
الصوت خرج مني قبل ما أقدر أسيطر عليه: “إنت… مستحيل!” الراجل واقف عند الباب كان شبه صورة قديمة في ذاكرتي… نفس العينين، نفس الوقفة. لكن ده كان أضعف، أكبر سنًا، ووشه عليه تعب سنين مش مفهومة. ليلى همست ورايا: “ماما… ده مين؟” كريم اتجمد تمامًا. وبص للراجل كأنه شاف شبحه هو كمان. الراجل رفع إيده بهدوء وقال: “أنا مش جاي أؤذيكم.” صمت لحظة. ثم أضاف: “أنا جاي أقول الحقيقة… قبل ما حد تاني يوصل لكم الأول.”
كريم فجأة صرخ فيه: “إنت مكنش مفروض تبان دلوقتي!” الراجل رد بهدوء مخيف: “كنت مستني اللحظة اللي الحقيقة تبقى أقرب ليها من الكذب.” وأشار ناحيتي. “وهي وصلت.” قلبي بقى بينفجر من الخوف والارتباك. اقتربت خطوة وأنا مش مصدقة: “إنت مين؟ وازاي شبه جوزي؟” سكت. ثم قال الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيا: “أنا أخوه.” ليلى بصتلي بصدمة: “بابا كان عنده أخ؟!” كريم هز رأسه بسرعة: “لا… مكنش المفروض تعرفوا ده أبدًا.” الراجل ضحك ضحكة قصيرة حزينة:
“وده سبب كل اللي حصل.” سكت لحظة، وبعدين بص ليّ مباشرة: “جوزك ما اختفاش… هو اتصفّى لأنه قرر يفضح صفقة سلاح داخل الشركة.” جسمي اتجمد. “وساعتها… أنا ساعدته يهرب باللي قدرنا عليه من الأدلة.” ليلى صرخت: “يعني بابا عايش؟!” الراجل هز رأسه ببطء: “لا… مش عايش.” صمت. ثقيل. ثم أضاف: “لكن قبل ما يموت… كتب اسم الشخص الحقيقي اللي خطط لكل حاجة.” بص ناحيتي… ثم ناحيـة كريم. وقال: “والشخص ده… كان أقرب ليكي مما تتخيلي.”
في اللحظة دي، كريم خطا خطوة للخلف لأول مرة. ووشه كان بيقول الحقيقة قبل لسانه: الخطر الحقيقي… لسه ما خلصش. الهواء في الشقة بقى تقيل لدرجة إن التنفس نفسه كان صعب. كلمات الراجل الأخير كانت بتتردد في دماغي: “الشخص ده كان أقرب ليكي مما تتخيلي.” بصيت لكريم. مش لأنه متهم بشكل مباشر… لكن لأن عيونه كانت أول مرة تتجنب عينيّ. ليلى همست بخوف: “ماما… مين يقصد؟” الراجل أخو جوزي اتقدم خطوة وقال بهدوء قاتل: “جوزك كتب الاسم قبل ما يموت بدقايق… وخلّاه في مكان محدش غير كريم كان يعرفه.”
كريم انفجر: “كفاية كذب! إنتوا بتلعبوا بيا من سنين!” لكن صوته كان مهزوز… كأنه بيحاول يقنع نفسه أكتر منّا. الراجل رد: “لو كذب… ورينا الورق اللي أخدته من المخزن ليلة الحادثة.” سكت كريم. سكونه كان الإجابة. ليلى فجأة مسكت إيدي جامد: “ماما… هو يعرف بابا من الأول؟” وفي اللحظة دي، كل شيء بدأ يترتب في دماغي بشكل مؤلم. القهوة… الرسائل… الاهتمام المفاجئ… ظهوره في حياتي في وقت مناسب جدًا. بصيت له: “كريم… قول الحقيقة.” عيونه اتكسرت.
ولأول مرة صوته خرج مختلف: “أنا ما قتلتوش… بس… كنت شريك في إخفاء الأدلة.” الصمت سقط علينا زي صاعقة. ليلى صرخت: “يعني إنت اللي خبيت الحقيقة عننا؟!” كريم هز رأسه: “لأن لو الحقيقة كانت ظهرت وقتها… كنتوا هتتأذوا إنتوا كمان.” الراجل اقترب وقال: “بس دلوقتي خلاص… اللعبة انتهت.” وفجأة مد إيده وأخرج ملف قديم من جيبه. “ده تسجيل صوتي لآخر لحظة بينه وبين قاتله الحقيقي.” قلبت الصفحة بإيدي المرتعشة. ليلى كانت بتبكي. وكريم واقف كأنه مستني حكم نهائي.
شغّلت التسجيل… وصوت جوزي ظهر واضح: “لو حصل لي حاجة… الشخص اللي اسمه…” صوت تشويش قطع الجملة. لكن قبل ما يختفي الصوت تمامًا… ظهر اسم واحد واضح، بارد، وصادم: “كريم.” سقط الملف من إيدي. ليلى صرخت بصوت مكسور: “لاااا!” كريم وقف مكانه. مش بيحاول ينكر. مش بيحاول يهرب. بس قال جملة واحدة أخيرة: “كنت فاكر إني بنقذكوا… مش بدمر حياتكم.” الراجل بص له وقال: “وانتهت اللعبة يا كريم.” وفي اللحظة دي… الشرطة اقتحمت الشقة فجأة.
وصوت الأصفاد كان بيغطي على كل صراخ وبكاء. كريم ما قاومش. بس قبل ما يخرج… بصلي نظرة طويلة. نظرة فيها حب… وندم… ونهاية. وبعدها الباب اتقفل. وسكتت الشقة لأول مرة من سنين… بس الحقيقة كانت أخيرًا ظهرت. وبقيت أنا وليلى لوحدنا. لكن وأنا قاعدة… لقيت ليلى بتهمس فجأة: “ماما… في حاجة مش منطقية.” بصيت لها: “إيه؟” رفعت عينيها وقالت: “التسجيل ده… مش صوت بابا الحقيقي.” وفي اللحظة دي بس… فهمت إن القصة لسه ما خلصتش… لأنها لسه بدأت من جديد.
النهايه


