
والده. وراه فريدة، ونادين. ريم حسّت بحاجة غريبة في معدتها. نادين كانت جميلة بشكل مزعج. أنيقة وناعمة، واقفة قريبة من سليم كأن مكانها الطبيعي جنبه. ريم رجعت خطوة. مش عارفة ليه. هي مجرد دكتورة هنا. وهو جاي زيارة. مفيش أي سبب يخليها تحس كأنها اتقفشت في مكان غلط. لكن عيني سليم لقتها وسط الزحمة فورًا. وسط كل الناس… بص لها. نظرة واحدة. هادية، قصيرة، لكنها كافية تخلي قلبها يتهور. فريدة لاحظت. ونادين لاحظت أكتر.
مدير المستشفى كان بيقول: — نورتنا يا جلال باشا. طبعًا الجناح جاهز، وكل الفريق الطبي في خدمتكم. جلال قال بصوت خشن: — مش جاي سياحة. عايز دكتور شاطر. مدير المستشفى ابتسم بتوتر: — طبعًا يا فندم. الدكتور سامح رئيس القسم— لكن جلال قاطعه وهو بيبص ناحية ريم: — البنت دي. الكل بص لريم. ريم اتجمدت. مدير المستشفى ارتبك: — دي دكتورة امتياز يا فندم، ممتازة طبعًا، لكن— جلال رفع إيده. — شوفتها من شوية في الطوارئ. صوتها كان ثابت. إيديها ما اترعشتش. عايزها ضمن الفريق.
ريم حسّت إن الأرض اتسحبت من تحتها. سليم بص لأبوه باستغراب خفيف. فريدة ضيقت عينيها. نادين بصت لريم من فوق لتحت بابتسامة باردة. مدير المستشفى قال بسرعة: — طبعًا، تحت أمرك. ريم حاولت تتكلم: — بس يا دكتور، أنا— مدير المستشفى همس لها من بين سنانه: — وافقي. ريم بلعت ريقها. — حاضر. سليم قرب منها خطوة بعد ما الزحمة اتحركت ناحية الجناح. — أنتِ كويسة؟ ريم بصت حواليها، شايفة عيون كتير. — أيوه. — أكلتي؟
رفعت حاجبها رغم توترها. — بجد؟ وسط الحراسة ووالدك ونادين هتسألني أكلت؟ زاوية فمه اتحركت. — الإجابة؟ — نص سندوتش جبنة. وشه اتقفل. — ريم. — ده يعتبر تقدم. قبل ما يرد، صوت نادين جه من وراهم: — مش هتعرفنا يا سليم؟ ريم التفتت. نادين واقفة بابتسامة ناعمة، لكن عينيها مش ناعمة خالص. سليم قال ببرود: — الدكتورة ريم عبدالسلام. نادين مدت إيدها. — نادين المنشاوي. ريم صافحتها. — أهلاً. نادين ضغطت على إيدها ثانية أطول من اللازم. — سمعت إنك ساعدتي سليم إمبارح.
ريم سحبت إيدها بهدوء. — أظن هو اللي ساعدني. نادين ابتسمت. — سليم بيحب يساعد أحيانًا… بس نادرًا ما يهتم. الجملة كانت سهم. ريم فهمته. وسليم فهمه. وفريدة من بعيد فهمت إن فيه شيء يستحق المراقبة. ريم قالت بابتسامة مهنية: — حضرتك محظوظة إذن. نادين رمشت. — ليه؟ — لأن واضح إنه بيهتم بالعيلة. الرد كان ذكي. محترم. وبارد بما يكفي. سليم خبّى ابتسامته بصعوبة. نادين ابتسامتها شدت. — طبعًا. ريم قالت بسرعة: — بعد إذنكم، عندي شغل.
ومشت. لكن وهي ماشية، سمعت صوت جلال الحديدي من آخر الممر: — يا دكتورة ريم. وقفت. جلال بص لها بنظرة فاحصة. — تعالي. ريم قربت بحذر. قال: — أنتِ اللي كنتي بتصريخي على الممرضين في الطوارئ؟ ريم اتوترت. — كنت بوجه الفريق يا فندم. — لا. كنتي بتصريخي. ريم رفعت راسها. — لما حياة مريض بتبقى بين ثانية والتانية، الصوت العالي مش قلة أدب. ده إنذار. الصمت وقع. مدير المستشفى كاد يفقد وعيه. فريدة رفعت حاجبها. نادين ابتسمت بسخرية. وسليم… ثبت عينه على ريم بفخر صامت لم يفهمه.
جلال فضل باصص لها لحظات. ثم ضحك. ضحكة قصيرة خشنة. — عاجباني. ريم تنفست بعد ما كانت حابسة نفسها. جلال قال: — هتتابعي حالتي الليلة. — مع الفريق المختص، طبعًا. — مع الفريق. بس عينك تبقى موجودة. — حاضر. فريدة تدخلت ببرود: — بابا، دي طبيبة امتياز. مش مناسب— جلال قاطعها: — أنا اللي أحدد المناسب. سليم بص لفريدة بنظرة هادية كأنها صفعة. ريم حسّت إنها دخلت معركة عائلية من غير ما تطلب. وبصراحة… ده كان آخر شيء ناقصها.
بعد ساعة، كان جلال في جناح VIP. ريم واقفة بتراجع العلامات الحيوية مع الدكتور سامح، تحاول تبقى مهنية لأقصى درجة. سليم واقف عند الشباك. فريدة على الكنبة. نادين جنبها، وعيونها كل شوية تروح لريم. جلال كان عنده أزمة ضغط شديدة مع مشاكل قلب مزمنة. مش حالة بسيطة، لكن مستقرة حاليًا. الدكتور سامح خرج يجيب تقرير قديم، وبقيت ريم تراجع المحاليل. جلال قال فجأة: — أنتِ منين؟ ريم رفعت عينها. — من القاهرة. — أهلك؟ سليم اتنبه.
ريم قالت بهدوء: — والدتي متوفية. والدي موجود. عندي أخت. — ومخطوبة؟ ريم كادت تختنق. — لا يا فندم. جلال هز راسه كأنه بيجمع معلومات. — كويس. فريدة قالت بحدة: — بابا! ريم وشها احمر. سليم اتحرك من مكانه. — كفاية يا بابا. جلال بصلها كأن سليم مش موجود. — ليه طب؟ ريم سكتت لحظة، ثم قالت: — علشان أمي. الغرفة هديت. جلال، رغم قسوته، لمعت عينه بشيء غريب. — كانت دكتورة؟ — ممرضة. قالها بثبات.
فريدة رفعت حاجبها بخفة متعالية. نادين بصت في موبايلها كأنها فقدت الاهتمام. لكن جلال سكت. وبعدين قال: — الممرضات أشجع من نص الدكاترة اللي شفتهم. ريم ابتسمت لأول مرة. — هي كانت أشجع من ناس كتير. سليم بص لها. الابتسامة دي… كانت مختلفة. ناعمة. مليانة ذكرى. نادين شافت نظرته. وفي اللحظة دي، قررت إن ريم عبدالسلام مشكلة. مش لأنها جميلة فقط. ولا لأنها قريبة من سليم. لكن لأنها جعلته ينظر. وسليم الحديدي لا ينظر إلى أحد بهذه الطريقة.
قرب منتصف الليل، خرجت ريم من الجناح بعد ما استقرت حالة جلال. كانت هتروح الاستراحة، لكن لقت سليم واقف في الممر مستنيها. قالت بتعب: — والدك مستقر. — عارف. سمعت الدكتور سامح. — طيب. حاولت تمشي، لكنه قال: — ريم. وقفت. — أنتِ زعلانة؟ ضحكت باندهاش. — من إيه؟ — من نادين. القلب الغبي اتحرك تاني. ريم بصتله بهدوء مصطنع. — وأنا أزعل ليه من خطيبتك؟ وشه اتغير. — هي مش خطيبتي. — هي قالت جوازكم.
— العيلة قالت. — وهي قالت “حبيبي”. — نادين بتقول حاجات كتير. ريم هزت راسها. — مش محتاج تشرحلي. — محتاج. الكلمة خرجت حادة أكتر مما توقع. ريم بصتله. الممر كان هادي. نور أبيض خفيف. أصوات بعيدة من المستشفى. وبينهم شيء بيكبر رغم إنهم لسه بالكاد يعرفوا بعض. سليم قال بصوت منخفض: — مفيش جواز. ولا في خطوبة. ولا في وعد. ريم حاولت تبتسم. — ده شأنك. — لأ. — نعم؟ اقترب خطوة واحدة. — مش لما أنتِ فهمتي غلط.
نفسها اتلخبط. قالت بسرعة: — أنا مفهمتش حاجة. أنا بس دكتورة في المستشفى، وحضرتك مرافق مريض. — حضرتك؟ — أيوه. لازم نخلي الأمور واضحة. سليم نظر لها طويلًا. ثم قال: — واضح. لكن صوته قال العكس. ريم كانت على وشك الرد، لما صوت نادين جاء من آخر الممر: — سليم. الاتنين التفتوا. نادين واقفة، ووشها هادي جدًا. هادئ أكثر من اللازم. — والدك عايزك. سليم لم يتحرك فورًا. ظل ينظر لريم ثانية، ثم قال: — ارتاحي.
ومشى. نادين بقيت مكانها لحد ما سليم دخل الجناح، ثم اقتربت من ريم. الابتسامة اختفت. — اسمعيني كويس يا دكتورة. ريم رفعت حاجبها. — نعم؟ — سليم مش من عالمك. ريم سكتت. نادين كملت بنعومة سامة: — ممكن يكون مهتم دلوقتي لأنك مختلفة. بسيطة. مرهقة. حقيقية. النوع اللي يخلي الراجل المعقد يحس إنه إنسان. لكن ده بيعدي. ريم حاولت تحافظ على هدوئها. — أنا مش فاهمة حضرتك بتقولي الكلام ده ليه. — لأنك لو ذكية، هتبعدي قبل ما تتعبي.
ريم بصت لها بثبات. — وأنا لو أذكى، هعرف إن الكلام ده مش نصيحة. ده خوف. وش نادين اتجمد. ريم كملت بهدوء: — أنا هنا علشان أتابع مريض. لا جاية أخطف حد، ولا أدخل عالم حد. فاطمني. نادين قربت خطوة. — سليم هيتجوزني. ريم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة، رغم الوخزة اللي جواها. — يبقى ربنا يتمم لكم بخير. الكلمة ضربت نادين لأنها لم تجد فيها غيرة ظاهرة. ريم مشيت. لكن أول ما دخلت الاستراحة وقفلت الباب… سندت ضهرها عليه.
وحطت إيدها على صدرها. لأنها كانت بتكذب. في شيء وجعها. وجعها أكثر مما يحق لها. في الجناح، جلال كان صاحي، وسليم واقف جنبه. جلال قال: — البنت دي مش سهلة. سليم رد ببرود: — مريضتك، مش موضوع نقاش. جلال ضحك. — أول مرة من سنين أشوفك بتتوتر علشان حد. — أنا مش متوتر. — كداب. سليم سكت. جلال نظر له بحدة: — إياك. — إياك إيه؟ — إياك تقرب منها لو مش هتقدر تحميها من عيلتك.
الكلمة دخلت في صدر سليم كأنها سكين. جلال كمل بصوت منخفض: — إحنا ناس وحشة يا سليم. وأنت عارف. سليم بصلُه. لأول مرة، أبوه قال الحقيقة بدون زينة. جلال أغمض عينيه بتعب. — لو دي بنت عادية… سيبها عادية. ماتشدهاش لعالمنا. سليم لم يرد. لكنه خرج من الجناح بعد دقائق، ومشى ناحية الاستراحة. وقف قدام الباب. كان عايز يخبط. يقول لها إن نادين لا تعني شيئًا. إن عائلته لا تملك قراره. إنه لا يعرف ماذا يحدث، لكنه لا يريد أن يختفي.
لكن جملة أبيه وقفت قدامه. “لو مش هتقدر تحميها…” وسليم، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قدرته على الحماية. لذلك لم يخبط. ابتعد. ومن داخل الاستراحة، ريم كانت واقفة خلف الباب… وسمعت خطواته وهو يمشي. وماعرفتش ليه حسّت إن في حاجة بدأت بينهم… وفي نفس اللحظة بدأت تبتعد. يتبع

