
سكت لحظة. — وبعدين كبروا. وكل واحد بقى مشغول. وكل واحد بقى عايز مني حاجة. فلوس. منصب. توقيع. عربية. شقة. بص لنادية. — بقيت حاسس إني بنك. مش أب. نادية ردت بهدوء: — يمكن لأنك علمتهم كده. رفع عينه. الكلمة كانت قاسية. بس صحيحة. — إنت طول عمرك بتدي فلوس بدل الحنان. هدايا بدل الاعتذار. أوامر بدل الكلام. طبيعي يطلعوا شايفينك مصدر، مش أب. رفعت ما ردش.
لأنه كان عارف. كان عارف من زمان. بس ماكانش عنده شجاعة يسمعها. فجأة تليفونه رن. كريم تاني. رفعت بص للشاشة، ثم رد. فتح السبيكر من غير ما يقصد. صوت كريم جه متوتر: — بابا، لازم تيجي الشركة حالًا. — في إيه؟ — الموظفين اتجمعوا تحت. وفيه مندوبين من الرقابة المالية. والناس بتتكلم. رفعت وقف. — إزاي دخلوا؟ — مش عارف. بس فيه مستندات وصلت لهم.
وش رفعت اتغير. — مستندات إيه؟ كريم سكت. — كريم! جاله الرد بصوت مهزوز: — مستندات عليها توقيعك. رفعت بص لنادية. وفي عينيه خوف حقيقي. — أنا جاي. قفل. اتجه ناحية الباب. ثم وقف فجأة. بص لنادية. — محتاجك معايا. قالتها عينه قبل لسانه. لكن نادية ما اتحركتش. — ليه؟ — لأنهم لو عرفوا إن البيت باسمك وإنك ضدي، ده هيضعف موقفي.
نادية ابتسمت بمرارة. — يعني مش محتاجني كزوجة. محتاجني كواجهة. رفعت اتكتم. — أنا… قاطعته: — روح يا رفعت. — ونادية… — نعم؟ — ماتمضيش أي حاجة لحد ما أرجع. ضحكت بهدوء. — دي أول مرة تقول جملة عاقلة النهارده. خرج بسرعة. ونادية فضلت واقفة في الصالة. الغريب إنها ماحستش بانتصار. كان ممكن تحس إنها كسبت. إن الراجل اللي كان فاكر نفسه فوق الكل بقى محتاجها.
لكن قلبها كان تقيل. لأن الخراب لما يدخل بيت، ما بيفرقش بين مذنب وبريء. رفعت يستاهل يتعلم. لكن آدم ما يستاهلش يعيش وسط انهيار. بعد ساعتين، كانت نادية قاعدة في أوضة آدم بترتب كتبه. بتحاول تعمل أي حاجة تبعد دماغها. فتحت درج مكتبه الصغير. ولقت ورقة مطوية. فتحتها. وكانت بخط آدم. “أنا آسف يا ماما لو أنا عملت دوشة. أنا ممكن أبقى هادي. ممكن ألعب من غير صوت. ممكن أذاكر لوحدي. بس ماتسبينيش.”
نادية وقعت على طرف السرير. الورقة اترجت في إيدها. مافيش ألم أصعب من إنك تلاقي ابنك بيعتذر عن وجوده. حطت الورقة على صدرها وعيطت. عيطت بصمت. مش عشان رفعت. ولا عشان الشركة. ولا عشان البيت. لكن عشان الطفل اللي بدأ يفاوض الدنيا على حقه في الحب. ومن اللحظة دي، نادية عرفت إن الموضوع ماينفعش يخلص باعتذار بسيط. لازم آدم يستعيد أمانه. لازم يعرف إن البيت بيته.
وإن أمه مش هتسيبه. وإن مافيش راجل، مهما كان سنه أو فلوسه أو اسمه، يقدر يطرده من حضنها. قبل الظهر بشوية، وصلتها رسالة من رقم مجهول. “لو عايزة تعرفي الحقيقة عن رفعت، تعالي عند الشركة. الدور السابع. مكتب الأرشيف القديم. ومتجيش لوحدك.” نادية قرت الرسالة أكتر من مرة. قلبها دق بسرعة. مين بعت؟ وحقيقة إيه؟ كانت هتتجاهل الرسالة. لكن بعدها بدقيقة، وصلت صورة. صورة قديمة.
رفعت واقف مع كريم، ومع راجل تاني غريب. وعلى الترابيزة قدامهم ورق. وفي زاوية الصورة كان فيه صندوق صغير. نفس الصندوق اللي شافته مرة زمان في مكتب رفعت. صندوق حديد أسود كان دايمًا بيقفله بمفتاح صغير في سلسلة مفاتيحه. وتحت الصورة رسالة تانية: “اللي في الصندوق ده هو سبب كل اللي بيحصل. وهو كمان سبب إن رفعت عايز البيت يرجع تحت إيده.” نادية حسّت إن في باب جديد اتفتح.
باب أغمق من كل اللي فات. لبست بسرعة. اتصلت بأمها وطلبت منها تستقبل آدم بعد المدرسة. أمها سألت بقلق: — في إيه يا بنتي؟ نادية ردت: — بعدين يا ماما. خدي بالك من آدم بس. — هو كويس؟ نادية سكتت لحظة. — هيبقى كويس. قفلت. وأخدت شنطتها ونزلت. طول الطريق للشركة، كانت بتحاول تفكر بعقل. ماتثقش في رقم مجهول. ماتروحش مكان مش معروف.
لكن كل حاجة في الرسالة كانت مرتبطة. البيت. الشركة. الصندوق. وخوف رفعت. الشركة كانت في برج كبير في وسط البلد. مبنى زجاجي فخم. على بابه الأمن كانوا واقفين بارتباك. كان واضح إن فيه أزمة. ناس داخلة وخارجة. موظفين بيهمسوا. وجوه قلقة. وأول ما نادية دخلت، الكل بص لها. بعضهم عارفها. زوجة الحاج رفعت. لكن النظرات النهارده كانت مختلفة.
مش احترام بس. فيها فضول. وفيها شماتة خفيفة. وفيها خوف. طلعت الدور السابع. الممر كان أهدى من باقي الأدوار. في آخره باب قديم مكتوب عليه: الأرشيف. وقفت قدامه. وقبل ما تخبط، الباب اتفتح. كانت واقفة قدامها بنت في أوائل التلاتينات. بملامح مرهقة. وشعر مربوط بسرعة. وعينين مليانين خوف. قالت بصوت واطي: — مدام نادية؟ — أيوة. — ادخلي بسرعة.
دخلت نادية. البنت قفلت الباب بالمفتاح. الأوضة كانت مليانة دواليب حديد وملفات قديمة. ريحة ورق ورطوبة. نادية قالت بحذر: — إنتِ مين؟ البنت ردت: — اسمي نهى. كنت سكرتيرة الأستاذ كريم. — كنتِ؟ نهى هزت راسها. — فصلوني امبارح. — ليه؟ نهى قربت من مكتب صغير وفتحت درج. طلعت فلاشة. — عشان شفت حاجة ماكانش لازم أشوفها. نادية حسّت ببرودة في ضهرها.
— حاجة تخص رفعت؟ نهى بصت لها. — تخص رفعت وكريم. نادية خدت نفس. — اتكلمي. نهى قالت بسرعة: — من شهرين، الأستاذ كريم بدأ يطلع ملفات قديمة من الأرشيف. عقود أراضي. تفويضات. شيكات. في الأول افتكرت ده طبيعي. لكن بعدين لقيته بيعدل نسخ ويمضي ناس على مستندات بتاريخ قديم. نادية اتصدمت. — تزوير؟ — آه. — ورفعت عارف؟ نهى سكتت. السكات كان إجابة.
نادية حست الأرض بتميل. — كان عارف؟ نهى قالت: — في الأول لا. بعدين عرف. ولما عرف حاول يوقفه. لكن كريم هدده. — هدده بإيه؟ نهى مدت لها ملف صغير. نادية فتحته. وفيه صور إيصالات وتحويلات. وأسماء شركات وهمية. نهى قالت: — كريم كان بيسحب فلوس من الشركة باسم مشروعات وهمية. ولما الحاج رفعت اكتشف، كريم قاله لو فتح بقه هيطلع كل الورق القديم اللي يثبت إن رفعت نفسه عمل نفس الحاجات زمان.
نادية قعدت على كرسي قريب. دماغها دارت. الأزمة مش بس شركة بتنهار. دي حرب بين أب وابنه. كل واحد ماسك سر على التاني. نهى كملت: — بس فيه حاجة أهم. — إيه؟ — البيت. نادية رفعت عينها بسرعة. — مال البيت؟ نهى فتحت ملف تاني. — كريم عرف إن الفيلا باسم حضرتك. ومن أسبوع بدأ يجهز ورق يثبت إن التسجيل صوري. عايز يضم البيت للأصول اللي ممكن يسيطر عليها بعد ما أبوه يقع.
نادية شهقت. — يسيطر عليها إزاي؟ — بتوكيل مزور. نهى طلعت صورة من ورقة. نادية مسكتها. وكانت المصيبة. توكيل عام باسمها. بتوقيع يشبه توقيعها. لكن مش توقيعها. نادية وقفت. — ده مزور. — عارفة. — كريم عمل كده؟ نهى هزت راسها. — وعايز يستخدمه خلال أيام. نادية حسّت إن غضبها طلع لفوق. آدم كان في خطر أكتر مما تخيلت.
مش بس من قسوة رفعت. لكن من طمع كريم. قالت بصوت حاد: — ليه بتساعديني؟ نهى عينيها دمعت. — عشان أنا عندي ابن. نادية سكتت. نهى كملت: — عنده سبع سنين. ولما شفت الأستاذ كريم بيتكلم عن ابن حضرتك وقال “العيل ده يتشال من الصورة”، حسيت بخوف. نادية اتجمدت. — قال إيه؟ نهى بلعت ريقها. — قال للحاج رفعت إن وجود آدم بيقوي موقف حضرتك عاطفيًا، وإن لازم يبعدوه عن البيت بأي طريقة.
نادية قبضت على الملف. — بأي طريقة يعني؟ — ماعرفش. لكن وش نهى قال إنها خايفة من معنى الكلام. في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات في الممر. نهى وشها اتخطف. — حد جاي. الباب اتخبط بقوة. صوت رجالي من بره: — افتحي يا نهى. نادية عرفت الصوت. كريم. قلبها دق بعنف. نهى همست: — استخبي. لكن نادية ما استخبتش.
وقفت في نص الأوضة. الباب اتخبط تاني. — عارف إنك جوه. نهى بصت لنادية برعب. نادية خدت الفلاشة والملفات وحطتهم في شنطتها. ثم قالت: — افتحي. نهى اترددت. — مدام نادية… — افتحي. نهى فتحت. كريم دخل بعصبية. كان في أواخر الأربعينات. لابس بدلة غالية. وشه شبه أبوه في القسوة. لكن عينيه أضيق. أبرد. أول ما شاف نادية، اتجمد لحظة.
وبعدين ابتسم. ابتسامة ماطمنتش. — مرات بابا بنفسها؟ يا أهلا. نادية قالت ببرود: — كنت بدور على الحقيقة. بص لنهى. — ودي أكيد ساعدتك. نهى رجعت خطوة لورا. كريم قال لها: — إنتِ لسه ما اتعلمتيش تسكتي؟ نادية دخلت بينه وبينها. — كلمها باحترام. كريم ضحك. — واضح إنك واخدة دور البطولة بجد. — لا. واخدة دوري كأم. ابتسامته اختفت.
— آه. الأم العظيمة اللي فاكرة إن طفل صغير هيحميها. نادية قربت منه خطوة. — آدم بعيد عنك. كريم رفع حاجبه. — متأكدة؟ قلبها وقع. طلعت موبايلها بسرعة. اتصلت بأمها. الرنة الأولى. الثانية. الثالثة. ماحدش رد. وش كريم فضل هادي. هادئ بشكل مرعب. نادية صرخت: — عملت إيه؟ كريم قال بهدوء: — أنا؟ ولا حاجة. اتصلت تاني.
مفيش رد. اتصلت بالمدرسة. ردت موظفة الاستقبال. نادية قالت بسرعة: — آدم نادية محمود خرج؟ — لحظة يا فندم. ثواني كانت أطول من العمر. ثم رجعت الموظفة بصوت قلق: — يا فندم آدم خرج من عشر دقايق مع السواق. نادية اتجمدت. — أنهي سواق؟ — قال إنه من طرف حضرتك. ومعاه تصريح مكتوب. الموبايل كاد يقع من إيدها. كريم ابتسم.
وقال: — الأطفال سهل يتحركوا لما الكبار بيتخانقوا. نادية بصتله بعينين مولعين. وفي اللحظة دي… دخل الحاج رفعت الأوضة. كان واقف على الباب. وسمع آخر جملة. بص لكريم. ثم لنادية. وقال بصوت مرعب: — آدم فين يا كريم؟ كريم اتلفت لأبوه. ابتسامته اتشدت. — كنت بحمي العيلة. رفعت قرب منه ببطء. — سألتك آدم فين؟ كريم رد ببرود:
— في مكان آمن. نادية صرخت: — ده ابن عشر سنين! كريم قال: — وابن حضرتك ده سبب مصايب كتير. وقبل ما يكمل الجملة، رفعت ضربه بالقلم. الصوت رن في الأرشيف كله. نهى شهقت. نادية اتجمدت. وكريم حط إيده على وشه. مش مصدق. رفعت قال بصوت خارج من صدره كالرعد: — الطفل ده لو جراله حاجة… أنا اللي هدفنك بإيدي. كريم بصله بكره.
— دلوقتي بقيت بتدافع عنه؟ رفعت قرب منه. — آه. كريم ضحك بغضب: — بعد ما بوظت كل حاجة؟ بعد ما علمتنا إن الضعيف يتداس عليه؟ بعد ما عمرنا كله كنت بتقول اللي يملك يقرر؟ أنا تلميذك يا بابا. الكلمة وقعت على رفعت زي حكم. “أنا تلميذك.” كل القسوة اللي زرعها، وقفت قدامه في صورة ابنه. بس المرة دي القسوة كانت موجهة لطفل بريء. رفعت سحب نفس طويل.
وقال: — يمكن أنا علمتك الغلط. لكن لسه قادر أوقفك. كريم قال: — متقدرش. ثم رفع موبايله. — لأن آدم مش معايا أنا. نادية صرخت: — أومال مع مين؟ كريم ابتسم. — مع حد هيخليكي تمضي كل الورق برجليكي. وفي نفس اللحظة، موبايل نادية رن. رقم مجهول. إيدها كانت بترتعش وهي بترد. جالها صوت آدم. بيعيط. — ماما؟
نادية حست روحها اتسحبت. — آدم! إنت فين يا حبيبي؟ صوته كان مرعوب: — مش عارف. الراجل قال إنك بعتيه ياخدني. — اسمعني يا آدم. ماما ما بعتتش حد. إنت سامعني؟ قبل ما يرد، صوت رجل غريب مسك الموبايل. وقال بهدوء: — مدام نادية. عايزين الورق اللي معاكي. وعايزين توقيعك على التوكيل. قدامك ساعة. نادية صرخت: — لو لمست شعرة من ابني… الراجل قاطعها:
— ساعة واحدة. وقفل. نادية وقفت وسط الأوضة. مش شايفة حد. مش سامعة حد. كل حاجة اختفت. إلا صوت ابنها وهو بيقول: “ماما.” رفعت كان واقف جنبها. وشه أبيض. لأول مرة ماكانش في عينه غرور. كان في عينه رعب. رعب أب. أو رعب راجل فهم متأخر إن طفل بريء دفع ثمن خطايا الكبار. نادية بصت له. وقالت بصوت هادي جدًا:
— لو آدم ما رجعش… أنا مش هسامحك. رفعت ما دافعش عن نفسه. ما قالش “أنا مالي”. ما قالش “ابني هو السبب”. لأنه عارف. كل ده بدأ من جملة واحدة. “يا هو يا أنا.” والنهارده… الجملة رجعتله على هيئة كابوس. ابن نادية اختفى. والساعة بدأت تعد. يتيع
