
دخلت أميرة الكافيه وهي شايلة ليان على كتفها، وكان قلبها بيدق بطريقة غريبة، مش خوف بس، ولا غضب بس، حاجة بين الاتنين، كأنها ماشية ناحية باب لو اتفتح ممكن يطلع منه كل اللي دفنته بالعافية خلال سنة ونص. غيث وقف أول ما شافهم، وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتحرك وراخبط في الأرض بصوت خفيف، وبعدين ثبت مكانه، كأنه خايف أي حركة زيادة تخوفهم. كان لابس قميص أبيض بسيط وبنطلون غامق، من غير ساعة فخمة ولا بدلة ولا مظهر رجل الأعمال اللي الناس بتتحرك حواليه، كأنه قرر ييجي كإنسان عادي لأول مرة في حياته.
عينيه راحت فورًا على ليان، وكانت الطفلة صاحِية وبتبص حوالينها بفضول، ماسكة طرحة أميرة بإيد صغيرة ومكشرة شوية لأنها لسه خارجة من نومها. قال بصوت هادي: — أهلاً يا ليان. ليان بصتله لحظة، وبعدين خبّت وشها في رقبة أميرة. غيث ابتسم بحزن وقال: — واضح إنها فاكراني من امبارح… الراجل الغريب اللي الناس كلها كانت بتبصله. أميرة ما ابتسمتش، حطت شنطة ليان على الكرسي، وقعدت بهدوء وهي بتقول: — نص ساعة يا غيث. أومأ بسرعة: — عارف.
مش هضغط عليها. مش هلمسها غير لو هي قربت. مش هسأل أسئلة تضايقك. أميرة رفعت عينها له باستغراب بسيط. كان واضح إنه محضّر نفسه، أو يمكن قعد الليل كله يفكر في كل كلمة ممكن يقولها ومايقولهاش. جلس قدامها، لكن مش قريب، وخلّى بينه وبينهم مساحة كافية.
الطفلة بدأت ترفع وشها من كتف أميرة وتبص ناحية الطبق اللي على الطاولة. غيث لاحظ فورًا وقال: — دي البطاطس المهروسة… بس من غير ملح كتير، وسألتهم يحطوا الزبدة على جنب لو مش بتحبيها. أميرة بصت للطبق، وبعدين له. — إنت سألت مين؟ — سألت الدكتور بتاع أطفال صاحبي عن الأكل المناسب للسن ده… وبعدين افتكرت إنك قلتي بتحب البطاطس. قالت ببرود: — ماكانش لازم تعمل بحث. دي طفلة مش مشروع دراسة. نزل عينيه للطاولة وقال: — عارف. آسف. الكلمة طلعت منه بسرعة، من غير دفاع ولا تبرير، وده ضايقها أكتر من لو كان دافع عن نفسه.
لأنها كانت مستعدة تحاربه، مش مستعدة تشوفه بيتعلم بسرعة. بدأت تطعم ليان بالمعلقة الصغيرة اللي طلعتها من شنطتها. ليان أول ما داقت البطاطس فتحت بقها تاني، وغيث عينيه لمعت كأنه بيشوف معجزة. لم يحاول ياخد المعلقة.
لم يقل “ممكن أطعمها؟” فقط ظل يراقبها وهي تأكل، وبداخله وجع واضح كأنه بيحسب كل وجبة فاتته. بعد دقايق، ليان مدت إيدها ناحية اللعبة الصغيرة على شكل قطة. غيث دفعها بهدوء لمنتصف الطاولة، قريب منها، من غير ما يلمسها. ليان شدت اللعبة، قلبتها بإيدها، وبعدين خبطت بيها على الطاولة وضحكت. غيث ضحك معها، ضحكة خرجت منه مكسورة وصادقة. أميرة لم تستطع منع نفسها من النظر إليه. كان مختلفًا. أو ربما كان نفس الرجل الذي كانت تتمنى أن يظهر منذ البداية. الفرق أن ظهوره الآن جاء بعد فوات أشياء كثيرة جدًا. قال غيث وهو لا يرفع عينه عن ليان:
— أنا عايز أعرف كل حاجة عنها. مش دلوقتي لو مش حابة. بس يوم ورا يوم. أول كلمة قالتها. أول مرة مشت على إيديها. بتنام إمتى. بتحب إيه. بتخاف من إيه.


