Advertisements
Advertisements
منوعات

يوسف حكايات اسما السيد

Advertisements

يوسف — الحكاية التي بدأت قبل أن أرى النور اسمي يوسف. وُلدت لأمٍ قال عنها الناس إنها أضعف من أن تتحمل الحياة، فقط لأنها من قصار القامة. قبل أن أولد، ترك أبي أمي ومضى. كانت حاملاً بي حين قرر أن يختفي من حياتها، وكأن الحمل خطأ ارتكبته وحدها، لا حياة مشتركة كان شريكًا فيها. لم يتركها تواجه الخوف فقط، بل تركها تواجه مجتمعًا كاملًا.

كانت أمي تُدعى نجلاء، امرأة هادئة الملامح، رقيقة الصوت، لكنها تحمل داخلها صلابة لا يراها أحد. عندما اكتشف أبي حملها، بدأ يتغير تدريجيًا. في البداية أصبح كثير الصمت، ثم صار سريع الغضب، ثم اختفى تمامًا. لم يترك رسالة، ولم يترك مالًا، ولم يترك حتى وعدًا بالعودة. تركها وحدها، حاملًا، في بيت صغير، داخل حي لا يعرف الرحمة.

في البداية، حاولت أمي أن تكون قوية. أقنعت نفسها أن الناس سيتعاطفون مع امرأة تُركت وهي حامل. لكنها اكتشفت سريعًا أنها كانت مخطئة. بدأت الهمسات أولًا، ثم النظرات، ثم الكلمات المباشرة. كانت تسمع عبارات مثل: “كيف ستربي طفلًا وحدها؟” و“هي بالكاد قادرة على العيش”، و“أكيد الطفل سيولد مثلها”. كانت تسمع، تبتسم مجاملة، ثم تغلق باب بيتها وتبكي بصمت.

في أحد الأيام، وقفت جارتها أمامها وقالت جملة كسرت شيئًا عميقًا بداخلها: “لم يكن من المفترض أن تتزوجي رجلًا طبيعيًا، كان عليكِ أن تختاري رجلًا مثل ظروفك”. يومها لم ترد أمي. صمتت تمامًا، لكن داخلها بدأ ينهار. لأول مرة، بدأت تقتنع أن العالم ربما يكون على حق، وأنها ربما ظلمت طفلها قبل أن يولد. هناك، في تلك اللحظة المظلمة، خطرت لها فكرة قاسية: أن تتخلى عني بعد الولادة مباشرة، حتى لا أعيش نفس الألم.

لكن الحياة كانت أقسى مما توقعت. لم يعد همها كلام الناس فقط، بل أصبح همها كيف ستعيش. بدأت تعمل لساعات طويلة، تجمع ثمن الولادة، وتحاول ادخار القليل لتبدأ حياة جديدة بعيدًا عن الجميع. ومع اقتراب موعد الولادة، أصبحت وحيدة تمامًا. لا زوج، لا عائلة بجانبها، ولا جيران يمكن الاعتماد عليهم. وجاء يوم الولادة.

كانت وحدها في المنزل عندما بدأ الألم. حاولت الصمود، لكن الألم كان أقوى. صرخت، بكت، طلبت المساعدة، لكن لم يأتِ أحد. كان الجيران يسمعون صوتها، لكن لا أحد طرق الباب. ومع اشتداد الألم، اضطرت أن تعتمد على نفسها. حاولت أن تستر نفسها، تحافظ على كرامتها، وتتحرك رغم الألم الذي كاد يفقدها الوعي. زحفت نحو باب الشقة، دموعها تغرق وجهها، وجسدها يرتجف من الألم والخوف. وعندما وصلت أخيرًا إلى الباب وفتحته، وجدت رجلًا يقف أمامها. كان اسمه مراد سالم.

كان مراد يسكن في نفس البناية، لكنه كان منعزلًا عن الجميع. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان معروفًا بأنه رجل محترم. كان عائدًا إلى شقته عندما سمع صوتها، فقرر أن يطرق الباب. لم تتذكر أمي الكثير بعد ذلك، لأنها فقدت وعيها تقريبًا، لكنه حملها ونقلها إلى المستشفى. هناك، وُلدت أنا. قال الطبيب إن الولادة كانت صعبة، وإن تأخرها دقائق إضافية كان سيعرض حياتنا للخطر. بقيت أمي في المستشفى أيامًا، وكان مراد يزورنا يوميًا، يجلب لها الطعام، ويسأل عن حالتها، ويتأكد أن كل شيء يسير بشكل جيد.

بعد خروجها من المستشفى، عاد مراد ليسألها إن كانت تحتاج إلى مساعدة. في البداية رفضت، لأنها اعتادت الاعتماد على نفسها. لكنه لم يضغط عليها، فقط قال: “أنا هنا لو احتجتِ أي شيء”. مرت الشهور، وبدأت أمي تستعيد قوتها تدريجيًا. لم تتخلَّ عني. كل مرة كانت تنظر إليّ، كانت تشعر أن الحياة أعطتها سببًا جديدًا لتستمر. ومع الوقت، أصبح مراد جزءًا هادئًا من حياتنا. لم يحاول أن يحل محل أحد، ولم يطلب مقابلًا لأي مساعدة. فقط كان موجودًا عندما نحتاجه.

عندما بلغت الخامسة من عمري، مرضت أمي بشدة. يومها، كان مراد هو من أخذني إلى المدرسة، وهو من بقي معها في المستشفى، وهو من وقف بجانبنا دون أن يطلب شيئًا. بعد سنوات، طلب مراد الزواج من أمي. لم يكن طلبه مفاجئًا بقدر ما كان هادئًا وبسيطًا. قال لها: “أنا لا أريد أن أكون بطلًا في حياتك… أريد فقط أن أكون بيتًا آمنًا لكِ وله”. وافقت أمي.

كبرت وأنا أسمع قصصًا عن ضعفي المفترض، وعن شكلي الذي توقعه الناس، لكنني كبرت قويًا، وناجحًا، وفخورًا بأمي. تعلمت أن القوة ليست في شكل الجسد، بل في صلابة الروح. تعلمت أن الناس قد يحكمون عليك من الخارج، لكن الحقيقة دائمًا أعمق من ذلك. بعد سنوات طويلة، عدت إلى نفس الحي، ليس كطفل خائف، بل كرجل ناجح. وقفت أمام البيت القديم، وتذكرت كل شيء. لم أشعر بالغضب تجاه أحد. لأنني أدركت أن حياة أمي لم تتشكل بسبب قسوة الناس فقط، بل بسبب شجاعتها في الاستمرار رغم كل شيء.

اليوم، عندما يسألني أحد عن قصتي، أقول إنني وُلدت مرتين: مرة عندما خرجت إلى الدنيا، ومرة عندما قررت أمي ألا تتخلى عني. وأعتقد أن هذا هو الانتصار الحقيقي. تمت لم تكن تعرف أن رسالة واحدة ستغيّر حياتها اسمي ليلى، ولم أكن يومًا من الأشخاص الذين يؤمنون بأن الحياة يمكن أن تنقلب في لحظة واحدة. كنت أظن أن التغييرات الكبيرة تحتاج سنوات، أو على الأقل إشارات واضحة يمكن الاستعداد لها. لكنني اكتشفت أن هذا ليس صحيحًا.

كنت أعيش حياة هادئة ومستقرة. أعمل محاسبة في شركة صغيرة، وأسكن مع والدتي بعد وفاة والدي بثلاث سنوات. لم تكن حياتي مثالية، لكنها كانت آمنة، وهذا كان كافيًا بالنسبة لي. في أحد الأيام، بينما كنت في طريقي إلى العمل، تلقيت رسالة من رقم غريب. كانت الرسالة قصيرة جدًا: “تحققي من حساب والدك البنكي القديم”. ظننتها في البداية محاولة احتيال، لكن شيئًا ما في داخلي جعلني أتوقف. لم يكن في الرسالة رابط، ولا طلب لبيانات، فقط جملة واحدة.

قضيت اليوم كله أحاول تجاهلها، لكن الفضول لم يتركني. في المساء، بحثت في أوراق والدي القديمة. كنت أعرف أنه كان يملك حسابًا بنكيًا قديمًا لم نستخدمه منذ وفاته. لم أكن أتوقع أن أجد شيئًا مهمًا، لكنني قررت الذهاب إلى البنك في اليوم التالي. في البنك، طلبت من الموظف الاستعلام عن الحساب. نظر إلى الشاشة، ثم رفع رأسه نحوي باندهاش واضح. سألني: “هل أنتِ متأكدة أنكِ لم تراجعي هذا الحساب من قبل؟”. هززت رأسي بالنفي. طلب مني الجلوس قليلًا، ثم عاد ومعه مدير الفرع.

قال المدير بهدوء: “هذا الحساب لم يكن فارغًا أبدًا”. لم أفهم ما يقصده حتى أدار الشاشة نحوي. كان هناك مبلغ لم أره في حياتي من قبل. شعرت أن الغرفة تدور حولي. حاولت أن أتكلم، لكن صوتي خرج ضعيفًا: “كيف…؟”. أوضح المدير أن والدي كان يودع مبلغًا صغيرًا كل شهر لسنوات طويلة، ولم يخبر أحدًا عن الحساب. لم يكن المبلغ خياليًا، لكنه كان كافيًا لتغيير حياتي تمامًا. خرجت من البنك وأنا في حالة صدمة. لكن السؤال الذي لم يتركني كان: من أرسل الرسالة؟

بعد أسبوع، تلقيت رسالة أخرى من نفس الرقم. هذه المرة كانت أطول قليلًا: “والدك كان يريدك أن تعيشي حياة لا يخاف فيها قلبك من الغد”. حاولت الاتصال بالرقم، لكنه كان مغلقًا. أرسلت رسالة، ولم يصلني رد. مرت الشهور، وبدأت حياتي تتغير. سددت ديون والدتي، أصلحت المنزل، وبدأت مشروعًا صغيرًا كنت أحلم به منذ سنوات. لكنني لم أنسَ أبدًا تلك الرسالة، ولا الشخص الذي أرسلها.

في أحد الأيام، بينما كنت أراجع أوراق والدي مرة أخرى، وجدت ظرفًا صغيرًا لم أره من قبل. كان مكتوبًا عليه اسمي. داخل الظرف كانت هناك رسالة بخط والدي. كتب فيها: “إذا وصلتك هذه الرسالة، فاعلمي أن هناك شخصًا أثق به سيتأكد أنكِ ستعرفين الحقيقة في الوقت المناسب”. أسفل الرسالة كان اسم: عماد. تذكرت فجأة. عماد كان صديق والدي القديم، لكنه سافر منذ سنوات طويلة. بدأت أبحث عنه، حتى وجدته أخيرًا عبر أحد معارف والدي القدامى.

اتصلت به، وعندما عرف من أنا، صمت طويلًا، ثم قال: “تأخرت كثيرًا”. التقينا بعد أيام. كان رجلًا هادئًا، يشبه والدي في طريقته بالكلام. أخبرني أن والدي كان يخشى أن يحدث له شيء قبل أن يؤمن مستقبلي، لذلك فتح الحساب وطلب من عماد أن يخبرني عنه فقط إذا احتجت إليه يومًا. سألته: “ولماذا الآن؟”. أجاب: “لأنني عرفت أن والدتك تمر بظروف صعبة، وعرفت أنكِ تتحملين كل شيء وحدك. شعرت أن الوقت قد حان”. عدت إلى المنزل يومها وأنا أشعر بشيء لم أشعر به منذ وفاة والدي. شعرت أنني لست وحدي. شعرت أن هناك حبًا كان يحيطني طوال الوقت دون أن أراه.

اليوم، بعد سنوات من تلك الرسالة، أصبح مشروعي أكبر مما كنت أتخيل، وأصبحت أساعد فتيات كثيرات على بدء حياتهن المهنية. كل مرة أوقع عقد عمل جديد، أو أرى فتاة تبدأ طريقها بثقة، أتذكر تلك الرسالة. وأدرك أن بعض الأشخاص لا يختفون أبدًا… حتى لو غابوا عن أعيننا. أعيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!