
هو مايعرفش إني هنا. — يبقى اتفضلي ارجعي. اهتز وجه صفية، لكنها لم تغضب كما كانت تفعل سابقًا. قالت: — معاكِ حق. بس أنا جاية أقول كلمة واحدة. لو بعدها قفلتي الباب، مش هلومك. بقيت أميرة صامتة. قالت صفية وعيناها تلمعان: — أنا ظلمتك. مش بس ماحبتكيش… أنا خوفت منك. كنتِ الحاجة الوحيدة اللي قدرت تخلي غيث إنسان، وأنا كنت فاكرة إن ده ضعف. كنت عايزاه يبقى نسخة من أبوه… قوي، قاسي، محدش يمسك عليه احتياج. ولما شفتك بتطلعي منه جانب طيب، حاربتك بدل ما أشكرك. أميرة شعرت بقبضة في حلقها. لم تتوقع اعترافًا. تابعت صفية:
— يوم جيتي تاخدي هدومك وقلتلك كرامتك إنك تختفي… أنا كنت بقولهالك عشان أحمي ابني من مواجهة غلطه. مش عشان أحميكي. وأنا آسفة. ظلت أميرة تمسك الباب بقوة.
قالت بجمود: — الاعتذار مقبول. بس ده مش معناه إنك تدخلي حياتنا. أومأت صفية بدموع. — فاهمة. ثم مدت العلبة الصغيرة. — دي مش هدية غالية. دي كانت بتاعة غيث وهو صغير. أول شخشيخة مسكها. احتفظت بيها سنين. لو حبيتي ترميها، ارميها. بس حسيت إن ليان لها حق تعرف إن ليها جذور، حتى لو الجذور دي كانت قاسية. أميرة لم تمد يدها. وبعد صمت، قالت: — سيبيها عند الباب. وضعتها صفية على الأرض بهدوء، ثم استدارت لتمشي. لكن قبل أن تنزل، سمعت صوت ليان من الداخل تضحك. توقفت صفية، وأغمضت عينيها كأن الصوت لمس عمرًا كاملًا من الندم. لم تطلب رؤيتها.
وهذا بالضبط ما جعل أميرة تفتح الباب قليلًا أكثر. قالت: — صفية هانم. التفتت بسرعة. — مش دلوقتي. بس ممكن في يوم… لما أكون مستعدة. بكت صفية بصمت وقالت: — هستنى. في تلك الليلة، أخبرت أميرة غيث بما حدث. كان صامتًا على الهاتف طويلًا ثم قال: — أنا آسف على اللي عملته أمي. — هي اعتذرت. — وإنتي؟ — أنا تعبت من حمل الكره يا غيث. بس التعب مش معناه السماح الكامل. قال: — خدي وقتك. ثم أضاف بعد تردد: — وأنا كمان لازم أعتذرلك عن حاجة. — تاني؟ — عن حاجات كتير. بس في حاجة لازم تعرفيها.
يوم ما مشيت من البيت… ماكانش بس عشان خفت من العيلة. أميرة سكتت.
قلبها بدأ يدق ببطء ثقيل. قال: — قبلها بأسبوع الدكتور كان قالي إن احتمال أخلف ضعيف جدًا. عملت تحاليل من غير ما أقولك. لما سمعت الكلام، اتجننت. بدل ما أشاركك خوفي، لبستهولك. بقيت أقول مش عايز عيلة عشان ماواجهش إني ممكن ماقدرش أعمل عيلة. رفعت أميرة يدها إلى فمها. قال بصوت مكسور: — كنت جبان. لما لقيت حبك كبير، خفت أكتر. قلت لنفسي لو مشيت دلوقتي أحسن من يوم تشوفي فيا نقص. فجرحتك قبل ما تتخيلي تجرحيني. أغمضت أميرة عينيها، وشعرت أن قطعة قديمة من اللغز سقطت في مكانها. تذكرت تغيره المفاجئ. صمته. عصبيته. ابتعاده. جملته الباردة: “أنا مش عايز عيلة.”
يومها صدقته وكرهته. لم تعرف أن خلفها رجلًا مذعورًا اختار القسوة بدل الاعتراف بالضعف. لكنها لم تشعر براحة. الحقيقة لا تمحو الألم. قالت بصوت مرتجف: — فقررت تكسرني عشان ماقولكش إنك مكسور؟ لم يرد فورًا. ثم قال: — أيوه. يا للبساطة القاتلة. يا للوجع الذي كان يمكن منعه بكلمة صدق واحدة. قالت: — كنت ممكن أعيش معاك أي حاجة يا غيث. أي حاجة.
مرض، خوف، فشل، انتظار، علاج… لكنك اخترت تعيشني أنا الفشل لوحدي. جعلتني أصدق إن حبي كان عبء. — عارف. — لأ، مش عارف. لأنك لو كنت عارف ماكنتش عملتها. بكى على الطرف الآخر. سمعته يحاول كتم أنفاسه. لم تشعر بالانتصار. شعرت بالحزن عليهما. على رجل لم يتعلم كيف يقول أنا خائف، وامرأة دفعت ثمن خوفه، وطفلة جاءت لتكشف أن التحاليل ليست قدرًا، وأن الهروب كان أكبر كذبة في القصة كلها. بعد تلك المكالمة تغير شيء بينهما. لم يصبحا أقرب بالمعنى السهل، لكنهما أصبحا أصدق.
بدأ غيث يحكي عن طفولته، عن أب لا يسمح بالدموع، عن أم اعتبرت القسوة حماية، عن شركة ورث معها طريقة كاملة في إخفاء الضعف. وأميرة كانت تسمع أحيانًا، وتغلق أحيانًا، وتقول له حين يزيد: — أنا مش دكتورك النفسي. فيعتذر ويتوقف. وفي المقابل، بدأت هي تقول أشياء لم تقلها لأحد. عن يوم الولادة، عن خوفها من التوقيع على أوراق المستشفى وحدها، عن أول ليلة رجعت فيها البيت وليان في حضنها فوجدت السرير واسعًا كالصحراء، عن بكائها تحت الدش حتى لا يسمع الجيران، عن كذبتها على نفسها كل صباح أنها لا تحتاجه. كان يسمع دون أن يقاطع.
وكلما حكت، كان شيء في داخله ينحني أكثر.
بعد شهر، بدأت ليان تعرفه. ليس كأب بعد، بل كوجه مألوف يأتي ومعه صبر. صارت تبتسم عندما تراه، تمد له اللعبة القطة، تسمح له أحيانًا أن يدفع عربتها في الحديقة. أول مرة حملها بين ذراعيه حدثت بالصدفة. كانت أميرة تشتري ماء من كشك صغير، وليان بدأت تبكي في عربتها. انحنى غيث أمامها وقال: — مالك يا لولو؟ مدت ليان ذراعيها نحوه. تجمد. نظر إلى أميرة من بعيد، لكنها كانت تراقب. لم تقل لا. فحملها. حملها بطريقة مرتبكة جدًا، ذراع أعلى من اللازم وذراع تحت ظهرها بخوف، لكن ليان استقرت على صدره كأنها وجدت مكانًا دافئًا. لم يستطع الحركة.
عندما عادت أميرة، وجدته واقفًا في وسط الحديقة، يحمل الطفلة ودموعه تنزل بصمت. قالت بخفوت: — اسند رقبتها كويس، مش تمثال هي. ضحك وسط الدموع وعدل وضعها. ليان وضعت رأسها على كتفه، وفي تلك اللحظة أدركت أميرة أن أخطر شيء بدأ يحدث فعلًا: ابنتها بدأت تحبه. وهذا جعلها سعيدة وخائفة في نفس الوقت. لأنها لو وثقت به ليان، فلن يكون مسموحًا له أن يسقط. وفي مساء ذلك اليوم، قال غيث وهو يعيدها لها: — أنا عايز أعمل تحليل نسب. تجمدت أميرة. وجهها انقلب فورًا. قبل أن تنفجر، رفع يده بسرعة وقال: — مش عشان أشك. أقسم بالله مش عشان أشك.
أنا عايزه عشان أحط اسمي في شهادة ميلادها رسمي، وأثبت حقوقها القانونية كلها. سألت المحامي، ومحتاجين إجراءات.
لو رفضتي مش هضغط. عيناها ظلتا حادتين. — أول مرة سألتني في الفرح “دي بنتي صح؟” الجملة دي لسه جوايا. قال بندم واضح: — عارف. وعمري ما هسامح نفسي عليها. كان سؤال غبي وقاسي، طلع من صدمة مش من شك. بس أنا فاهم إنه جرحك. قالت: — جرحني لأنها بنتك أكتر منك. شبهك حتى في التكشيرة. ومع ذلك أول حاجة سألتها كانت كأنك بتدور على باب هروب. قال: — مفيش باب هروب. أنا عايز اسمي يبقى مسؤولية مش ملكية. عايزها ترثني، تتعالج باسمي، تسافر من غير مشاكل، تدخل أي مكان وهي مش مضطرة تثبت إنها ابنتي كل مرة. صمتت.
كان كلامه صحيحًا مرة أخرى. وهذا أيضًا أرهقها. قالت: — هفكر. قال: — خدي وقتك. وفي طريق عودتها تلك الليلة، نامت ليان في عربتها، وأميرة مشت ببطء في الشارع وهي تشعر أن حياتها كلها على حافة قرار جديد. لم تعد المسألة هل تسامح غيث أم لا. المسألة أن ليان لها حق. حق في أب، حق في اسم، حق في عائلة، حق في جذور، حق في حماية قانونية، وحق أيضًا ألا تُستخدم لإصلاح رجل كسر أمها. كانت المعادلة قاسية. وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على رسالة من رقم غير محفوظ. فتحتها وهي نصف نائمة، فإذا بها صورة قديمة.
صورة لغيث في لندن بعد الطلاق بأسابيع، تجلس بجانبه امرأة شقراء تضحك، وتحت الصورة رسالة: “قبل ما ترجعي تصدقيه… اسأليه كان مع مين لما كنتي بتولدي.” شعرت أميرة أن الهواء اختفى من الغرفة. جلست على حافة السرير، والرسالة مفتوحة أمامها، وليان نائمة بجوارها بسلام. ظنت أنها تجاوزت مرحلة الصدمات. لكنها اكتشفت أن الماضي لم ينته بعد. كان فقط ينتظر اللحظة المناسبة ليطرق الباب من جديد.
تمت
