
الفصل الرابع ريم فضلت ماسكة الموبايل الجديد في إيد، والورقة الصغيرة في الإيد التانية، كأنها ماسكة دليل جريمة مش هدية. “علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س” الجملة كانت قصيرة، باردة، عملية… وسليمية جدًا. ومع ذلك، قلبها عمل حركة غبية. حركة صغيرة كده، زي خضة دافية. قفلت الورقة بسرعة وحطتها جوه جيب السكرابز كأن حد ممكن يشوفها ويفهم حاجة هي نفسها مش فاهمة. مها ظهرت فجأة من وراها: — إيه ده؟ ريم اتنفضت. — مافيش.
مها ضيقت عينها. — مافيش إيه؟ ده موبايل جديد في علبة. مين اللي جابه؟ — شركة اتصالات. — شركة اتصالات بتبعتلك موبايلات للمستشفى؟ يا سلام يا أختي، ابعتي لهم رقمي. ريم حاولت تعدي من جنبها. — مها، عندي مرور. مها وقفت قدامها بابتسامة خبيثة. — لا لا. إحنا كده دخلنا في منطقة “مين الراجل؟” — مفيش راجل. — دي أكتر جملة بتتقال لما يبقى فيه راجل. ريم بصتلها بتحذير: — مها. — طيب اسمه إيه؟
ريم سكتت ثانية غلط. مها شهقت: — آه! فيه اسم! — مفيش. — غني؟ ريم افتكرت العربية، الفيلا، البوابة، الفطار اللي يكفي قسم كامل. قالت بتوتر: — عادي. مها ضحكت: — لما البنت تقول “عادي” وهي وشها أحمر يبقى الراجل يا إما غني جدًا يا إما مصيبة جدًا. ريم اتحركت بسرعة. — أنا رايحة أشوف المرضى. لكن مها جريت وراها وهي بتهمس: — ابقي احكيلي يا ريم! أنا صديقة السراء والفضايح. ريم رغم نفسها ابتسمت، لكنها أول ما دخلت الممر الطويل، ابتسامتها اختفت.
لأنها افتكرت حاجة مهمة. هي مش هتقبل الهدية. الموبايل ده مش بسيط. وهي مش ناقصة ديون نفسية. مش ناقصة حد يدخل حياتها من باب “أنا ساعدتك”. حتى لو سليم ماقالش كده. حتى لو طريقته ماكانتوش كده. حتى لو عينيه إمبارح وهو بيقول “مش كل مساعدة دين” كانت صادقة أكتر مما تحب تعترف. لا. لازم ترجعه. بس إزاي؟ بصت للموبايل القديم المكسور في إيدها. بعد محاولات كتير اشتغل أخيرًا على نسبة شحن ضعيفة. الشاشة كلها شروخ، لكن لسه بيستجيب بالعافية.
فتحت الكيس، لقت جواه كارت صغير عليه رقم. رقم مباشر. مكتوب فقط: “S.H.” ريم بصت للكارت كأنه بيبصلها. وبعدين قالت لنفسها: — لا، مش هتتصلي. بعد خمس دقايق كانت بتتصل. رن مرة. اتنين. وقبل الرنة التالتة، صوته جه: — كنت متوقع تتصلي أسرع من كده. ريم اتلخبطت، وبعدين اتعصبت من إنها اتلخبطت. — هو حضرتك دايمًا واثق في نفسك كده؟ — غالبًا. — الموبايل ده مينفعش. — ليه؟ — علشان غالي. — مش بالنسبة لي.
الجملة استفزتها. — بس بالنسبة لي. سليم سكت لحظة. ريم كملت بسرعة: — أنا بشكرك جدًا، بس مش هقدر أقبله. هبعته مع أي حد أو أجي أسيبه للبواب عندك. — ريم. — نعم؟ — موبايلك القديم خطر على أعصاب أي إنسان. — أعصابي أنا، وأنا حرة فيها. — وممكن يفصل في حالة طوارئ. — أنا في مستشفى، الطوارئ حواليا في كل حتة. — وممكن تحتاجي تتصلي بحد. — أنا عشت بالموبايل المكسور شهور.
— وركبتي عربيتي بالغلط. صمت. ريم ضغطت على شفايفها. — دي ضربة تحت الحزام. — لكنها صحيحة. — برضه مش هاخده. — اعتبريه أداة سلامة. — لا. — اعتبريه تعويض عن إني سيبتك تنامي في العربية. — لا. — اعتبريه دين عليكي وترجعيه لما تبقي استشارية مشهورة. ريم سكتت. هو عرف يلمس الحتة الصح. مش هدية. مش شفقة. دين مؤجل، حتى لو هو مش محتاجه. قالت بحذر: — يعني هرده؟ — لما تقدري. — كتابة؟
— تحبي أعمل عقد؟ — أنت ممكن تعملها فعلًا. سمعت في صوته شبه ابتسامة. — ممكن. ريم اتنهدت. — ماشي. هاخده… بس كدين. — تم. — وهرده. — مستني. — وماتجيبليش حاجات تاني. — حسب الحاجة. — سليم بيه. — ريم. الطريقة اللي قال بيها اسمها من الناحية التانية خلتها تسكت غصب عنها. في ثانية، كل دوشة المستشفى حوالينها بعدت. صوته كان هادي، قريب، كأنه واقف قدامها. قال: — كلي حاجة النهارده. رمشت باستغراب. — إيه؟
— أكل. مش قهوة بس. — حضرتك بقيت مسؤول تغذية؟ — بعد اللي شفته إمبارح، آه. ضحكت رغمًا عنها. — حاضر يا دكتور تغذية. — وخدي مسكن لرجلك. — حاضر يا أستاذ سيطرة. سكت لحظة، وبعدين قال: — هعدي على المستشفى بالليل. قلبها اتنفض. — ليه؟ — عندي زيارة. — زيارة لمين؟ — هتعرفي. الخط اتقفل. ريم فضلت باصة للموبايل. “هعدي على المستشفى بالليل.” الجملة كانت بسيطة. لكنها قلبت اليوم كله. في برج الحديدي، الدور الأربعين، كان سليم واقف قدام طاولة اجتماعات طويلة، وحواليه عشرة أشخاص ببدل رسمية ووشوش متوترة.
واحد من المديرين كان بيشرح أرقام مشروع ضخم في العاصمة الإدارية، لكن سليم ماكانش سامعه بالكامل. ده شيء نادر. سليم الحديدي عمره ما كان حاضر بجسمه وغايب بعقله. عقله كان دايمًا أسرع من الغرفة كلها. يلقط الغلطة قبل ما تتقال، يشم الخوف قبل ما يظهر، ويعرف مين بيزوّر رقم من طريقة بلعه لريقه. لكن النهارده… كان بيفكر في دكتورة امتياز لابسة سكرابز، واقفة في ممر مستشفى، غالبًا بتاكل نفسها بالشغل، ورافضة موبايل كأنه قصر. — سليم بيه؟
رفع عينه. المدير اتوتر. — حضرتك معانا؟ القاعة سكتت كلها. مصطفى، اللي واقف عند الباب، حس إن الراجل كتب استقالته بنفسه. سليم بص للمدير بهدوء. — لا. المدير وشه اصفر. سليم قفل الملف. — الاجتماع يتأجل ساعة. الكل قام بسرعة كأنهم خرجوا من امتحان نار. بعد ما فضيت القاعة، دخلت فريدة من الباب الجانبي من غير استئذان. كالعادة. كانت أنيقة بشكل حاد. شعرها مرفوع، بدلة بيضا، عطر قوي، وابتسامة مصنوعة بدقة. — تأجل اجتماعاتك دلوقتي؟
سليم رجع يقعد على كرسيه. — صباح الخير يا فريدة. — ماتسميش أختي باسمها كأننا في مؤتمر. — لما تدخلي مكتبي من غير ميعاد، هعاملك كضيفة غير مرغوبة. ابتسامتها اتجمدت. — بابا عايزك النهارده. — عارف. — والعشا مع نادين وأهلها الساعة تسعة. — مش هاجي. فريدة ضحكت بحدة. — مش هتيجي؟ — واضح إن سمعك كويس. قربت من المكتب. — سليم، بلاش العند ده. الجواز من نادين مش اقتراح رومانسي. ده قرار عائلي ومالي.
— قراراتي المالية باخدها أنا. — مش لما سمعة المجموعة على المحك. عينه بردت. — سمعة المجموعة بخير. — لأ. بعد تسريبات صفقة الميناء، محتاجين تحالف قوي. والد نادين هيدخل معانا استثمار ينقذ الموقف. سليم سكت. فريدة عرفت إنها لمست نقطة حساسة، فكملت: — أنت فاكر نفسك تقدر تشيل كل حاجة لوحدك. بس الحقيقة إن الحديدي مش أنت بس. رفع عينه لها. — الحديدي بقى موجود لأن أنا شيلت اللي أنتوا كسرتوه. الجملة خلت وشها يتغير.
لحظة صمت. فريدة قالت ببرود: — بابا مش هيسيبك تهرب المرة دي. — بابا على كرسي متحرك ولسه فاكر إن العالم بيقوم له. — خليك محترم. سليم قام ببطء. — الاحترام لا يورث يا فريدة. يُكتسب. دخلت نادين فجأة من الباب قبل ما فريدة ترد. كانت لابسة فستان ناعم، وشعرها معمول بعناية، ووشها كله ابتسامة مرسومة. — أنا دخلت في وقت غلط؟ سليم بص لها بدون أي تعبير. — آه. نادين اتوترت لحظة، لكن غطتها بسرعة بدلع. — وحشتني.
فريدة ابتسمت بانتصار صغير. — هسيبكم تتكلموا. خرجت. نادين قربت من سليم، وحاولت تحط إيدها على دراعه، لكنه اتحرك خطوة للخلف قبل ما تلمسه. الجرح بان في عينيها. — لسه برضه؟ — نادين، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده. — لا. أنت اتكلمت وأنا سمعت. في فرق. — مفيش جواز. ضحكت بمرارة. — أنت بتقولها كأنك تقدر تقرر لوحدك. — أقدر. — باباك مش هيسمح. — بابا جرب يتحكم فيا قبل كده. — ونجح. الكلمة وقعت تقيلة.
سليم سكت. نادين عرفت إنها وجعته، لكنها كملت بصوت أوطى: — أنا مش عدوك يا سليم. أنا أكتر واحدة فاهمة أنت بتهرب من إيه. عينه بقت أخطر. — ماتتكلميش عن حاجات ماتعرفيهاش. — أعرف أكتر مما تفتكر. وأعرف إنك بعد اللي حصل زمان بقيت بتخاف من القرب. بس مش كل الناس هتخونك. سليم بص لها ببرود: — القرب مش مشكلتي. الاختيار هو المشكلة. — وأنا اختيار سيئ؟ — أنتِ اختيار مش اختياري. وشها شحب. وبعد لحظة قالت: — في واحدة تانية؟
سليم سكت ثانية واحدة زيادة. ثانية واحدة بس. لكن نادين شافتها. ابتسامتها اختفت. — مين؟ — مفيش حد. — كداب. سليم مشى ناحية الباب. — الاجتماع خلص. نادين وقفت مكانها، عينيها مليانة غيرة وغضب. — لو فيه واحدة… فخليها تعرف إن عيلة الحديدي مش بتسيب اللي يخصها بسهولة. سليم وقف عند الباب، والتفت بنظرة باردة جدًا. — أنا لا أخص أحد. وخرج. لكن رغم كلمته… صورة ريم جات في دماغه. وهو لأول مرة حس بالخوف الحقيقي.
مش على نفسه. عليها. اليوم في المستشفى كان جحيم صغير. ريم ماكانتش فاضية تفكر في سليم، أو هكذا حاولت تقنع نفسها. لكن الموبايل الجديد في جيبها كان كل شوية يذكرها. كل ما تلمسه وهي بتطلع قلم. كل ما تحس بوزنه. كل ما تفتكر الورقة. “— س” كان إمضاءه شبهه. مختصر. واثق. مستفز. في نص اليوم، دخلت حالة حادث. شاب صغير، نزيف داخلي، أهله بيصرخوا، والدته ماسكة في إيد ريم وهي بتترجاها: — بالله عليكي الحقي ابني.
ريم نسيت كل حاجة. وقفت في الطوارئ، صوتها عالي وواضح، إيديها بتتحرك بسرعة، عقلها سابق خوفها. — جهزوا نقل دم. نادي الجراحة. الضغط بينزل، بسرعة! لساعات، اتحولت من بنت مرهقة لآلة إنقاذ. لحد ما الحالة دخلت العمليات. خرجت ريم بعد كده سندت ضهرها على الحيطة، إيديها بتترعش من الأدرينالين. مها جات جنبها. — أنقذتيه. ريم هزت راسها. — لسه. — بس عملتي اللي عليكي. ريم بصت للأرض. — دايمًا بحس إن اللي عليا مش كفاية.
مها لمست كتفها. — عارفة إيه مشكلتك؟ إنك بتفتكري إن كل روح بتتعب قدامك مسؤوليتك لوحدك. ريم ابتسمت بتعب. — أهو تدريب مبكر على الأمومة. — أمومة إيه؟ الأول نلاقي العريس صاحب الموبايل. ريم بصتلها بنظرة قاتلة. — مها. — خلاص خلاص. لكن قبل ما تمشي، مها قالت بجدية: — خلي بالك من نفسك يا ريم. الناس اللي بتفضل تنقذ غيرها، ساعات محدش بيلحقها لما تقع. الجملة دخلت في قلب ريم أكتر مما توقعت. ولسبب غريب… افتكرت سليم وهو بيمسكها قبل ما تقع.
الساعة كانت قربت تسعة بالليل لما ريم خرجت من الطوارئ. وشها شاحب، عينيها محمرة، شعرها مربوط بأي شكل، ورجلها بتوجعها أكتر من الصبح. كانت نازلة الممر وهي بتفكر في سندوتش فول من عربية قدام المستشفى، لما لقت حركة غريبة عند الاستقبال. رجالة ببدل. حراسة. مدير المستشفى بنفسه واقف مرتبك. دكاترة كبار ظهروا فجأة كأنهم كانوا مستخبيين طول اليوم. ريم وقفت. وبعدين شافته. سليم الحديدي داخل المستشفى. لكن مش لوحده. كان معاه راجل كبير على كرسي متحرك، وشه صارم، عينيه حادة رغم المرض.
جلال الحديدي.
