
آدم فضل واقف مكانه، باصص للملف اللي على الترابيزة كأنه حاجة غريبة عن البيت.
أما أنا… فكنت باصة لرامي.
لأول مرة من سنين طويلة، ماحسّتش بالخوف منه. ولا بالاحتياج ليه. ولا حتى بالغضب الحقيقي.
مجرد تعب قديم.
رامي قال بصوت واطي: “عارف إن الفلوس مش هتصلح حاجة.”
آدم رد فورًا: “أيوه.”
الكلمة خرجت حادة لدرجة إن قلبي وجعني.
لكن رامي ما اتعصبش. واضح إنه جاي مستعد يسمع أي حاجة.
قال: “بس يمكن تبقى بداية.”
آدم ضحك بسخرية خفيفة: “بداية إيه؟” “أنا داخل جامعة مش حضانة.”
“عارف.”
“بعد ١٨ سنة افتكرت تبقى أب؟”
أنا حسيت التوتر بيعلى بسرعة، فقربت بخفة: “آدم…”
لكنه كان حابس كلام سنين.
لف ناحيتي بسرعة وقال: “لا يا ماما. خليه يسمع.”
ثم رجع لأبوه: “فاكر وأنا عندي تسع سنين لما المدرسة عملت حفلة عيد أم؟”
رامي اتردد: “مش فاكر.”
آدم هز رأسه بمرارة: “طبعًا.”
قعد على طرف الكنبة، ووشه بقى هادي بشكل مخيف.
“المدرسة قالت كل طفل يجيب صورة مع أهله.” “وأنا فضلت أدور في البيت على صورة لينا إحنا التلاتة.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
كنت فاكرة اليوم ده.
فاكرة إني لفيت الدنيا أدور على صورة قديمة ما فيهاش خناقة ولا دموع.
آدم كمل: “ولما سألتك تبعتلي صورة… ما رديتش.”
رامي وطّى عينه.
“وفي الآخر أخدت صورة ليا أنا وماما بس.”
سكت ثانية. ثم قال بابتسامة حزينة: “وأنا صغير كنت فاكر إن أي طفل لازم يبقى عنده أب علشان يبقى كامل.”
بعدين بصلي.
“بس ماما خلتني أحس إني مكفي.”
دموعي نزلت غصب عني.
رامي قال بصوت مكسور: “أنا كنت غبي.”
نجلاء، اللي كانت طالعة من المطبخ بكوبايات الشاي، ردت فورًا: “لا، إنت كنت أناني.”
بصلها رامي، لكنه حتى ما حاولش يدافع عن نفسه.
ودي كانت أغرب حاجة.
الراجل اللي زمان كان يقلب أي نقاش لمعركة علشان يطلع هو الصح… قاعد ساكت يتلقى الكلام.
حط إيده على وشه وقال: “يمكن فعلًا.”
الصمت نزل علينا كلنا.
وبعدين فجأة… آدم قال: “هي كانت بتستلف.”
بصيتله بسرعة.
همس: “كنت فاكر إني ماعرفش.”
اتجمدت.
قال وهو باصص للأرض: “كنت بشوفها وهي تخبي الفواتير تحت المرتبة.” “وأسمعها تكلم خالتي نجلاء تقول: استحمّليني للشهر الجاي.”
نجلاء مسحت دموعها بسرعة.
أما أنا… فحسيت إني اتعرّيت قدام ابني.
كل السنين اللي حاولت أخبي فيها التعب… طلعت واضحة قدامه من البداية.
آدم ضحك بخفة كلها وجع: “وكنت كل مرة أسألك إذا إحنا كويسين… تقولي: إحنا ملوك.”
ضحكت وسط دموعي.
الجملة دي كنت بقولها فعلًا.
حتى في أسوأ أيامنا.
حتى لما الكهربا كانت بتقطع علشان الفاتورة. حتى لما كنت أعمل نفسي شبعت علشان ياكل هو.
“إحنا ملوك.”
رامي بصلي وقتها بنظرة غريبة.
كأنه بيشوف نسخة مني عمره ما اهتم يعرفها.
قال بهدوء: “أنا ماكنتش أعرف.”
ضحكت بمرارة: “إنت ماكنتش عايز تعرف.”
وسكت.
لأن دي الحقيقة.
في ناس بتختار الغياب… وبعدها تتفاجئ إن الحياة كملت من غيرهم.
رامي أخد نفس طويل وقال: “أنا خسرتكم.”
آدم رد: “أيوه.”
لكن صوته المرة دي ماكانش فيه غضب. كان فيه حزن.
وده كان أسوأ.
لأن الغضب أحيانًا معناه إن لسه في أمل. لكن الحزن البارد؟ معناه إن القلب تعب.
بعد شوية، رامي قام وقف.
بص حواليه مرة أخيرة.
على صور آدم. على السفرة الصغيرة. على البيت اللي اتبنى من تعب سنين.
وقال: “أنا همشي.”
ثم بص لابنه: “بس حتى لو إنت كارهني دلوقتي… أنا فخور بيك.”
آدم ما ردش.
ورامي استنى ثانية… كأنه مستني أي كلمة توقفه.
لكن ماحدش اتكلم.
فمشي.
وأول ما الباب اتقفل… آدم قعد فجأة على الكنبة وحط وشه بين إيديه.
قلقت: “مالك؟”
قال بصوت مخنوق: “ليه حاسس بالذنب؟”
قربت منه بسرعة.
“علشان إنت طيب.”
رفع عينه ليا: “بس هو فعلًا زعل.”
“ممكن.”
“وأنا جرحته.”
مسكت وشه بين إيديا.
“يا حبيبي… إنك تقول الحقيقة مش قسوة.”
صوته اهتز: “بس هو بابا.”
الكلمة دي فضلت معلقة في الهوا.
لأن مهما حصل… الطفل جواه لسه محتاج أبوه.
وده الوجع اللي مافيش أم تقدر تشيله بالكامل عن ابنها.
حضنته وقلت: “مفيش حد كامل.” “ولا أنا.” “ولا هو.”
“بس الفرق إن في ناس بتعترف بغلطها… وناس تفضل تهرب.”
سكت شوية. ثم قال: “أنا مش عارف أسامحه.”
ابتسمت بحزن: “مش لازم النهارده.”
الأيام بعد كده عدت بسرعة.
آدم بدأ تجهيزات الجامعة. وأنا رجعت للشغل.
لكن في حاجة كانت مختلفة.
خفيفة.
كأن البيت نفسه بقى أهدى.
يمكن لأن السنين الطويلة من الخوف خلصت أخيرًا. الخوف إنه يكبر ويبعد. الخوف إنه يلومني. الخوف إنه يختارهم.
لكنه اختارني… قدام الناس كلها.
وفي يوم، وأنا في العيادة، الممرضة دخلتلي بابتسامة: “في حد مستنيكي برا.”
خرجت. واتفاجئت.
داليا.
لابسة نضارة شمس كبيرة رغم إن الجو مشمسش أصلًا.
وقفت قدامي بتوتر واضح.
قالت بسرعة: “مش جاية أعمل مشاكل.”
رديت بهدوء: “خير؟”
شالت النضارة.
وعينيها كانوا حمر.
“أنا وجوزي اتطلقنا.”
اتصدمت فعلًا.
ما توقعتش ده.
قالت بضحكة باهتة: “واضح إن karma موجودة فعلًا.”
ما رديتش.
فضلت ساكتة شوية، ثم قالت: “أنا كنت بغير منك.”
رمشت بعدم فهم.
كملت: “آدم كان بيحبك بطريقة… عمره ما حبني بيها.”
“ولا حتى حب أبوه بالشكل ده.”
صوتها بدأ يهتز.
“كنت كل ما يدخل البيت ويسأل عليكي الأول… أحس إني دخيلة.”
لأول مرة… شفتها بعيدة عن التكبر. بعيدة عن المكياج والبرود.
مجرد ست عندها هشاشة مستخبية.
قالت: “فافتكرت لو بقيت أنا الصورة الرسمية قدام الناس… يمكن أكسب.”
ضحكت بمرارة على نفسها: “بس الأطفال مش أغبيا.”
سكتت ثواني، ثم قالت: “أنا آسفة.”
الجملة خرجت صادقة بشكل فاجأني.
وللغريب… ماحسّتش بشماتة.
بس تعب.
قلت بهدوء: “أنا سامحت من زمان.” “علشان نفسي… مش علشانكم.”
بدأت تعيط.
“إنتِ أقوى مني.”
هزيت رأسي:
“لا.” “أنا بس ماكانش عندي رفاهية الانهيار.”
مشيت بعدها.
وسابتني واقفة أفكر قد إيه الناس بتخسر نفسها وهم بيحاولوا يكسبوا معارك مالهاش معنى.
بعدها بشهر… أول يوم جامعة لآدم جه.
صحيت بدري جدًا.
حضرتله الساندوتشات رغم إنه بقى راجل أطول مني. وكيّتله القميص. وفضلت ألف حواليه وهو يضحك: “ماما… أنا مش داخل ابتدائي.”
قلت: “اسكت خليني أعيش اللحظة.”
وقف قدام المراية يظبط شعره. وبعدين بصلي فجأة.
“إنتِ خايفة؟”
ضحكت: “أنا؟ أبدًا.”
رفع حاجبه: “كدابة.”
تنهدت.
“شوية.”
قرب وحضنّي بسرعة.
“أنا مش هسيبك.”
الجملة دي…
كانت كل اللي محتاجاه.
لأن أعمق خوف عند أي أم مش التعب. ولا الفلوس. ولا الوحدة.
الخوف الحقيقي… إن ابنها لما يكبر، مايبقاش محتاجها.
لكن آدم كان كبر… ومازال شايفني وطن.
بعد ما نزل، دخلت أوضته أرتبها. ولقيت ورقة على السرير.
مكتوب فيها بخطه:
“ماما… فاكرة زمان لما كنتِ تقولي إحنا ملوك؟ طلع عندك حق. لأن محدش في الدنيا أغنى مني بيكي.”
انهرت عياط.
وقعدت على سريره أضحك وسط دموعي.
وفجأة… افتكرت نفسي من سنين.
الست اللي كانت واقفة آخر القاعة. حاسّة إنها قليلة. وحدها. مكسورة.
لو حد قالها وقتها إن ابنها هيبقى راجل بالشكل ده… مكانتش هتصدق.
لكن الحياة غريبة.
أحيانًا بتاخد منك حاجات كتير جدًا… علشان في الآخر تديك حاجة واحدة تنسيك كل اللي فات.
وفي ليلة هادية بعدها بأيام، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي، وآدم رجع من الجامعة متأخر.
دخل وهو متحمس بشكل طفل صغير.
“ماما! قابلت دكتور كبير جدًا النهارده!”
وقعد يحكي بحماس. عن المدرجات. والناس. والأحلام.
وأنا كنت ببصله بس.
وأفكر إن كل لحظة تعب… كانت تستاهل.
كل دمعة مستخبية في الحمام. كل شيفت طويل. كل إهانة بلعتها.
كلها اتحولت للشاب اللي قاعد قدامي.
وفجأة وقف وقال: “استني.”
دخل أوضته ورجع بحاجة مستخبية وراه.
“غمضي عينك.”
ضحكت: “ليه؟”
“غمضي بس.”
غمضتهم.
وبعدين حسيت حاجة بتتحط في حضني.
فتحت عيني.
لقيت إطار صغير.
فيه صورة من يوم التخرج.
أنا وهو.
وهو حضنّي والقاعة كلها واقفة تسقف.
وتحت الصورة مكتوب بخطه:
“المكان الحقيقي لأمي… دايمًا في الصف الأول.”
وقتها بس… فهمت إن قلبي أخيرًا ارتاح.
