
أغلقت باب الفيلا خلف كريم. ثم عدت ببطء إلى الصالون. والظرف القديم ما زال بين يدي. لم أفتحه فورًا. كنت أخاف. لأنني تعلمت خلال الشهور الماضية أن بعض الأوراق قادرة على تدمير حياة كاملة. جلست على الأريكة. وأخذت أتأمل خط اليد المكتوب على الظرف. تعرفت عليه فورًا. خط أبي. نفس الخط الذي كان يكتب به بطاقات العيد. ورسائل التهنئة. والأوراق الصغيرة التي كان يضعها لي داخل حقيبتي وأنا صغيرة. بدأت يداي ترتجفان. ثم فتحت الظرف أخيرًا.
وسحبت الرسالة. “إلى ابنتي سلمى… إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني لم أعد موجودًا. وأغلب الظن أن شخصًا ما أخفى عنكِ الحقيقة سنوات طويلة. لهذا أكتب لك الآن. سامحيني.” توقفت. شعرت بانقباض في صدري. وأكملت القراءة. “قبل ثلاثين عامًا شاركت في تأسيس شركة صغيرة مع أعز أصدقائي. اسمه فؤاد المنصوري. كنا نحلم أن نبني شيئًا كبيرًا. لكن المرض هاجمه بسرعة. وقبل وفاته بأشهر قليلة، طلب مني وعدًا.” توقفت أنفاسي. فؤاد المنصوري؟ والد ياسمين؟
أكملت القراءة بسرعة. “طلب مني أن أحمي ابنته الوحيدة حتى لو لم تعرف يومًا أنني أفعل ذلك. لأن أعداءه كانوا كثر. وكان يخشى عليها.” شعرت بالذهول. لم أفهم. لكن الكلمات التالية جعلت الدم يتجمد في عروقي. “ياسمين المنصوري ليست مجرد ابنة صديق. هي أختك.” سقطت الرسالة من يدي. وتناثرت الصفحات فوق الأرض. لا. مستحيل. مستحيل مرة أخرى. نهضت واقفة. ثم جلست. ثم وقفت ثانية. كأن عقلي لم يعد يعرف كيف يتعامل مع الصدمات. أختي؟ ياسمين؟
المرأة التي ظننت أنها عشيقة زوجي؟ المرأة التي جلست على طاولة العشاء نفسها؟ أكملت القراءة بصعوبة. “والدتها توفيت أثناء الولادة. وفؤاد كان مريضًا. وبعد وفاته انتقلت الطفلة إلى الخارج مع أقاربها. لكن الحقيقة القانونية التي لم يعرفها أحد أن والدتها كانت أختي. وبذلك أصبحت ياسمين ابنة أختي. وأنتِ أقرب شخص لها في هذه الدنيا.” وضعت يدي على فمي. شعرت وكأن الأرض تميد بي. ثم قرأت السطر الأخير. “لقد ترك فؤاد نصف ثروته أمانة باسمكما. وعندما تبلغان السن المناسبة ستنتقل الملكية إليكما معًا.”
رن هاتفي فجأة. انتفضت من مكاني. نظرت إلى الشاشة. وكان الاسم الذي ظهر عليها كافيًا لزيادة ارتباكي. ياسمين المنصوري. رددت بعد تردد. سمعت صوتها. وكان مرتبكًا بشكل غير معتاد. قالت: “سلمى… لازم أشوفك فورًا.” سألت: “ليه؟” ساد صمت قصير. ثم قالت: “لأن في حد حاول يقت..لني النهارده.” تجمد الدم في عروقي. وقفت من مكاني. “إيه؟!” أجابت بسرعة: “أنا في المستشفى دلوقتي.” “والشرطة موجودة.” “وفي حاجة لقوها في عربية الشخص اللي هرب.” سألت بصوت مرتجف: “إيه هي؟”
قالت: “صورتك.” في تلك اللحظة فقط… أدركت أن قصة كريم والخيانة والفيلا لم تكن إلا البداية. وأن السر الذي أخفاه والدي سنوات طويلة… أعاد فتح باب قديم جدًا. باب مليء بالمال. والنفوذ. والعداوات. والأشخاص المستعدين للق..تل. وأنا وياسمين… أصبحنا فجأة في قلب كل ذلك. يتبع… وصلت إلى المستشفى بعد أقل من عشرين دقيقة. وجدت ياسمين جالسة داخل غرفة خاصة. كانت بخير جسديًا. لكن وجهها كان شاحبًا. وعيناها مليئتين بالخوف. بمجرد أن رأتني وقفت بسرعة.
وقالت: “قريتي الرسالة؟” أومأت برأسي. ثم أخرجت الرسالة من حقيبتي. ففاجأتني عندما أخرجت رسالة أخرى مطابقة لها تقريبًا. وقالت: “وصلتني نسخة منها من أسبوع.” جلسنا متقابلتين. ولأول مرة لم نكن امرأتين جمعتهما الصدفة. بل فردين من عائلة واحدة. — بدأت الشرطة تحقيقاتها. وبعد أيام قليلة ظهرت الحقيقة. الشخص الذي حاول الاعتداء على ياسمين لم يكن قاتلًا محترفًا. بل موظفًا سابقًا في إحدى شركات فؤاد المنصوري.
وكان يعمل لحساب رجل آخر. رجل ظل مختفيًا لعقود. شريك قديم لفؤاد. استولى على جزء من الثروة بعد وفاته. وكان يعلم أن ظهور الوثائق الأصلية سيكشف كل شيء. ولهذا أراد إسكات ياسمين. وقبلها كان يراقبني أنا أيضًا. — استمرت القض..ية عدة أشهر. لكن الأدلة كانت أقوى من أن تُخفى. تم القبض على المتورطين. واستعادت ياسمين حقوق والدها القانونية. أما أنا… فلم أكن أهتم بالمال كما كنت أهتم بشيء آخر.
العائلة. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت أنني لست وحدي. — بعد عام كامل… بعنا الفيلا القديمة. الفيلا التي شهدت إهاناتي. وبكائي. وخيانتي. وأيام ضعفي. لم أرد أن أبقى فيها يومًا إضافيًا. اشتريت منزلًا جديدًا أصغر حجمًا. لكنه كان بيتي. أنا فقط. لا أحد يمنّ عليّ بالبقاء فيه. ولا أحد يشعرني أنني ضيفة داخله. — أما سعاد الحديدي…
فقد غادرت حياتي تمامًا. حاولت الاتصال بي مرات عديدة. لكنني لم أعد أملك الطاقة لإصلاح ما كسره الآخرون عمدًا. الغفران شيء. والعودة شيء آخر. وقد غفرت. لكنني لم أعد. — كريم بدأ حياة مختلفة. خسر الكثير. لكنه بدأ يعمل من جديد. بعيدًا عن النفوذ والمال السهل. وفي إحدى المرات أرسل رسالة قصيرة. كتب فيها: “كنت السبب في أكبر خسارة في حياتي.”
ثم أضاف: “وأقصد خسارتك أنتِ.” لم أرد. ليس كرهًا. بل لأن بعض القصص تنتهي بالفعل. ولا تحتاج إلى فصل إضافي. — أما ياسمين… فأصبحت أكثر من مجرد قريبة. أصبحت أختًا حقيقية. سافرنا معًا. احتفلنا بالأعياد معًا. وتقاسمنا الذكريات التي لم نملكها ونحن صغيرتان. وفي كل مرة كنا نكتشف شيئًا جديدًا عن آبائنا. ونضحك على غرابة الحياة. كيف جمعتنا بعد كل تلك السنوات.
— وفي صباح ربيعي هادئ… وقفت أمام قبر أبي. وضعت باقة من الزهور البيضاء. ثم جلست بهدوء. كانت الشمس تشرق ببطء. والهواء عليلًا. همست: “أنا زعلانة منك.” ابتسمت وسط دموعي. ثم أكملت: “بس فهمت ليه عملت اللي عملته.” صمت قليلًا. ثم قلت: “ومتشكرة.” لأن رسالته… رغم أنها جاءت متأخرة. أنقذت حياتي. — غادرت المقبرة.
وكانت ياسمين تنتظرني عند البوابة. ابتسمت لي. فسرت نحوها. ثم قالت: “جاهزة؟” سألت: “لإيه؟” أشارت إلى الطريق أمامنا. وقالت: “للبداية الجديدة.” نظرت إلى السماء. ثم إلى الطريق. ثم ابتسمت. لأنها كانت محقة. في بعض الأحيان يظن الإنسان أن حياته انتهت. أن الخيانة كسرت كل شيء. أن الخسارة لا يمكن تعويضها. لكن الحقيقة مختلفة. أحيانًا تكون النهاية التي أبكتك طويلًا…
هي نفسها الباب الذي يقودك إلى أفضل ما تبقى من عمرك. أمسكت يد أختي. ومشينا معًا. بعيدًا عن الماضي.9٣ وبلا خوف من القادم. لأنني أخيرًا… لم أعد المرأة التي تنتظر أن يختارها أحد. بل أصبحت المرأة التي اختارت نفسها. النهاية.
