Advertisements
Advertisements
منوعات

أمي حكـايـات أسمـا ×4 والاخير

Advertisements

مرت خمس سنوات بعد اليوم اللي رفضت فيه الترقية.
خمس سنوات كاملة… تعلمت فيهم إن البيت مش بيتبني مرة واحدة وينتهي.
البيت الحقيقي محتاج شغل كل يوم.
محتاج اعتذار أحيانًا.
وصبر أحيانًا.
ومحتاج إن الإنسان يختار أهله كل يوم من جديد… حتى بعد الجواز بسنين.
زينب كبرت.
بقت تدخل المدرسة، وتتكلم بسرعة زي أمها، وتعاند زيي بطريقة تخوفني أحيانًا وتضحكني أحيانًا أكتر.
أما أمي… فشعرها بقى أبيض بالكامل، وخطواتها أبطأ، لكنها كانت أسعد.
كانت تجلس كل صباح في الحديقة الصغيرة أمام البيت، تسقي الزرع وتنتظر زينب قبل المدرسة.
وياسمين… بقيت أهدى.

في عينيها راحة ماكنتش موجودة زمان.
لكن رغم كل السلام اللي وصلناله…
الحياة برضه ما بطلتش تختبرنا.
في شتاء ذلك العام، تعبت أمي فجأة.
في البداية افتكرنا برد عادي.
شوية كحة وإرهاق.
لكن بعد أسبوع، بقت تتعب من أقل حركة، وتتنفس بصعوبة.
أخذناها للدكتور.
طلب أشعة وتحاليل.
كنت أجلس بجانبها في المستشفى وأنا أحاول أضحك وأهزر كأن الموضوع بسيط، بينما قلبي كان ينهار ببطء.
بعد ساعات، الدكتور طلبني وحدي.
دخلت مكتبه وأنا حاسس برجلي تقيلة.
قال بهدوء: — الحاجة زينب عندها ضعف شديد في عضلة القلب يا أستاذ أدهم…

والسن مش مساعد.
العالم سكت.
سمعت بقية كلامه كأنه جاي من بعيد.
أدوية.
راحة.
مراقبة.
مضاعفات محتملة.
لكن الجملة الوحيدة اللي علقت في دماغي كانت: “لازم تستعدوا وتخلوها مرتاحة نفسيًا.”
خرجت من المكتب وأنا مش قادر أتنفس.
أمي كانت مستنياني بره.
بمجرد ما شافت عيني… فهمت.
الأمهات بيفهموا قبل الكلام.
ابتسمتلي بهدوء وقالت: — ماتخافش يا ابني. لكل واحد عمر.
جريت عيني بعيد عنها علشان ما تشوفش دموعي.
لكنها شافتهم برضه.
في تلك الليلة…
البيت كله كان هادي بشكل مرعب.

ياسمين كانت بتحضر الدوا لأمي.
وزينب نايمة.
أما أنا… فكنت واقف في البلكونة أبص للشارع وأنا حاسس إني طفل صغير تاني.
فجأة حسيت بإيد ياسمين على كتفي.
قالت بهدوء: — متكتمش.
ضحكت بوجع: — أنا مش مستعد أخسرها.
سكتت لحظة.
ثم قالت: — ولا هي مستعدة تسيبك.
بكيت.
لأول مرة من سنين… بكيت بصوت.
حضنتني ياسمين وسابتني أعيط كأني طفل.
همست: — إنت ابنها الوحيد يا أدهم… طبيعي تخاف.
قلت بانهيار: — أنا قصرت معاها كتير.
قالت فورًا: — لا.
صرخت: — بلى!

سيبتها سنين لوحدها في البيت القديم. وخجلت منها. وبعدها شغلت نفسي عنها وعنكم.
مسكت وشي بين إيديها وقالت: — اسمعني كويس. أمك ماتتعبتش علشان تعيش كامل طول عمرها حاسس بالذنب. هي تعبت علشان تشوفك مبسوط.
الجملة هدتني شوية.
لكن الخوف فضل.
الأيام التالية بقت أبطأ.
أمي ماعادتش تقدر تتحرك بسهولة.
بقت تقضي أغلب وقتها في الجنينة أو على الكنبة جنب الشباك.
لكن الغريب…
إنها كانت أكثر هدوءًا مننا كلنا.
في يوم، دخلت عليها لقيتها بتسرح شعر زينب الصغيرة.
زينب سألتها ببراءة: — تيتا… إنتِ هتروحي الجنة؟
ضحكت أمي بحنان:

— يارب يا حبيبتي.
زينب سألت: — وهتسيبينا؟
سكتت أمي لحظة.
ثم قالت بابتسامة: — اللي بيحب حد عمره ما بيسيبه.
وقفت عند الباب وقلبي بيتقطع.
أمي شافتني.
وقالت: — تعالى يا أدهم.
قعدت جنبها على الأرض.
زي زمان.
مسحت على شعري وقالت: — فاكر أول مرة جبت ياسمين البلد؟
ضحكت وسط دموعي: — عمري ما هنسى.
قالت وهي تبص لياسمين من بعيد: — البنت دي نعمة يا ابني. حافظ عليها.
قلت: — عارف.
سكتت شوية.
ثم قالت فجأة: — أوعى ترجع تخاف من الفقر تاني.

بصتلها باستغراب.
قالت: — الناس الفقيرة مش عيب. القلوب الفقيرة هي العيب.
دموعي نزلت.
قالت: — وإوعى يوم الشغل ياكلك من بيتك. النجاح الحلو هو اللي ترجعه على حضن ناسك مش يبعدك عنهم.
هززت راسي وأنا مش قادر أتكلم.
أمي ابتسمت وقالت: — شكلك بقيت راجل أخيرًا.
ضحكت وأنا بعيط: — بعد إيه بس؟
قالت: — بعد ما اتعلمت إن الحب مش اختبار.
الجملة رجعتني لكل حاجة.
لليوم اللي وقفت فيه في الحوش مستني ياسمين تفشل.
ولليوم اللي كنت فيه غايب عن بنتي.
ولكل مرة الخوف ساقني بدل الحب.

حضنت إيد أمي وبستها.
وقلت: — أنا بحبك يا أمي.
ابتسمت بحنان: — وأنا عمري ما شكيت في ده.
بعد أسبوعين…
الحالة ساءت.
في الفجر، ياسمين صحّتني بخضة.
— أدهم… قوم بسرعة.
جريت ناحية أوضة أمي.
كانت تتنفس بصعوبة شديدة.
الإسعاف جات بسرعة.
وأنا طول الطريق ماسك إيدها كأني لو سبتها هتروح مني.
في المستشفى، دخلت العناية.
والانتظار بدأ.
أسوأ شيء في الدنيا إنك تقف مستني خبر عن روحك.
الساعات كانت بطيئة بشكل قاتل.
ياسمين كانت معايا طول الوقت.
ولا مرة سابت إيدي.

حتى لما كنت بسكت بالساعات، كانت قاعدة جنبي.
عند المغرب، الدكتور خرج.
عرفت من وشه قبل ما يتكلم.
قال بهدوء: — حاولنا بكل اللي نقدر عليه.
باقي الجملة اختفى.
العالم كله اختفى.
كل اللي فاكرو إني وقعت على الكرسي وأنا حاسس إن في حتة مني اتقلعت.
أمي ماتت.
الكلمة كانت مستحيلة.
إزاي؟
إزاي الست اللي كانت طول عمري ثابتة زي الأرض تختفي كده؟
مافتكرش مين حضني وقتها.
يمكن ياسمين.
يمكن كريم.
يمكن الاتنين.
كل اللي فاكره…

إني كنت بعيط لأول مرة من قلبي من غير ما أخبي.
العزاء خلص.
الناس مشيت.
والبيت بقى ساكت بشكل مرعب.
كنت أدخل الجنينة فأدور بعيني عليها تلقائيًا.
أصحى الصبح مستني صوتها وهي بتشغل الراديو القديم.
أدخل المطبخ فأفتكرها وهي تزعق لياسمين علشان حاطة ملح قليل.
كل ركن كان فيه منها.
وفي الليلة الثالثة بعد وفاتها…
دخلت أوضتها.
ريحة المسك والنعناع لسه موجودة.
قعدت على سريرها وأنا حاسس بالوحدة لأول مرة بجد.
ثم لاحظت صندوقًا خشبيًا صغيرًا فوق الدولاب.
فتحته.
وجدت بداخله صور قديمة… وصورتي وأنا طفل…

وصورة فرحي أنا وياسمين… ورسومات زينب.
وفي الأسفل…
ظرف باسمي.
فتحته بإيد مرتعشة.
“لأدهم ابني…”
بدأت أقرأ.
“لو بتقرأ الجواب ده… يبقى أنا عند ربنا دلوقتي. ماتزعلش أوي يا حبيبي. أنا عشت أكتر مما كنت أتمنى وشفتك راجل وأب كويس. يمكن غلطت في حاجات، ويمكن إنت غلطت في حاجات، بس عمرك ما كنت ابن عاق. فاكر يوم ما جبت ياسمين البيت؟ يومها عرفت إن ربنا استجاب دعائي. كنت دايمًا بدعي ربنا يرزقك بحد يشوف قلبك قبل فلوسك. وياسمين عملت كده. حافظ عليها يا ابني. الست اللي تستحمل خوفك وضعفك وتفضل ماسكة إيدك… ماتتعوضش.

وخلي بالك من زينب. حضن بنتك كتير. العب معاها حتى لو تعبان. اسمع كلامها حتى لو صغير. علشان الأيام بتجري، وفجأة هتصحى تلاقيها كبرت. والأهم… أوعى تخجل من أصلك تاني. بيتنا القديم ده عمره ما كان فقير. ده كان مليان حب. وأنا هموت مرتاحة علشان عرفت إنك فهمت ده أخيرًا.”
ماقدرتش أكمل.
الدموع غرقت الورقة.
حضنتها لصدرى كأنها آخر حضن منها.
وفي تلك اللحظة…
دخلت ياسمين بهدوء.
بصتلي… ثم قعدت جنبي من غير كلام.
حضنتها فجأة.
بقوة.
كأنني بتعلق بالحياة نفسها.
همست وسط دموعي: — أمي كانت بتحبك أوي.

بكت هي كمان: — وأنا كمان حبيتها كأنها أمي.
بعد شهور…
بدأ الوجع يهدى شوية.
مش يختفي.
الوجع الحقيقي ما بيختفيش.
بس الإنسان بيتعلم يعيش وهو شايله.
في يوم جمعة…
أخذت ياسمين وزينب وسافرنا المنيا.
البيت القديم كان واقف وسط الأرض زي ما هو.
دخلناه.
وكان هادي.
لكن مش موحش.
كأن روح أمي لسه فيه.
زينب جريت في الحوش وهي تضحك: — بابا! الحمامة رجعت!
ضحكت رغم دموعي.
ياسمين دخلت المطبخ القديم ولمست الفرن البلدي بحنان.
ثم بصتلي وقالت: — هنعمل إيه في البيت؟

بصيت حواليا طويل.
ثم قلت: — هنسيبه مفتوح.
استغربت: — مفتوح؟
قلت: — لكل حد محتاجه. أي بنت في البلد محتاجة تتعلم حرفة. أي ست كبيرة لوحدها. أي طفل محتاج مكان دافي.
ابتسمت.
فهمت فورًا.
وبعد سنة…
البيت القديم بقى مركز صغير لتعليم البنات الخياطة والطبخ ومحو الأمية.
صورة أمي كانت معلقة عند الباب.
وتحتها جملة كتبناها أنا وياسمين:
“البيت اللي يتبني بالحب… يفضل دافي حتى بعد رحيل أصحابه.”
وفي كل مرة كنت أدخل البيت ده…
كنت أفتكر الشاب الغبي اللي وقف يومًا أمام بوابته يختبر المرأة اللي يحبها.

وأبتسم.
لأن الحياة علمتني أخيرًا إن الإنسان لا يُقاس بما يملك…
بل بمن يبقى بجانبه عندما تسقط كل الأقنعة.
وفي مساء هادئ…
كنت جالسًا في الحديقة مع ياسمين بعد ما نامت زينب.
الهواء كان باردًا خفيفًا.
والسماء مليانة نجوم.
بصتلي ياسمين وقالت فجأة: — لو رجع بيك الزمن… كنت هتختبرني برضه؟
ضحكت بخجل.
ثم مسكت إيدها وبستها.
وقلت: — لو رجع بيا الزمن… كنت هحضنك من أول يوم وأقولك إني خايف… بدل ما أمتحنك.
ابتسمت ومالت برأسها على كتفي.
أما أنا…
فرفعت عيني للسماء.

وحسيت لأول مرة إن أمي مرتاحة فعلًا.
وإن البيت اللي حلمت تبنيه طول عمرها…
اتبنى أخيرًا.
تمت  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!