Advertisements
Advertisements
منوعات

الخادمه حكايات اسما السيد

Advertisements

جوزي كان بيديني فلوس كل أسبوع علشان أدفع للخدامة… بس اللي ماكنش يعرفه إن الخدامة دي كنت أنا. في البداية افتكرت إن أخيرًا جه اليوم اللي هرتاح فيه. تخيلت نفسي قاعدة بهدوء أشرب قهوتي من غير ما حد ينادي عليا كل دقيقتين، أتفرج على مسلسل، وأحس إني ست بيت فعلًا مش مجرد آلة تنظيف شغالة ٢٤ ساعة. لكن أول ما فتحت الظرف اللي اداهولي… فهمت إن الموضوع ماكنش مساعدة.كان اختبار.كل حاجة بدأت يوم اتنين. جوزي “حسام” رجع من الشغل بوش جاد، نفس الوش اللي بيعمله لما يكون هيقول حاجة مستفزة ومستني الناس تشكره عليها.

رمي مفاتيحه على السفرة وقال: “بصي يا سعاد… البيت كبير وإنتِ بتتعبي. أعتقد لازم نجيب واحدة تساعدك في التنضيف.” للحظة حسيت إني هعيط من الفرحة. بعد سنين من الكنس والمسح وغسيل الحمامات والطبخ والغسيل وطي الهدوم، ولسه بيسألني آخر اليوم: “هو إنتِ عملتي إيه طول النهار؟” أخيرًا… حسيت إنه شايف تعبي. قلت بابتسامة صادقة: “دي أحسن فكرة سمعتها منك من زمان.” تاني يوم اداني ظرف أبيض. قال: “ده مرتب الست اللي هتيجي كل أسبوع.” فتحته. المبلغ ماكانش كبير… بس كان كفاية فعلًا.

سألته: “طيب هتيجي إمتى؟” ابتسم ابتسامة غريبة وقال: “ده يرجعلك… المهم البيت يفضل يلمع.”مافهمتش قصده وقتها. لحد يوم الجمعة. كنت راجعة من السوبرماركت، ولسه داخلة الشقة، سمعت صوته جاي من الصالة. كان عامل مكالمة فيديو مع أمه. قال وهو بيضحك: “أيوه يا ماما، اديتها فلوس الخدامة. خلينا نشوف بقى هتتعلم وتتادب ولا لا.” أمه ضحكت وقالت: “دي طول عمرها مدلعة ومابتعرفش تدير بيت. أكيد هتصرف الفلوس وتقول إنها دفعتهم.” وقفت مكاني مصدومة. وحسام ضحك هو كمان وقال: “ولو نضفت بنفسها يبقى أحسن… أوفر فلوس بدل ما أدفع لغريبة.”

في اللحظة دي… فهمت كل حاجة. هو ماكنش بيساعدني. كان بيدفعلي تمن تعبي أنا… وبيستهزأ بيا في نفس الوقت. ليلتها ما اتكلمتش. لكن يوم الاتنين اللي بعده، صحيت بدري. ربطت شعري. لبست الجوانتي الأصفر. ونضفت البيت كأني فعلًا شغالة عند حد. دعكت الأرض. غسلت الشبابيك. لمعت المطبخ. وخليت الحمامات تبرق. لما رجع حسام من الشغل، بص حواليه بإعجاب وصفّر. وقال: “واضح إن الست شاطرة.” ابتسمت بهدوء: “آه… شغلها ممتاز. بس طلبت فلوس زيادة” حط ظرف جديد على الترابيزة.

” وماله … نزودها..خدي ادهولها.” خدته وقلت: “أكيد.” ومن هنا بدأت الحكاية. كل أسبوع كان يديني فلوس لست مش موجودة. وكل أسبوع ازود المصروف. كنت أنضف البيت بنفسي. وكل أسبوع كنت أخبي الظرف زي ما هو في علبة جزمة تحت السرير. بعد ٣ شهور… كنت مجمعة مبلغ محترم. لكن في يوم… وأنا بمسح طرقة البيت، سمعت مكالمة خلت الد-م يتجمد في عروقي.المرة دي ماكنتش مع أمه. كانت مع ست تانية. حسام كان بيتكلم من الحمام بصوت واطي: “ما تقلقيش يا حبيبتي… أول ما سعاد تمضي على ورق البيت، همشي معاكي.”العصاية وقعت من إيدي.

قربت ناحية الباب ببطء، وقلبي بيدق بعنف. وبعدين سمعت الجملة اللي كسرت آخر ذرة ثقة جوايا:

“أنا أصلًا مش ناوي أسيبها بحاجة… البيت ده هيتباع، وهي هتطلع منه على بيت أهلها زي ما دخلت.”

وقتها حسيت إن الأرض بتميد بيا. مش بس بيخوني…
ده كان بيرتب يرمي سنين عمري كلها في الشارع. رجعت ورا بسرعة قبل ما يخرج من الحمام. إيدي كانت بتترعش، بس عقلي لأول مرة بقى هادي بشكل مخيف. قعدت الليلة كلها أفكر. أنا معايا فلوس.
مش كتير… لكنها بداية.
ومعايا دليل إنه بيخطط يضحك عليا. ومن تاني يوم… بطلت أبقى سعاد القديمة. بقيت هادية زيادة عن اللزوم.
أوافق على كل حاجة.
أضحك وهو بيتكلم.
وأمثل إني ماعرفش أي حاجة.

وفي نفس الوقت… بدأت أشتغل في السر. فتحت حساب باسمي لوحدي.
وحطيت فيه كل فلوس “الخدامة”. وبدأت أدور على شغل أونلاين في التنضيف والترتيب، أساعد ستات في تنظيم البيوت مقابل مبلغ بسيط.
الغريب؟
إني اكتشفت إني شاطرة فعلًا. الستات كانت تشكرني.
واحدة قالتلي: “إيدك فيها بركة.”
جملة عمري ما سمعتها من حسام. بعد شهرين، بقى عندي دخل ثابت صغير.
مش كبير… لكنه كان بيديلي إحساس افتقدته سنين:
الأمان. وفي يوم، حسام دخل البيت متوتر بشكل غريب.

قال: “سعاد… المحامي هيجيلنا بكرة نمضي شوية ورق خاص بالبيت والضرايب.” ابتسمت.
وقلت بهدوء: “أكيد.” طول الليل كان فاكرني هبلة.
فاكرني الست اللي عمرها ما سألت. بس هو ماكنش يعرف إني قبلها بيومين كنت رحت لمحامية بنفسي. وإن المحامية قالتلي:
“إوعي تمضي على أي حاجة قبل ما نقراها.” تاني يوم المحامي جه.
حسام قاعد واثق بنفسه، وحاطط رجل على رجل. ناولني الورق وقال بابتسامة مصطنعة:
“دي إجراءات بسيطة.” مسكت الورق…
وقلبت الصفحات بهدوء. زي ما توقعت.

تنازل.
كامل.
عن حقي في البيت. رفعت عيني وبصيتله.
ولأول مرة… شفت الخوف الحقيقي في عينيه. لأني ابتسمت. قفلت الملف بهدوء وقلت:
“معلش يا حسام… أصل الخدامة اللي كنت بتدفع لها طلعت أذكى منك.” وشه اصفر. قال بعصبية:
“إنتِ بتقولي إيه؟” قمت بهدوء…
ومشيت ناحية أوضة النوم. ورجعت شايلة علبة الجزمة. حطيتها قدامه على الترابيزة.
وفتحتها. الظروف كلها كانت مترتبة جوه. أسبوع ورا أسبوع.
وشهر ورا شهر. كل فلوس “الخدامة”. حسام فضل يبص للعلبة كأنه شايف شبح.

قلت وأنا ببص في عينه:
“أنا اللي كنت بنضف.
أنا اللي كنت بتعب.
وأنا اللي خدت تمن تعبي… من راجل فاكر إن مراته خدامة.” أمه، اللي كانت موجودة وقتها، سكتت لأول مرة. أما هو…
فبدأ يتلعثم:
“سعاد… إنتِ فاهمة غلط…” قاطعته:
“لا. أنا أخيرًا فهمت صح.” طلعت نسخة من تسجيل المكالمة من شنطتي.
وحطيتها قدامه. قلت:
“وده تسجيل كلامك مع الست اللي مستنيها تاخد مكاني.” الهدوء اللي حصل بعدها…
كان مرعب. وبعدين حصل الشيء الوحيد اللي ماكنش متوقعه.

أنا مشيت. بس المرة دي…
ماخرجتش مكسورة. خرجت ومعايا فلوسي.
وشغلي.
وكرامتي. وبعد سنة… افتتحت شركة صغيرة لتنظيف وتنظيم البيوت. وسميتها:
“الست الشاطرة.” أما حسام…
فآخر حاجة عرفتها عنه إن البيت اتباع فعلًا. بس من غيره هو كمان. لأن المحكمة اعتبرت التسجيل ومحاولة التنازل دليل سوء نية…
وخسر نص كل حاجة. وأنا؟ أول مرة أشرب قهوتي الصبح…
وأحس فعلًا بطعم الراحة.

بعد افتتاح شركتي بست شهور، حياتي بدأت تتغير بطريقة ماكنتش أتخيلها.

بقيت أصحى الصبح علشان شغلي أنا…
مش علشان حد يصرخ:
“فين الشراب الأسود؟”
أو:
“ليه الأكل متأخر؟” أول مرة أحس إن البيت اللي برجعله… آمن. وفي يوم، وأنا قاعدة في المكتب الصغير اللي استأجرته، البنت اللي شغالة معايا دخلت وقالت بتوتر:
“في راجل برا عايز يقابلك.” رفعت عيني من اللابتوب، وسألت:
“مين؟” قالت:
“بيقول اسمه حسام.” قلبي دق مرة واحدة…
بس الغريب إني ماخفتش. قلت:
“خليه يدخل.” دخل حسام… لكن مش حسام اللي كنت أعرفه.

وشه مرهق.
دقنه طويلة.
وعينيه مليانة توتر. بص حواليه للمكتب، للّوجو المعلق على الحيطة، وللبنات اللي شغالين.
واضح إنه ماكانش مستوعب. قال بصوت واطي:
“إنتِ عملتي كل ده؟” ابتسمت بهدوء:
“آه.” فضل واقف ثواني، وبعدين قال:
“محتاج أتكلم معاكي.” أشرتله يقعد. قعد قدامي… ولأول مرة في عمر جوازنا، حسيت إنه هو اللي ضعيف… مش أنا. قال بعد تردد:
“أنا غلطت يا سعاد.” ما رديتش. كمل بسرعة:
“البنت التانية سابتني… والديون كترت… والشغل خسرني.” وبرغم كل اللي عمله…
جزء صغير جوايا زعل عليه.

مش حب.
لكن عشرة. قال وهو بيبص في الأرض:
“أنا كنت فاكر إنك مش هتعرفي تعيشي من غيري.” ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
“وأنا كنت فاكرة إني فعلًا محتاجاك.” سكت. وبعدين طلع ظرف من شنطته وحطه قدامي. قال:
“ده… فلوس كنت مستلفها منك زمان… والباقي هرده بالتقسيط.” بصيت للظرف…
وافتكرت كل الظروف اللي كان بيدهالي زمان وهو فاكر إنه بيذلني. المشهد كان غريب لدرجة إني حسيت الزمن بيلف ويرجع. دفعت الظرف ناحيته تاني. وقلت:
“خليهم يا حسام.”

رفع عينه باستغراب. قلت بهدوء:
“أنا مش محتاجة فلوسك.
أنا احتاجت احترامك… وده اللي ماعرفتش تدفع تمنه.” عينه اتهزت كأنه اتلسع. قام ببطء، وقال:
“ممكن تسامحيني؟” بصيتله شوية…
ثم قلت: “أنا سامحت نفسي إني استحملت كل ده…
وده أهم.” خرج حسام من المكتب ساكت. ولما الباب اتقفل وراه…
البنت اللي شغالة معايا قربت وسألتني:
“حضرتك كويسة؟” بصيت من الشباك للشمس…
ولأول مرة من سنين، حسيت فعلًا إني خفيفة. ابتسمت وقلت:
“أيوه…
أهو أخيرًا البيت بقى نضيف فعلًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!