Advertisements
Advertisements
منوعات

زوجة الملياردير حكـايـات أسمـا 2

Advertisements

توقفت أصابعها فوق الشاشة. لماذا تتصل به؟ لم يكن يومه. لم يتعلم بعد كيف يحملها. ربما سيفزع. ربما يأتي بحراس وسواقين ويفتح المستشفى كلها فوق دماغها. لكن صوتًا صغيرًا بداخلها قال: “هو أبوها.” ضغطت على الاتصال. رد من أول رنة تقريبًا. — أميرة؟ في حاجة؟ صوتها خرج متماسكًا بالكاد: — ليان سخنة. أنا رايحة المستشفى. — أنا جاي. — غيث، ما تعملش دوشة. — ابعتيلي المكان.

بس. لم تمر عشرون دقيقة حتى وصل. لكنها تفاجأت أنه لم يأتِ بموكب. جاء بسيارته وحده، شعره غير مرتب، وجهه شاحب، وفي يده شنطة صغيرة. دخل الاستقبال وهو يحاول ألا يبدو مذعورًا، لكن أميرة رأت الرعب في عينيه. ليان كانت على صدرها تبكي بتعب، وخدودها حمراء من الحرارة. اقترب غيث بخطوات حذرة وقال: — ممكن أشيل الشنطة عنك؟ أعطته الشنطة دون تفكير، ثم استغربت نفسها. عند الطبيب، ظل غيث واقفًا بجانب الباب، لا يتدخل إلا عندما يطلب منه أحد. وعندما سأل الطبيب عن اسم الأب، ساد صمت قصير. أميرة نظرت إلى غيث، ثم قالت: — غيث المنصوري. لم يظهر عليه انتصار.

لم يبتسم. فقط انخفضت عيناه لحظة، كأنه تلقى اعترافًا لا يستحقه بعد. الطبيب طمأنهم أنها عدوى بسيطة مع بداية التهاب، وكتب علاجًا ومتابعة. في الصيدلية، غيث دفع الحساب بهدوء قبل أن تمد أميرة يدها. التفتت له بحدة: — أنا كنت هدفع. قال فورًا: — عارف. مش قصدي أفرض. بس اسمحيلي أشارك في حاجة واحدة الليلة. كانت ستجادل، لكنها كانت متعبة جدًا. خارج المستشفى، بدأت ليان تبكي بقوة وهي ترفض الدواء. جلست أميرة في السيارة تحاول تهدئتها، وغيث واقف بجانب الباب عاجزًا.

قال بصوت متردد: — ممكن أجرب؟ نظرت إليه. كادت تقول لا. لكنه لم يكن يطلب لنفسه، كان ينظر إلى الطفلة بخوف صادق. أعطته سرنجة الدواء وقالت: — براحة. جلس في المقعد الخلفي بجوارهما، وأمسك السرنجة كما يمسك شيئًا خطيرًا. قال لليان بصوت هامس: — بصي يا لولو… أنا عارف إن طعمه وحش. أنا كمان لو حد اداني حاجة غريبة هزعل. بس ماما تعبت، وإحنا عايزين الحرارة تنزل، فممكن نعمل اتفاق؟ نقطة صغيرة وبعدين اللعبة القطة؟ ليان لم تفهم الكلام، لكنها هدأت قليلًا من نبرة صوته. أميرة كانت تراقبه في صمت.

أعطاها الدواء ببطء شديد، ومع كل نقطة كان يمدحها كأنها أنجزت بطولة. وفي النهاية، أخذت ليان اللعبة القطة ووضعتها على صدرها، ثم أسندت رأسها بتعب على ذراع أميرة، لكن أصابعها الصغيرة تعلقت بطرف كم غيث. تجمد. لم يتنفس تقريبًا. نظر إلى أميرة كأنه يسأل: “أتحرك؟” قالت بهمس: — ماتتحركش. فبقي كما هو، منحنيًا في وضع غير مريح، وذراعه معلقة، وظهره يؤلمه، لكنه لم يتحرك. بعد دقائق نامت ليان. كانت أصابعها لا تزال ممسكة بقميصه. وفي تلك اللحظة، شيء في وجه غيث انكسر تمامًا. لم يبكِ بصوت. فقط سالت دموعه بهدوء وهو ينظر إلى يد ابنته. قالت أميرة بعد صمت طويل:

— أول مرة سخنت كانت عندها شهرين.

كنت لسه مش قادرة أمشي كويس من الولادة. فضلت طول الليل واقفة بيها في البلكونة عشان كانت بتهدى على الهوا. اتصلت بيك يومها. مرة واحدة بس. ما رديتش. غيث أغلق عينيه بقوة. — كنت في لندن. — عارفة. شوفت صورتك تاني يوم مع ناس في افتتاح فندق. فتح عينيه ولم يجد شيئًا يقوله. لا عذر يصلح. لا اعتذار يكفي. قالت وهي تنظر إلى ليان: — في الليلة دي بطلت أستناك. مش بطلت أحبك… لأ، دي خدت وقت أطول. بس بطلت أستناك. وده كان أصعب يوم في حياتي. همس: — أميرة… — ماتقولش حاجة. أنا مش بحكيلك عشان تعتذر.

أنا بحكيلك عشان تفهم إن وجودك دلوقتي لازم يبقى حقيقي. لأن البنت دي لو اتعلقت بيك، مش هتعرف تبطل تستناك بسهولة زيي. قال بصوت مخنوق: — مش هسيبها. نظرت إليه بحدة رغم التعب. — ماتحلفش. أثبت. أومأ.

— هثبت. ذهب معهما إلى بيت أميرة تلك الليلة، ليس ليدخل، بل ليصعد الأدوية والشنطة حتى باب الشقة. كانت العمارة بسيطة في مدينة نصر، بعيدة جدًا عن الفيلا التي كانا يعيشان فيها في التجمع. نظر حوله دون تعليق. لم يبدُ عليه احتقار ولا شفقة، وهذا جعل أميرة أقل توترًا. عند الباب، قالت: — شكرًا. قال: — ممكن أطمن عليها الصبح؟ — ابعت رسالة. — حاضر. ثم تردد لحظة وقال: — أميرة… البيت ده إيجار؟ اشتعل وجهها فورًا. — غيث. — آسف. مش قصدي. أنا بس… — مفيش “بس”. حياتي مش ملف ناقص تمويل.

أنا عشت من غيرك، وهكمل من غيرك لو احتجت. قال بسرعة: — عارف. أنا غلطت إني سألت بالطريقة دي. ثم أخذ خطوة للخلف. — تصبحوا على خير. دخلت وأغلقت الباب، وأسندت ظهرها إليه. كانت غاضبة، لكنها أيضًا كانت تهتز. لأنه جاء. في المستشفى، جاء.

في الدواء، حاول. أمام باب بيتها، تراجع حين رفضت. هذه أشياء صغيرة، لكنها بالنسبة لامرأة اعتادت الغياب كانت كبيرة بشكل مخيف. في الصباح، جاءت رسالته في الثامنة تمامًا: “صباح الخير. عاملة إيه ليان؟” لم ترد فورًا. قاست الحرارة، وجدت أنها انخفضت. صورت الترمومتر دون أن يظهر وجه الطفلة، وأرسلتها. رد بعدها بثوانٍ: “الحمد لله. شكرًا إنك طمنتيني.” لم يزد. لم يستغل الفرصة. لم يفتح حوارًا طويلًا. وهذا جعلها ترد بعد ساعة: “الدكتور قال نكمل العلاج ٣ أيام.” رد: “ممكن أجيب الأدوية الناقصة لو في حاجة؟” كتبت: “جبتها.” رد: “تمام.” بدأت الأيام تتحرك ببطء.

لقاء ثاني في الحديقة العامة، ثم ثالث في مكتبة أطفال، ثم زيارة قصيرة لطبيب الأطفال وقف فيها غيث صامتًا وهو يسمع التعليمات كطالب جديد. كان يتعلم. أحيانًا بطريقة مضحكة. أول مرة حاول يركب كرسي السيارة لليان أخذ نصف ساعة كاملة، وفي النهاية ركبه بالعكس، فضحكت أميرة رغمًا عنها. نظر إليها كأنه رأى شمسًا بعد شتاء طويل.

قال: — اضحكي تاني. وحشتني ضحكتك. اختفت ضحكتها فورًا. قال بسرعة: — آسف. لم يكن الطريق مستقيمًا. كانت هناك لحظات يتعب فيها صبر أميرة، ولحظات يخرج فيها غيث القديم دون أن يقصد. مرة قال لها: — أنا ممكن أوفر مربية تساعدك. فاشتعلت: — أنا مش محتاجة حد ياخد مكاني. رد فورًا: — أقصد يساعدك إنتي، مش ياخد مكانك. بس لو الكلمة ضايقتك مش هكررها. ومرة أخرى تأخر عشر دقائق عن موعده بسبب اجتماع طارئ. وجد أميرة واقفة عند باب الحديقة، ليان في عربتها، ووجهها مغلق. قال وهو يلهث: — آسف الطريق… قاطعته: — لا. اتأخرت. قال: — عشر دقايق بس.

قالت بصرامة: — بالنسبة لك عشر دقايق. بالنسبة لطفلة مستنية، ده درس. وإحنا اتفقنا مفيش دروس وجع. نظر إلى ليان، ثم أخرج هاتفه وألغى الاجتماع التالي أمامها. قالت بحدة: — مش عايزة استعراض.

قال: — مش استعراض. أنا بتعلم أرتب أولوياتي. ومن يومها لم يتأخر. لكن الماضي لم يكن ساكتًا. بعد أسبوعين، انتشرت صورة من حفل الزفاف الملغي على صفحات الأخبار، صورة غيث وهو يقف أمام أميرة وليان، ونادين بعيدة تبكي. العناوين كانت قاسية: “ملياردير يلغي زفافه بعد ظهور طفلته السرية”، “فضيحة عائلية في حفل آل المنصوري”، “الزوجة السابقة تعود بطفلة تقلب حياة رجل الأعمال”. رأت أميرة الصور وشعرت أن الدم يهرب من جسدها. لم تكن تريد هذا. لم تكن تريد أن تصبح ليان عنوانًا. في نفس اليوم، وجدت صحفيين عند مدخل العمارة. سأل أحدهم بصوت عالٍ: — مدام أميرة، هل أخفيتِ الطفلة للانتقام؟

ارتجفت وهي تحمل ليان وتحاول الدخول. قبل أن ترد، ظهر غيث من سيارة توقفت بعنف عند الرصيف. لم يصرخ. لم يفقد أعصابه. وقف بين الصحفيين وبينها وقال بصوت بارد: — أي صورة للطفلة أو محاولة اقتراب من بيتها هتتحول لقضية خلال ساعة. ثم التفت للحارس الذي أحضره معه وقال: — من غير احتكاك. بس محدش يقرب. أميرة صعدت وهي ترتجف.

بعد دقائق، رن جرس الباب. فتحت بحذر فوجدته وحده. قالت: — إنت جايب حراسة؟ — للشارع بس. مش عليكِ. ومش هيفضلوا لو رفضتي، لكن كان لازم أبعدهم. انفجرت فيه: — حياتي بقت فرجة بسببك. بنتي بقت مادة للناس بسبب فرحك، بسبب دعوتك، بسبب إنك كنت عايزني أظهر في صورتك المثالية. قال بصوت منخفض: — عارف. — لأ مش عارف! أنت طول عمرك بتغلط والناس التانية تدفع. أنا دفعت مرة لما سبتني، وبدفع تاني دلوقتي. ليان هتدفع ليه؟ ماذا فعلت غير إنها اتولدت؟ كان واقفًا أمامها مطأطئ الرأس، لا يدافع ولا يبرر. وهذا جعل غضبها يعلو أكثر. — قول حاجة!

دافع عن نفسك كالعادة! قال بهدوء: — ماعنديش دفاع. إنتي صح. الصمت الذي نزل بعدها كان أثقل من الصراخ. أميرة كانت تريد أن تصطدم به، لكنه لم يمنحها حائطًا تصطدم به. قال بعد لحظة: — هطلع بيان. أتحمل فيه المسؤولية كاملة. من غير اسمك. من غير تفاصيل عنها.

وهكلم المحامي يرفع إنذارات للصفحات اللي نشرت صورتها. وهزود تأمين العمارة لو وافقتي. ولو مش موافقة، هدور على طريقة تانية تحميكم من غير ما تحسي إني بحاصر حياتك. قالت بتعب: — أنا مش عايزة فلوسك. — عارف. بس الحماية مش رفاهية لما الناس تقف تحت بيتك. لم ترد. كان كلامه منطقيًا، وهذا أرهقها. في المساء، نشر غيث بيانًا قصيرًا على حسابه الرسمي: “ما حدث في حياتي الخاصة مسؤوليتي وحدي. أطلب من الجميع احترام خصوصية طفلة لا ذنب لها، وأي تداول لصورتها أو محاولة تتبع لوالدتها سيواجه بإجراءات قانونية فورية.” لم يذكر أميرة. لم يذكر ليان. لم يحاول تنظيف صورته.

ولم يلمح إلى أنه ضحية. وفي اليوم التالي اختفت معظم الصور. لكن الأزمة فتحت بابًا آخر. باب صفية هانم. اتصلت والدة غيث بأميرة أكثر من مرة، وأميرة لم ترد. ثم في عصر يوم جمعة، وجدت صفية واقفة أمام باب الشقة، وحدها، بلا سائق يصعد معها، بلا هدايا ضخمة، بلا تعالٍ ظاهر. كانت تحمل علبة صغيرة فقط. فتحت أميرة الباب ونظرت إليها بصمت. قالت صفية بصوت خافت: — ممكن خمس دقايق؟ أميرة لم تفتح الباب بالكامل. — غيث بعتك؟ — لا.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!