Advertisements
Advertisements
منوعات

جوزي تركني حكـايـات أسمـا ×2

Advertisements

الفصل الرابع   بقي سيف واقفًا أمام البوابة الحديدية ساعات طويلة.   تحت شمس الظهيرة.   ثم تحت برودة المساء.   وكأنه يرفض تصديق أن كل شيء انتهى.   في الداخل…   كانت ليلى تجلس في غرفة المكتبة الواسعة.   تقلب ملفات قديمة.   وتراجع تقارير مالية.   وكأن الرجل الموجود خارج البوابة لم يعد جزءًا من حياتها.   ولم يعد يستحق حتى دقيقة من انتباهها.   لكن الحارس عاد بعد فترة.   وقال:  

“لسه واقف يا فندم.”   رفعت ليلى عينيها عن الأوراق.   وسألته:   “قال حاجة؟”   هز الحارس رأسه.   “كل اللي قاله إنه محتاج خمس دقايق بس.”   ابتسمت ليلى بمرارة.   خمس دقائق.   الرجل الذي لم يمنح زواجهما خمس دقائق من الاحترام.   يطلب الآن خمس دقائق.   فقالت بهدوء:   “خليه واقف.”   —   في الخارج…   كان سيف يشعر بأن حياته كلها تنهار أمام عينيه.   قبل أسبوع واحد فقط…

  كان الجميع يركضون لإرضائه.   المديرون.   الموظفون.   رجال الأعمال.   الصحافة.   أما الآن…   فلا أحد يرد على اتصالاته.   حتى أصدقاؤه اختفوا.   وكأنهم لم يعرفوه يومًا.   والأسوأ من ذلك…   أنه بدأ يرى الحقيقة.   الحقيقة التي تهرب منها سنوات طويلة.   ليلى لم تكن مجرد زوجة.   كانت العقل الذي أنقذ الشركة عشرات المرات.   كانت الشخص الذي يحل الأزمات في الخفاء.   كانت اليد التي تدفع الفواتير.

  وتنقذ الصفقات.   وتصلح أخطاءه.   بينما كان هو منشغلًا بإبهار الناس.   —   في تلك الليلة…   جلس داخل سيارته أمام القصر.   وأخرج هاتفه.   وبدأ يتصفح الصور القديمة.   صور حفلات.   وسفر.   ومناسبات.   وفجأة توقف عند صورة التقطت قبل أربع سنوات.   كانت ليلى تضحك فيها.   ضحكة حقيقية.   صادقة.   لم يرها على وجهها منذ زمن طويل.   تأمل الصورة.   ثم شعر بشيء يخنقه من الداخل.

  لأن تلك المرأة كانت تحبه يومًا.   حقًا.   وهو من قتل ذلك الحب بنفسه.   —   في صباح اليوم التالي…   وصلت ليلى إلى مقر الشركة الجديدة.   بعد إتمام عملية البيع.   وكان الجميع ينتظرها.   فقد أصبحت واحدة من أقوى سيدات الأعمال في البلاد.   لكنها لم تشعر بالنشوة التي توقعها الجميع.   بل بشيء أقرب إلى السلام.   سلام امرأة توقفت أخيرًا عن حمل شخص لا يريد أن يسير بنفسه.

  وأثناء الاجتماع…   دخل مساعدها الخاص.   وقال:   “في حاجة لازم تشوفيها.”   ناولها ملفًا صغيرًا.   فتحته.   فتغيرت ملامحها.   سألها المدير المالي:   “في مشكلة؟”   أغلقت الملف.   وقالت:   “مش مشكلة.”   ثم أضافت بهدوء:   “دي نهاية قصة قديمة.”   —   في الملف كانت توجد معلومات لم تعرفها من قبل.   معلومات جمعها المحققون أثناء مراجعة الحسابات.   وكانت تتعلق بياسمين السيوفي.   العشيقة التي اختارها سيف ليلة الزفاف.

  اتضح أن ياسمين لم تكن تحبه أصلًا.   بل كانت تستغل اسمه ونفوذه فقط.   وكانت تتواصل سرًا مع رجل أعمال آخر منذ شهور.   بل وتستعد للسفر معه إلى الخارج.   حتى قبل ليلة الزفاف نفسها.   جلست ليلى تنظر إلى الأوراق طويلًا.   ثم أغلقتها.   لأن الأمر لم يعد يهمها.   لكن القدر كان يملك خطة أخرى.   —   في المساء…   عاد سيف مرة أخرى إلى البوابة.   لكن هذه المرة…

  سمحت له ليلى بالدخول.   ليس حبًا.   ولا شفقة.   بل لأنها أرادت إغلاق الصفحة الأخيرة بنفسها.   دخل إلى القصر.   وتبع الحارس حتى غرفة الجلوس.   وعندما رآها…   شعر وكأنه يراها لأول مرة.   كانت مختلفة.   أقوى.   أهدأ.   وأبعد من أن يصل إليها.   جلس أمامها.   وساد الصمت لثوانٍ طويلة.   ثم قال أخيرًا:   “أنا غلطت.”   نظرت إليه.   دون رد.   فأكمل:  

“غلطت في حقك.”   ما زالت صامتة.   قال بصوت مكسور:   “وخسرت كل حاجة.”   أجابت بهدوء:   “لأ.”   رفع رأسه.   فقالت:   “إنت خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت واقفة جنبك قبل ما يبقى عندك أي حاجة.”   شعر أن الكلمات أصابته مباشرة في قلبه.   —   أخرجت ملفًا من الدرج.   ووضعته أمامه.   قال:   “إيه ده؟”   أجابته:   “حقيقتك.”   فتح الملف.   وكانت بداخله عشرات المستندات.

  تقارير.   وحسابات.   وخطابات.   وأدلة تثبت شيئًا واحدًا.   أن أغلب نجاحاته خلال السنوات الماضية كانت بسبب قرارات اتخذتها ليلى.   هي من أنقذت الشركة من الإفلاس مرتين.   وهي من أغلقت صفقات ضخمة. وهي من سددت ديونًا لم يكن يعرف عنها شيئًا.   بينما كان هو يتلقى التصفيق.   ظل يقلب الصفحات ببطء.   حتى بدأت يداه ترتجفان.   ثم رفع رأسه.   وعيناه ممتلئتان بالدموع.   وقال:   “ليه ما قلتيش؟”

  ابتسمت ليلى.   ابتسامة حزينة.   وقالت:   “لأني كنت بحبك.”   ساد الصمت.   ثم أضافت:   “والحب الحقيقي مش بيعمل كشف حساب كل يوم.”   —   انحنى سيف للأمام.   وقال:   “اديني فرصة أصلح كل حاجة.”   لكن ليلى هزت رأسها.   بهدوء.   وبلا تردد.   ثم قالت الجملة التي أنهت كل شيء:   “إنت فاكر إنك خسرت الشركة.”   وتوقفت لحظة.   ثم نظرت مباشرة إلى عينيه.  

“لكن الحقيقة إن الشركة كانت أسهل حاجة تعوضها.”   شحب وجهه.   أما هي فأكملت:   “اللي خسرته فعلاً… عمرك ما هتعرف تشتريه تاني.”   وفهم.   أخيرًا.   أنها لا تتحدث عن المال.   ولا عن القصر.   ولا عن الأسهم.   بل عن قلب امرأة أحبته بصدق.   فداس عليه بنفسه.   وعندما أدرك قيمته…   كان قد تأخر كثيرًا.   يتبع… الفصل الخامس   جلس سيف في صمت طويل.   لم يعد يملك كلمات يدافع بها عن نفسه.

  ولا أعذارًا يختبئ خلفها.   كل شيء انكشف.   كل كذبة.   وكل خيانة.   وكل لحظة تجاهل فيها المرأة التي كانت تقف خلفه.   نظر إلى ليلى.   لأول مرة دون غرور.   دون تعالٍ.   دون تلك الثقة الزائفة التي عاش بها سنوات.   وقال بصوت منخفض:   “أنا كنت أعمى.”   ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة.   وقالت:   “لا.”   رفع رأسه.   فأكملت:   “الأعمى مش بيشوف.”   ثم أضافت بهدوء مؤلم:

  “إنت كنت شايف… واخترت تتجاهل.”   كانت تلك الحقيقة.   ولهذا كانت أكثر إيلامًا من أي اتهام.   —   غادر سيف القصر بعد ساعة.   لم يصرخ.   لم يغضب.   لم يهدد.   خرج بهدوء رجل هُزم أخيرًا أمام نفسه.   أما ليلى…   فبقيت جالسة وحدها بعد رحيله.   تنظر إلى البحر.   وتشعر بشيء غريب.   لم يكن انتصارًا.   ولم يكن شماتة.   بل راحة.   راحة امرأة توقفت أخيرًا عن محاولة إنقاذ شخص لا يريد النجاة.

  —   مرت أسابيع.   ثم شهور.   وبدأت حياة جديدة تتشكل.   تمت إجراءات الانفصال رسميًا.  

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!