
جـوزي خلـف مـن أقـرب صـاحـبة ليـا بـعد مـا فقـدت طفلـي والـقدر كـان مخبـي لهـم هديه فـي أول ذكـرى ليـهم سـوا
أنا عندي 29 سنة… ولسه وجع اللي حصل مأثر فيا لحد النهارده..
جوزي، اسمه كريم… كان دايمًا الشخص الثابت، الراجل اللي تعتمد عليه.
وصاحبتي المقربة، سمر… كانت عكسه تمامًا: ملفتة، صوتها عالي، حضورها مالي المكان… مستحيل حد ما يلاحظهاش…كنت بثق فيهم الاتنين… بحكيلهم كل حاجة.
لما عرفت إني حامل… سمر فرحت أكتر مني.
عيطت وهي بتضحك… وراحت اشترت شرابات صغيرة للبيبي قبل حتى ما ندخل الشهر التالت.
كانت ماسكة صورة السونار كأنها حاجة مقدسة.
وبعدين… في الأسبوع الـ19… فقدت البيبي.
وفجأة… كل حاجة سكتت.
البيت… قلبي… حياتي كلها بقت صمت.
كريم عيط مرة واحدة… وبعدها بدأ يبعد واحدة واحدة.
وسمر… اختفت.
قالـتلي: مش قادرة أشوفك كده.
بس الحقيقة إنها ما جتش مرة واحدة حتى تطمن عليا.
بعد 6 أسابيع… بعتتلي رسالة: عندي خبر حلو! أنا حامل! تعالي حفلة معرفة نوع الجنين …حسيت إني هارجع اللي في بطني…رحت…
بالونات بألوان هادية… ضحك مزيف… وناس بتتصور.
سمر حضنتني وقالتلي وهي بتبصلي من فوق لتحت:
“واو! شكلك أحسن… بقيتي مش باينة مكتئبة زي الأول!”
وقبل ما أرد…
كريم ظهر وسط الناس.
كان بيقول كلمة عن الفرص التانية في الحياة…
وهي كانت بتبص له… نظرة طويلة… غريبة… فيها حاجة مش مريحة…بس ساعتها… ما فهمتش.
خرجت آخد نفس… وقفت عند الشباك…وبصيت برا…
واتجمدت…كانوا واقفين في الطرقة.
إيده على بطنها.
وشه… هادي… قريب… مألوف بطريقة وجعتني…وفجأة… باسها.
بوسة مش أول مرة… بوسة متعودة… قريبة… كأنهم مع بعض بقالهم سنين…دخلت عليهم وأنا بصرخ.
سمر مسكت بطنها وقالت بصوت واطي: كنا هنقولك… إن كريم هو الأب.. في اللحظة دي… جوازي انتهى.
وبعدها بأسبوعين… نقلوا يعيشوا سوا.
عدّى شهور… مفيش أي تواصل.
لحد ما في يوم… أخت كريم، هبة، اتصلت بيا وهي بتضحك بطريقة هستيرية: يا نهار أبيض يا منى… سمعتي اللي حصل؟! ده عقاب من ربنا بجد
قلبي وقع.
قلت لها: ايه اللي حصل؟ قالتلي: اقعدي الأول… اللي هقولهلك مش سهل…
حسيت جسمي كله برد.
قلت لها:هبة… في إيه؟ خدت نفس عميق وقالت:
بصي بقى… اللي حصل هو: …
اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريم
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
بصي بقى… اللي حصل هو إن سمر تعبت فجأة في نص الليل… نزيف شديد… وكريم اتجنن وخدها على أقرب مستشفى وهو مش فاهم حاجة… كانوا فاكرين إنها حاجة بسيطة في الحمل، شوية إرهاق ولا حاجة… بس الدكتور لما كشف عليها وشاف التحاليل… وشه اتغير تمامًا… وسألهم أسئلة غريبة… عن تاريخها المرضي… عن علاقاتها قبل كده… عن أي أعراض كانت بتحصلها وسكتت عنها… سمر ارتبكت…
وكريم بدأ يقلق… ولما الدكتور طلب منه يطلع بره علشان يتكلم معاها لوحدها… قلبه وقع… حس إن في حاجة كبيرة مستخبية… وبعد شوية الدكتور خرج له وقاله بهدوء تقيل: لازم تعمل تحليل… تحليل ضروري جدًا… كريم استغرب وسأله ليه… والدكتور رد بجملة خلته يحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه… قاله: في احتمال إن في عدوى انتقلت… ولازم نتأكد إنك سليم… كريم اتلخبط… مش فاهم… بس عمل التحليل… وفي نفس الوقت سمر كانت بتصرخ جوا… فقدت الجنين… أول ذكرى ليهم… كانت في المستشفى… مش حفلة ولا ضحك… كانت دم ووجع وصراخ… وبعد ساعات… النتيجة ظهرت…
وكانت الصدمة اللي محدش كان مستعد لها… سمر كانت حاملة مرض خطير… مرض مزمن… بقاله سنين… ومخبيته… وكريم… التحليل بتاعه طلع إيجابي… في اللحظة دي… كل حاجة انهارت… مش بس الحمل… مش بس العلاقة… صحته
مستقبله… حياته كلها اتكسرت في ثانية… هبة قالتلي إن كريم قعد يعيط زي الطفل… بيقول: أنا ضيعت كل حاجة بإيدي… سبت مراتي… سبت بيتي… علشان وهم… علشان لحظة ضعف… وسمر… كانت منهارة… مش بس علشان فقدت الجنين… لكن علشان السر اللي كانت مدارياه طلع في أسوأ وقت… واتحول من علاقة كانت فاكرها بداية جديدة… لكابوس مفيش منه خروج… وأنا… وأنا بسمع الكلام… كنت قاعدة ساكتة… مش قادرة أتكلم… قلبي بيدق بسرعة… مش عارفة أفرح ولا أزعل… ولا أحس بإيه… يمكن ده اللي الناس بتسميه عدل ربنا… بس الحقيقة… إنه وجع… وجع لكل الأطراف… حتى لو في غلطانين… الأيام عدت…
وابتدى كريم يحاول يتواصل معايا… رسايل… مكالمات… اعتذارات… بيقول إنه غلط… وإنه كان ضعيف… وإنه عايز يرجع… بس أنا كنت خلاص… حاجة جوايا اتكسرت… حاجة عمرها ما هترجع زي الأول…
سمر اختفت من حياته بعدها بشهور… سمعت إنها سافرت… محدش يعرف عنها حاجة… وكريم بقى لوحده… بيعالج… وبيحاول يعيش مع اختياراته… وأنا… بدأت أتعلم أعيش من جديد… واحدة واحدة… أرجع لنفسي… أرجع لقلبي اللي اتكسر واتخان… يمكن الجرح هيفضل موجود… بس أنا بقيت أقوى… بقيت أعرف إن اللي راح… عمره ما كان يستاهلني… وإن اللي جاي… لازم يكون أحن وأصدق… حكايتي مش نهاية حزينة… هي بداية جديدة… بداية لواحدة اتعلمت إن الثقة مش بتتدي بسهولة… وإن الحب الحقيقي عمره ما يخون… ولا ييجي على حساب كرامتك… وفي يوم… وأنا ماشية في الشارع… حسيت بنسمة هوا خفيفة… وابتسمت… لأول مرة من شهور…
يمكن علشان فهمت إن النهاية اللي وجعتني… هي نفسها اللي أنقذتني من حياة كان ممكن تضيعني أكتر… حكايات أسما السيد
عدّى وقت… مش قليل… ولا سهل… الوقت اللي الناس بتفتكر إنه كفيل ينسي… لكنه في الحقيقة بيعلّمك تعيش بالوجع مش من غيره… بقيت أصحى الصبح أعمل قهوتي لوحدي… أفتح الشباك وأسيب الهوا يدخل… وأقول لنفسي: يوم جديد… حتى لو جوايا لسه نفس الكسر… بقيت أخرج… أشتغل… أتكلم… أضحك أوقات… وأرجع آخر اليوم لنفس السكون اللي بقى جزء مني… بس المرة دي… سكون مش مخيف زي الأول… سكون فيه قبول… فيه هدوء غصب عني… مش باختياري… لكن اتعلمته واحدة واحدة… الناس حواليا كانت بتبصلي بنظرة فيها شفقة… أو فضول… أو حتى شماتة مستخبية… وكنت بشوف ده في عيونهم حتى لو ما اتكلموش…
بس أنا بطلت أركز… بطلت أدي لأي حد مساحة جوايا… لأن المساحة دي… كانت لازم ترجعلي أنا… وبس… أمي كانت بتحاول تقرب مني… تقول كلام تطبطب بيه… وأنا كنت بهز راسي وأبتسم… بس الحقيقة إني كنت محتاجة وقت… محتاجة أرجع لنفسي من الأول… من غير ما حد يفرض عليّ مشاعر أو قرارات… لحد ما في يوم… لقيت نفسي واقفة قدام المراية… ببص لنفسي بتركيز… وسألت السؤال اللي كنت بهرب منه: أنا مين دلوقتي؟ مش زوجة كريم… مش صاحبة سمر… مش الأم اللي فقدت طفلها وبس… أنا مين؟ السؤال كان تقيل… بس إجابته بدأت تيجي واحدة واحدة… من تفاصيل صغيرة…
من يوم قررت أغير ترتيب أوضتي… من يوم اشتريت لنفسي حاجة كنت مأجلة… من يوم خرجت لوحدي من غير ما أحس إني تايهة… من يوم ضحكت بجد من قلبي على حاجة بسيطة… كل ده كان بيرجعني لنفسي… ببطء… بس بثبات… لحد ما في يوم… وأنا قاعدة في شغلي…

