. حسيت إني بنتهم فعلًا. بعد شهور… رجعت اشتغل من مصر. وفتحت شركة صغيرة باسمي. وكل يوم الصبح… كنت أشرب قهوتي في بلكونة شقتي الجديدة وأنا ببص للنيل. وفي يوم… جالي اتصال من كريم. قال بتردد: — يوسف عايز ييجي يبات عندك يومين. ابتسمت بدون ما أحس. — يبقى يجيب الشنطة وييجي. قبل ما يقفل… قال بصوت مكسور: — شكرًا إنك ما بعتيش البيت.
بصيت للشمس وهي بتدخل الشقة. ثم قلت بهدوء: — أنا ماكنتش عايزة أخسر عيلة… أنا بس كنت عايزة ما أخسرش نفسي معاهم. يتبع



