Advertisements
Advertisements
منوعات

من الرماد إلى البدايه حكايات اسما السيد الجزء التاني

Advertisements

بعد اجتماع الفناء الأخير، ظننت أن كل شيء انتهى عند هذا الحد… لكن الحياة كانت تخبئ فصلًا آخر لم نكن مستعدين له.

مرّ أسبوع على وصيته، وبدأ والدي يتغير بطريقة غريبة. لم يعد ذلك الرجل الكسير فقط، بل أصبح أكثر هدوءًا… كأن شيئًا في داخله استقر. وفي يوم، طلب أن يزور أمي وحدها. ترددت في البداية، لكن أمي وافقت. دخل عليها في الصباح، وجلس أمامها بصمت طويل، ثم قال: — أمينة… أنا عايز أطلب منك طلب أخير. رفعت نظرها بهدوء: — اتفضل. أخذ نفسًا عميقًا وقال: — عايزك تكتبيلي إنك سامحتيني… مش عشان حد، عشان أقدر أمشي وأنا مرتاح.

ساد الصمت للحظات. ثم قالت أمي بصوت ثابت: — أنا قلتلك قبل كده إني سامحتك. هز رأسه: — أنا عارف… بس أنا اللي مش قادر أسامح نفسي. في تلك اللحظة، لأول مرة، لم يكن يطلب منها غفرانًا… بل راحة. وبعدها بأيام قليلة، حدث ما لم نتوقعه. استيقظت على اتصال في منتصف الليل. صوت الطبيب كان منخفضًا: — والدك دخل في أزمة قلبية. ركضنا إلى المستشفى. لكن هذه المرة، لم يكن هناك صراخ ولا مواجهة… فقط صمت ثقيل في غرفة بيضاء.

كان مستلقيًا، عينيه نصف مفتوحتين، وكأنه كان ينتظرنا فقط. اقتربت أمي منه. أمسكت يده لأول مرة منذ سنوات طويلة. قال بصوت ضعيف جدًا: — أخيرًا… جيتوا. ثم نظر إليّ وقال: — خليك قوي… ومتكررش غلطي. حاول أن يبتسم، لكن صوته انقطع فجأة… وساد الصمت. لم تكن لحظة درامية كما في القصص… كانت هادئة بشكل مؤلم. جلسنا بعدها خارج الغرفة. أمي لم تبكِ بصوت عالٍ… فقط دمعة واحدة سقطت وقالت: — الراحة جات له متأخرة… بس جت.

مرت الأيام بعد رحيله بشكل مختلف. لم نشعر بانتصار، ولا بحزن كامل… فقط فراغ. لكن شيئًا بداخلي كان قد تغير. لم أعد أرى القصة كأب ترك وأم احترقت وطفل انتقم… بل كأشخاص كل واحد فيهم حمل جرحه بطريقته، ودفع الثمن في النهاية. وفي أحد الأيام، بينما كنت أقف في المتجر، وجدت طفلًا صغيرًا يصرخ على أمه بسبب شيء تافه. تجمدت للحظة. ثم اقتربت منه وابتسمت. قلت له بهدوء: — خليك فاكر… الكلمة اللي بتطلع في لحظة غضب ممكن تعيش سنين.

سكت الطفل، ونظر لأمه. وأمسكت أمه يده. في تلك اللحظة فهمت أن القصة لم تكن عن الماضي فقط… بل عن قرار واحد بسيط: هل نكسر بعضنا… أم نكسر الحلقة قبل أن تتكرر. بعد رحيل والدي، ظننت أن الهدوء الذي دخل حياتنا سيبقى كما هو… لكن أمي بدأت تتغير بشكل مختلف. لم تعد تتحدث كثيرًا عن الماضي، لكنها صارت أكثر صمتًا مما اعتدت عليه. كأنها أنهت حربها الداخلية أخيرًا، لكنها دفعت ثمنًا من طاقتها. في أحد الأيام، وجدتها تجلس أمام البيت وحدها.

تنظر لنفس المكان الذي كان فيه الفناء مليئًا بالأحداث. جلست بجانبها وقلت: — بتفكري في إيه؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: — عمري كله اتقسم لجزئين… قبل النار وبعدها. سكتت لحظة، ثم أضافت: — بس أول مرة أحس إني عشت بسلام بجد. مرّت أسابيع، وبدأت ألاحظ أنها تتعب بسرعة. في البداية لم أهتم، لكن الأمر كان يتفاقم. ذهبنا للطبيب، وبعد الفحوصات قال جملة واحدة غيرت كل شيء: — لازم نبدأ متابعة دقيقة… القلب مرهق من سنين ضغط وتعب.

في تلك اللحظة فهمت الحقيقة البسيطة القاسية:
أمي لم تُكسر بالنار فقط… بل بكل ما جاء بعدها. حاولت أن أعوضها عن كل شيء. خففت عنها العمل، وجعلتها تقضي وقتها كما تريد. لكنها كانت دائمًا تقول: — أنا مرتاحة… متخافش. وفي أحد الأيام، طلبت مني أن نجلس في المتجر وحدنا. أخرجت صندوقًا صغيرًا من حقيبة قديمة وقالت: — ده ليك. فتحت الصندوق فوجدت بداخله دفترًا صغيرًا. كان دفتر يومياتها. نظرت إليها بدهشة: — كتبتي كل ده؟

هزت رأسها: — من يوم الحريق… كنت بكتب عشان ما أنساش نفسي. بدأت أقلب الصفحات. كانت تحكي عن الألم، عن الصبر، عن الخوف، عن لحظات الانكسار… وعن قرار واحد ظل ثابتًا في كل الصفحات: “لا أسمح للحقد أن يربي ابني بدلًا مني.” أغلقت الدفتر ويدي ترتجف. نظرت إليها ولم أستطع الكلام. ابتسمت وقالت بهدوء: — أهم حاجة إني طلعتك إنسان مش شبه الألم اللي شوفناه. بعد شهور قليلة، تدهورت حالتها فجأة. وفي ليلة هادئة جدًا، جلست بجانبها في المستشفى.

أمسكت يدي وقالت بصوت ضعيف: — متخليش القصة تقف عند الحزن… كمل حياتك. ثم أضافت: — وافتكر… إنك دايمًا كنت السبب إني أعيش. وأغمضت عينيها بهدوء. بدون صراخ، بدون ضجيج… فقط نهاية هادئة تشبهها. بعدها، لم يعد المتجر مجرد مشروع. حوّلته إلى اسمها. وأصبح المكان معروفًا في المدينة باسمها هي، لا اسمي أنا. ومع الوقت، بدأت أرى شيئًا غريبًا يحدث. كل شخص يدخل المكان كان يحمل حكاية صغيرة من الألم… ويخرج بخطوة أخف. كأن قصة أمي لم تنتهِ بوفاتها… بل بدأت من بعدها.

وفي أحد الأيام، وجدت نفسي أقف أمام المرآة في المتجر وأقول لنفسي: “أنا لست ابن رجل ترك… أنا ابن امرأة صنعت حياة من الرماد.” ومن يومها فهمت شيئًا واحدًا بوضوح: ليس كل ما ينكسر ينتهي… بعض الانكسا-ر يتحول إلى بداية لا تُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!