
الفصل الثاني الصبح دخل على البيت تقيل. ماكانش شبه أي صباح عدى على نادية قبل كده. الفيلا الكبيرة اللي كانت دايمًا مليانة صوت أوامر الحاج رفعت، ورنة تليفوناته، وخطواته التقيلة وهو نازل السلم كأنه نازل يستلم مملكة، كانت هادية بشكل يخوف. نادية صحيت بدري كالعادة. لكن المرة دي ماقامتش تعمل فطار لرفعت. ماحضرتش له القهوة السادة اللي بيحبها. ماطلعتش بدلته من الدولاب. وماوقفتش قدام الباب تستنى تعليقه اليومي:
“الكرافتة دي مش لايقة.” أو: “القهوة باردة.” أو: “البيت عامل دوشة ليه؟” المرة دي نزلت المطبخ بهدوء، عملت فطار بسيط لآدم، وحطتله ساندوتشات المدرسة في العلبة الزرقا اللي عليها ديناصور أخضر. آدم كان قاعد على كرسي السفرة، بيحرك المعلقة في كوباية اللبن من غير ما يشرب. وشه كان شاحب. وعينيه تحتها هالات صغيرة. نادية قربت منه ومسحت على شعره. — مالك يا حبيبي؟
رفع عينيه لها وقال بصوت واطي: — هو الحاج رفعت هيمشي النهارده؟ نادية سكتت لحظة. السؤال كان بسيط. لكن إجابته ماكنتش بسيطة. رفعت ماخرجش من البيت امبارح. بعد ما شاف الورق، وبعد مكالمة ابنه، وبعد ما اتكسرت هيبته قدام نفسه قبل ما تتكسر قدامهم، دخل أوضة مكتبه وقفل الباب عليه. فضل طول الليل جواه. لا أكل. ولا نام. ولا خرج. نادية سمعت صوته أكتر من مرة بيتكلم في التليفون بعصبية.
مرة يزعق في محامي. ومرة يتكلم مع كريم. ومرة يصمت فجأة كأن اللي قدامه قاله كارثة. وفي آخر الليل، سمعت صوت حاجة اتكسرت في المكتب. يمكن كوباية. يمكن برواز. يمكن كبرياؤه. قالت لآدم بهدوء: — مش عارفة يا آدم. بص لها بقلق: — هو لو مشي… هتزعلِي؟ نادية قعدت قدامه. — أنا هزعل على حاجات كتير يا حبيبي. بس مش هزعل على إني اخترتك.
آدم بلع ريقه. — وأنا مش عايز أبقى سبب مشاكل. نادية مسكت إيده الصغيرة. — إنت مش سبب المشاكل. إنت السبب اللي خلاني أشوف الحقيقة. آدم كان لسه صغير. بس الجملة دخلت قلبه. يمكن ما فهمهاش كلها. لكن حس بيها. في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح. نادية وآدم بصوا ناحية الصوت. الحاج رفعت خرج. كان لابس نفس هدوم امبارح. القميص متكرمش. وشعره الأبيض مش مترتب.
وعينيه حمرا كأنه ما نمش دقيقة. المشهد كان غريب. راجل طول عمره بيظهر قدام الناس كامل. مكوي. متظبط. مسيطر. وفجأة يخرج كده. مكسور من غير ما يعترف. بص عليهم. نادية ثبتت مكانها. وآدم نزل عينه في الطبق. رفعت لاحظ. وكان واضح إن الحركة وجعته. قال بصوت أخف من العادة: — آدم. الولد ما ردش. نادية ما تدخلتش.
رفعت قرب خطوة. — رايح المدرسة؟ آدم هز راسه آه من غير ما يبصله. رفعت بلع ريقه. — السواق يوصلك. آدم قال بسرعة: — ماما هتوصلني. جملة صغيرة. لكنها كانت رفض واضح. رفعت وقف مكانه. كأن طفل عنده عشر سنين حط بينه وبينه باب حديد. نادية قامت. — يلا يا آدم. آدم شال شنطته بسرعة، ومسك إيدها. وهم خارجين، رفعت قال:
— نادية. وقفت من غير ما تلف. — عايز أتكلم معاكي لما ترجعي. ردت بهدوء: — لو الكلام عن آدم، مافيش كلام. — وعن البيت؟ — مع المحامي. — وعن الشركة؟ هنا لفتت له. — الشركة مالها؟ رفعت سكت. والسكات ده قال كل حاجة. نادية بصتله شوية. ثم قالت: — لما أرجع. وخرجت. في العربية، آدم كان ساكت طول الطريق.
نادية حاولت تفتح معاه كلام عن المدرسة، عن الحصة، عن صاحبه يوسف، عن ماتش الكرة، لكنه كان بيرد بكلمة أو اتنين. قبل ما ينزل من العربية، بص لها فجأة وقال: — ماما. — نعم يا قلب ماما. — لو المدرس سألني عن واجب الرياضة أقول إيه؟ ابتسمت. كان السؤال عادي جدًا. وهذا العادي أنقذها. لثواني حسّت إن ابنها لسه طفل. لسه عنده واجب. ومدرسة.
وشنطة. ومسطرة ضايعة. مش بس طفل اتكسر امبارح. قالت: — قوله إنك عملته وإن الكراسة في الشنطة. — طب لو مالقيتهاش؟ — هتلاقيها في الجيب التاني. ابتسم ابتسامة صغيرة. ثم نزل. وقبل ما يدخل بوابة المدرسة، رجع جري وحضنها. حضن سريع. لكن كان محتاجه. وهي كمان كانت محتاجاه. بعد ما دخل، فضلت واقفة بالعربية شوية. لحد ما اختفى وسط الأطفال.
وبعدين أخدت نفس طويل ورجعت البيت. لما وصلت الفيلا، لقت عربية غريبة واقفة بره. سودا. بسيطة. مش من عربيات رفعت الفخمة. دخلت وهي حاسة إن في حاجة غلط. في الصالة كان فيه راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وقاعد قدام رفعت. أول ما شافها قام باحترام. — مدام نادية؟ رفعت قال بسرعة: — ده الأستاذ عادل. المحامي. نادية بصتله. — محاميك؟ الراجل رد قبل رفعت:
— محامي الشركة. أو كنت. كلمة “كنت” خلت رفعت يبصله بغضب. نادية قعدت على الكرسي المقابل. — خير؟ المحامي عادل اتنحنح. — بصراحة يا مدام نادية، وجود حضرتك بقى ضروري في الموضوع. رفعت قال بعصبية: — مافيش داعي تدخلها في التفاصيل. نادية بصت لرفعت. — إنت اللي قلت عن الشركة. وبعدين بصت للمحامي. — اتفضل. المحامي فتح ملف كبير.
— من حوالي سبع سنين، الحاج رفعت دخل في شراكة مع مجموعة استثمارية. وقتها كان فيه توسعات ومشروعات كتير. بعض العقود اتعملت باسم الشركة، وبعض الضمانات اتحطت بأسماء شخصية. نادية فهمت جزء. لكن مش كله. — يعني إيه؟ المحامي تردد. رفعت ضرب بإيده على الترابيزة. — خلّص يا عادل. عادل بصله وقال: — يعني الشركة عليها التزامات ضخمة. وفي تحقيق في تحويلات مالية قديمة. وفي احتمال تجميد أصول مرتبطة بالحاج رفعت.
نادية حسّت قلبها اتقبض. — والبيت؟ رفعت رفع عينه لها بسرعة. المحامي قال: — البيت باسم حضرتك، وده يخليه بعيد عن الحجز المباشر حاليًا. لكن… نادية ضيقت عينيها. — لكن إيه؟ — في ناس ممكن تحاول تثبت إن التسجيل كان صوري. رفعت قال بسرعة: — وده مش هيحصل. نادية بصتله. — عشان كده كنت عايز تكلمني؟ رفعت سكت. المحامي كمل:
— الحقيقة إن توقيع حضرتك على بعض الإقرارات ممكن يحمي الموقف. نادية ضحكت ببرود. — إقرارات؟ المحامي أخرج ورق. — مجرد إقرار إن البيت تم تسجيله باسم حضرتك كترتيب عائلي، وإن الحاج رفعت له حق إدارة التصرف فيه. نادية مدت إيدها خدت الورق. قرأته بهدوء. كل سطر كان فخ. لو مضت، البيت يرجع فعليًا تحت سيطرته. ولو حصلت مشكلة في الشركة، ممكن تلاقي نفسها وآدم في الشارع.
رفعت كان متابع وشها. مستنيها تضعف. مستني الست اللي عاشت معاه سنين وبتخاف من صوته ترجع تاني. لكن نادية حطت الورق على الترابيزة. وقالت: — لا. رفعت اتنفض. — لا إيه؟ — مش همضي. — نادية، دي مش لعبة. — وأنا كمان مش لعبة. المحامي حاول يتدخل: — مدام نادية، الموضوع محتاج تفكير… قالت وهي ثابتة: — فكرت. رفعت قام من مكانه.
— يعني عايزة تسيبيني أغرق؟ نادية رفعت عينها له. — إنت امبارح كنت عايز تغرق ابني. الكلمة سكتته. المحامي حس إنه في وسط معركة عائلية مالوش فيها. قفل الملف ببطء. وقال: — واضح إن الوقت مش مناسب. رفعت بصله بغضب. — اقعد. لكن عادل قام. — أنا قلت اللي عندي. القرار عند مدام نادية. ومشى. أول ما الباب اتقفل، رفعت انفجر.
— إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟ نادية قامت بهدوء. — آه. — لو الشركة وقعت، كل حاجة هتروح. — شركتك. — فلوسي. — فلوسك. — اسمي. — اسمك. قرب منها بعصبية. — وأنا؟ نادية بصتله. لأول مرة السؤال طلع منه عاري. من غير سلطة. من غير تهديد. “وأنا؟” قالت بهدوء: — إنت اللي لازم تقرر هتبقى مين.
سكت. فكملت: — راجل بيهدد طفل عشان عايز راحته؟ ولا راجل يعترف بغلطه قبل ما يخسر كل حاجة؟ رفعت ضحك ضحكة قصيرة موجوعة. — الاعتذار مش هيرجع الشركة. — بس ممكن يرجع آدم. وشه اتغير. — هو مش عايزني. — عنده حق. الكلمة وجعته. لكنها كانت حق. نادية كملت: — الطفل لما يتكسر، مايتصلحش بألعاب. ولا فلوس. ولا مشوار مدرسة. يتصلح بأمان. وإنت أخدت منه الأمان جوه بيته.
رفعت قعد على الكرسي. حط إيده على رأسه. وبدا لأول مرة عجوز فعلاً. مش رجل أعمال. مش صاحب شركة. مش زوج متسلط. عجوز تعب من نفسه. قال بصوت واطي: — أنا ماكنتش كده. نادية سكتت. — زمان كنت بحب الدوشة. كنت بحب لمّة العيال. كنت أرجع من الشغل ألاقيهم متعلقين في رقبتي. كنت أزعل لو حد نام قبل ما أشوفه. ابتسم بحزن.
— كريم كان بيستنانى عند الباب كل يوم. كان بيجري عليا وهو شايل عربية لعبة مكسورة عايزني أصلحها.
