
شهر كامل بشوفها، كل يوم جمعة بالليل، نفس الست قاعدة في موقف الأتوبيس اللي قدام شقتي.في الأول افتكرت إن أكيد في مناسبة قريبة أو فرح في المنطقة… بس الغريب إنها كانت كل مرة لابسة نفس فستان الفرح بالظبط.
وماكانش فستان تنكري أو رخيص…كان شكله حقيقي جدًا.
كل جمعة، وقت الغروب تقريبًا، كانت تيجي تقعد بالساعات… ساكتة، بتعيط بهدوء، وعينيها على الطريق كأنها مستنية حد يوصل.
الناس أكيد كانت ملاحظاها.
في اللي يهمس عنها، وفي اللي يضحك، بس عمر ما حد راح كلمها.
وبصراحة؟
أنا كمان كنت بتجنب أبص عليها كتير.
كان فيها حزن يوجع القلب لدرجة تحس إن التحديق فيها قلة ذوق.
لحد ما جه يوم جمعة واتأخرت في الشغل، واضطريت أستنى الأتوبيس في نفس الموقف.
بعد كام دقيقة… ظهرت هي تاني.
نفس الفستان.
نفس الطرحة.
ونفس النظرة اللي كأن روحها مش موجودة.
قعدت جنبي من غير ما تقول كلمة، وفضلت باصة للشارع اللي قدامنا. وبعد شوية، لاحظت الدموع بتنزل على خدها واحدة واحدة.
حاولت أعمل نفسي مش واخد بالي… بس في الآخر مقدرتش.
قلت بهدوء: — لو سمحتي… إنتِ كويسة؟ محتاجة مساعدة؟
في الأول ما ردتش.
وبعدين لفت وشها ناحيتي بالراحة… وأول ما بصيت في عينيها، حسيت بحاجة خوفتني.
كانت مرعوبة.
مرعوبة كأنها مستنية حد يسألها السؤال ده من زمان جدًا…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الفصل الأول: العروس التي لم تعد للبيت
في أول مرة شفتها، افتكرتها واحدة تايهة بعد فرح. الساعة كانت داخلة على المغرب، والجو في آخر نوفمبر كان بارد بطريقة تخليك تحس إن الدنيا كلها مكتئبة. كنت واقف في البلكونة بدخن بعد يوم شغل مرهق، ولما بصيت على موقف الأتوبيس اللي تحت العمارة… لفتت نظري فورًا. فستان أبيض.
طرحة طويلة.
وست قاعدة لوحدها.
في الأول افتكرت إنها بتستنى عربية فرح أو حد من أهلها. بس بعد ساعة كاملة… كانت لسه قاعدة مكانها. نفس القعدة. نفس النظرة. ونفس الدموع اللي بتنزل بهدوء وهي باصة للطريق.
الغريب إن محدش كان بيقرب منها.
حتى الأطفال اللي بيلعبوا في الشارع كانوا بيعدوا جنبها ويسكتوا فجأة.
والأغرب؟
إنها رجعت تاني الجمعة اللي بعدها. ونفس اللي بعدها. كل مرة بنفس الفستان. نفس المكياج الباهت اللي سايح من العياط.
ونفس النظرة اللي كأنها بتستنى معجزة مش هتحصل.
أنا اسمي كريم. عندي 32 سنة، شغال محاسب في شركة استيراد صغيرة في وسط البلد، وعايش لوحدي في شقة ورثتها عن أبويا بعد وفاته. حياتي كانت مملة جدًا… شغل، أكل جاهز، ونوم. لكن الست دي بدأت تبقى جزء من أسبوعي.
كل جمعة أبص من البلكونة ألاقيها قاعدة هناك.
ومع الوقت… بدأت ألاحظ حاجات أغرب. ولا مرة شوفتها بتاكل. ولا مرة بتستخدم موبايل.
ولا مرة حتى قامت تمشي تدخل محل أو تشتري حاجة.
كانت بس… تيجي وتقعد وتعيط.
وفي آخر الليل تختفي.
كأن الأرض بتبلعها.
وفي الجمعة الخامسة… كل حاجة اتغيرت.
اليوم ده اتأخرت في الشغل بسبب جرد مفاجئ. وصلت منطقتي متأخر، والدنيا كانت زحمة بشكل مقرف. الأتوبيس اللي بركبه اتعطل، فاضطريت أستنى في الموقف نفسه.
ولأول مرة… بقيت قريب منها. كنت سامع صوت نفسها المتقطع من العياط. وسامع صوت القماش وهو بيتحرك مع الهوا.
قعدت بعيد شوية في الأول، وحاولت أتجاهلها، لكن الإحساس بالحزن اللي كان طالع منها كان خانق.
بعد عشر دقايق تقريبًا، لقيتها رفعت وشها للطريق فجأة، كأنها شافت حد. لكن الشارع كان فاضي. وبعدين بدأت ترتجف. إيديها كلها كانت بتتهز.
وفي اللحظة دي… مقدرتش أسكت.
قلت بهدوء: — لو سمحتي… إنتِ كويسة؟ ما ردتش. بس دموعها نزلت أكتر. فقلت: — محتاجة مساعدة؟ أجيبلك مية؟ أكلم حد؟
ببطء شديد… لفت وشها ناحيتي.
وأقسم بالله… عمري ما شوفت خوف بالشكل ده في عين بني آدم. كان خوف حقيقي. الخوف اللي تشوفه في عين حد شايف الموت قدامه. شفايفها اتهزت وهي بتهمس: — هو رجع؟
اتجمدت مكاني. — مين؟
بدأت تبص حواليها بسرعة مرعبة، وكأنها خايفة حد يكون واقف ورايا. وبعدين قربت مني فجأة لدرجة حسيت بأنفاسها الباردة. وقالت بصوت متكسر: — لو سألك عني… قوله إنك ماشوفتنيش. قبل ما ألحق أسأل أي حاجة… وقف أتوبيس قديم عند الرصيف.
الباب اتفتح.
وللحظة… حسيت إن السواق مركز معاها بشكل غريب. كانت ملامحه جامدة جدًا، وعينيه مثبتة عليها. هي قامت بسرعة مرعبة. الفستان الأبيض اتمرمط في الأرض وهي بتجري ناحية الأتوبيس.
لكن قبل ما تطلع… بصتلي.
وأول مرة أشوف الرعب يتحول ليأس. وقالت: — أوعى تخلّيه يعرف إني كلمتك. وطلعت. الباب قفل.
والأتوبيس اتحرك.
وقفت مكاني مش فاهم أي حاجة. لكن الحاجة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي فعلًا… كانت لما بصيت على رقم الأتوبيس. ٢٧٤. الخط ده اتلغى من 11 سنة…
بعد حادثة مشهورة ماتت فيها عروسة ليلة فرحها.
رجعت البيت وقلبي بيدق بعنف. حاولت أقنع نفسي إن أكيد في تفسير طبيعي. أكيد أنا غلطان. أكيد مجرد رقم متشابه.
لكن الفضول كان بيقت*لني.
فتحت اللاب توب، وكتبت: “حادثة أتوبيس 274”. وأول صورة ظهرت قدامي… خلت جسمي كله يبرد. صورة عروسة. نفس الفستان. نفس الطرحة.
ونفس العيون المرعوبة.
تحت الصورة كان مكتوب: “وفاة العروس ميادة الشافعي قبل زفافها بساعات، بعد اختفائها الغامض واستقلالها أتوبيس النقل رقم 274 ليلة 17 نوفمبر 2015.” إيدي بدأت ترتعش.
كملت قراية.
“الشهود أكدوا أن العروس شوهدت وهي تبكي في موقف أتوبيس بمنطقة شبرا قبل اختفائها. وبعد ثلاثة أيام، تم العثور على جث*تها محترقة داخل الأتوبيس بعد سقوطه من فوق كوبري الساحل.”
حسيت إن نفسي اتخنق.
لأن الصورة اللي قدامي…
هي نفس الست اللي كلمتها من ساعة.
لكن الكابوس الحقيقي بدأ لما لقيت جملة صغيرة تحت الخبر:
“العريس اختفى بعد الحادث ولم يظهر حتى اليوم.” في اللحظة دي… سمعت خبط خفيف على باب شقتي. خبطتين بطيئين.
اتجمدت.
الساعة كانت 1:17 بعد منتصف الليل. ومفيش حد بيزورني أصلًا. الخبط اتكرر. ببطء… قربت من الباب.
وبصيت من العين السحرية.
ووقتها… قلبي وقف. لأن اللي ك ان واقف بره…
راجل لابس بدلة فرح سوداء محروقة.
وجزء من وشه… كان سايح كأنه اتحرق بالنار. وكان بيبتسم. يتبع

