
عندها حساسية من حاجة؟ بتتعب كتير؟ مين الدكتور بتاعها؟ أميرة وضعت المعلقة بهدوء وقالت: — هقولك المهم. الباقي هتعرفه مع الوقت لو فضلت موجود. بلع ريقه وقال: — هفضل. نظرت إليه مباشرة، لأول مرة من بداية الجلسة. — دي أسهل جملة تتقال يا غيث. أصعب حاجة إنك تثبتها لما الحماس يروح، ولما تأجيل اجتماع يبقى أسهل من إنك تيجي تشوفها، ولما دموعها تبقى مزعجة مش مؤثرة، ولما تلاقي إن الأبوة مش لحظات لطيفة وصور جميلة، دي سهر وخوف ومسؤولية وتكرار وحاجات صغيرة محدش بيصفق عليها. قال بصوت ثابت: — عارف إني ماعرفش. وده يرعبني. بس أنا مستعد أتعلم. ضحكت بمرارة خفيفة.
— مستعد؟ زي ما كنت مستعد للجواز؟ زي ما كنت مستعد تكون شريك؟ زي ما كنت مستعد تحميني من والدتك؟ الكلام ده سكت غيث تمامًا. انخفضت ملامحه كأنه تلقى الضربة التي كان يعرف أنها جاية. قال بعد لحظة: — أنا فشلت معاكي. لم ترد. تابع: — فشلت قبل ما أخرج من البيت بوقت طويل. أنا كنت فاكر إني بحميكي من ضغوط حياتي، لكن الحقيقة إني كنت بحمي نفسي من الإحساس إني محتاج حد. كنت بخاف من فكرة العيلة لأنها بتطلب مني أبقى موجود بجد، مش مجرد راجل يدفع ويقرر.
أميرة ابتسمت ابتسامة لا فرح فيها. — التحليل النفسي جميل، بس مايرجعش اللي راح. — مش بحاول أرجعه. — لأ، بتحاول. رفع عينيه لها. — يمكن. مش هكدب. جزء مني عايز يرجع كل حاجة. بس الجزء اللي صاحي فيا عارف إن ده مش حقي. أنا حقي الوحيد دلوقتي إني أصلح علاقتي ببنتي، ولو ربنا كرمني في يوم إنك تبصيلي من غير وجع، يبقى ده فضل مش حق. سكتت أميرة، ولأول مرة لم تجد ردًا جاهزًا. ليان في تلك اللحظة رمت اللعبة على الأرض وقالت بصوت صغير غير واضح: — تاتا.
انحنى غيث بسرعة، ثم توقف قبل أن يمد يده، ونظر لأميرة كأنه يستأذن حتى في التقاط اللعبة. كانت لحظة بسيطة، لكنها لم تكن بسيطة بالنسبة لها. أومأت بهدوء، فأخذ اللعبة من الأرض ومسحها بمنديل جديد ثم وضعها أمام ليان. الطفلة ابتسمت له هذه المرة مباشرة، ابتسامة واسعة أظهرت سنين صغيرين. غيث وضع يده على فمه كأنه يمنع نفسه من البكاء. أميرة أدارت وجهها للنافذة. لم تكن تريد أن ترق له. لم تكن تريد أن ترى الندم في عينيه كأنه شيء جميل. الندم لا يمسح الليالي. الندم لا يرضّع طفلة في الثالثة صباحًا.
الندم لا يملأ استمارات المستشفى ولا يواجه نظرات الناس ولا يرد على سؤال جارحة من قريبة تقول: “هو أبوها فين؟” ومع ذلك… كان الندم أول شيء حقيقي رأته منه منذ زمن بعيد. انتهت النصف ساعة أسرع مما توقعت. وقفت أميرة وهي تقول: — كفاية كده. غيث لم يعترض. لم يقل “خمس دقايق كمان”. فقط وقف وقال: — شكرًا إنك جيتي. حملت أميرة ليان، لكن الطفلة مدت إيدها للعبة القطة. غيث قال بسرعة: — خليها معاها. دي بتاعتها. أميرة ترددت. فقال بهدوء: — مش هدية مشروطة. ومش هسأل عليها. لو ضاعتها هجيبلها غيرها. لو كرهتها مش مشكلة.
أميرة أخذت اللعبة ووضعتها في شنطة ليان. عند الباب، سأل غيث: — ممكن أشوفها تاني؟ قالت من غير ما تلتفت: — هكلمك. ولم تكلمه يومين. لم يكن ذلك انتقامًا مقصودًا، أو هكذا أقنعت نفسها. كانت تحتاج أن تتنفس. تحتاج أن تعرف هل ما حدث حقيقي أم مجرد انفجار عاطفي مؤقت. غيث لم يضغط. لم يرسل عشرات الرسائل. أرسل رسالة واحدة في الليلة الأولى: “أتمنى تكون ليان بخير. أنا موجود لما تسمحي.” وفي الليلة الثانية أرسل: “اشتريت كتاب عن تربية الأطفال. اكتشفت إني جاهل جدًا.” لم ترد، لكنها قرأت الرسالتين أكثر من مرة. في اليوم الثالث، أصيبت ليان بسخونية مفاجئة.
بدأت بحرارة خفيفة بعد العصر، ثم ارتفعت بسرعة في الليل. حملتها أميرة وهي مفزوعة، أعطتها خافض حرارة، وضعتها تحت الدش الفاتر، واتصلت بالطبيب. كانت تفعل كل شيء كما اعتادت، وحدها، لكن هذه المرة وهي تفتح سجل المكالمات وجدت اسم غيث أمامها.

