
هزت رأسها. ـ كنت بخاف أشوف نظرة الشفقة في عينك. الكلمة دي كسرتني. مديت إيدي ومسكت إيدها. لأول مرة من أيام الخناقة. ولأول مرة حسيت قد إيه كنت غبي. قاعد أسبوع كامل مركز في موضوع روج سخيف. ومش واخد بالي إن الست اللي عايشة معايا بتموت من الخوف كل يوم. سألتها: ـ طب إيه علاقة كل ده بالروج؟ ابتسمت وسط دموعها. ابتسامة وجعت قلبي. وقالت: ـ عشان شفايفي. استغربت. فكملت: ـ العلاج خلاني حاسة إني بقيت وحشة.
شعري وقع. وشي اتغير. وشفايفي فقدت لونها. وكل ما أبص لنفسي في المراية أحس إني مش الست اللي اتجوزتها. سكتت لحظة. ثم قالت: ـ فكنت عاوزة أشوفك بتجرب حاجة مجنونة معايا. نضحك. نهزر. نحس إن الحياة لسه فيها حاجة طبيعية. ساعتها حسيت بخنقة في صدري. أنا كنت فاكرها بتتريق عليا. لكن هي كانت بتحاول تهرب من خوفها. خرجنا من المستشفى مع بعض. وفي العربية فضلت ماسك إيدها طول الطريق. ولا واحد فينا اتكلم. بس إيدها كانت بتترعش.
وأنا كنت حاسس إن عندي مليون حاجة نفسي أقولها. وصلنا البيت. العيال كانوا نايمين. دخلنا أوضة النوم. وقفت قدام التسريحة. فتحت درج المكياج. طلعت نفس الروج. وبصيتلي باستغراب. قلت: ـ هو ده؟ ضحكت وسط دموعها. ـ أيوة. مسكته. وفتحته. وقلت: ـ طب وريني بيتحط إزاي. ضحكت ضحكة عالية لأول مرة من شهور. ضحكة رجعت الروح للبيت كله. لكننا ماكناش نعرف إن المفاجأة الأكبر لسه جاية… لأن بعد أسبوع واحد فقط، وأنا بدور على أوراق التأمين الطبي الخاصة بندى، اكتشفت ملف مخفي داخل درج قديم.
ملف لو شوفته قبل كده، كانت حياتنا كلها هتتغير من سنين. ولما فتحته… لقيت اسم شخص ما شفتوش من أكتر من عشر سنوات. شخصالمفروض إنه ميت. لكن المستندات كانت بتقول إنه لسه عايش. وإنه بيتابع أخبارنا من بعيد طول الوقت…! أول ما شفت الاسم، حسيت الدم اتجمد في عروقي. الاسم كان: حسام. أخو ندى الكبير. الراجل اللي العيلة كلها كانت مقتنعة إنه مات من أكتر من عشر سنين في حادث سفر. قفلت الملف بسرعة. وبعدين فتحته تاني.
يمكن عيني بتخدعني. لكن لأ. كل الأوراق قدامي كانت حقيقية. إيصالات تحويلات مالية. خطابات قديمة. وصور حديثة نسبيًا. صور لرجل أكبر سنًا شوية… لكن ملامحه هي نفسها. حسام. قعدت على السرير وأنا مش فاهم أي حاجة. ندى كانت نايمة بعد جلسة علاج مرهقة. وشها كان شاحب. وتعبانة جدًا. فقررت أستنى الصبح. طول الليل ما نمتش. والأسئلة كانت بتاكل دماغي. إذا كان حسام عايش… يبقى مين اللي اتدفن؟ وليه ندى مخبية السر ده؟ وليه مستمرة تستقبل منه فلوس؟
وليه محدش في العيلة يعرف؟ الصبح لما فتحت عينيها لقت الملف قدامها. وشها اتغير فورًا. عرفت. عرفت إني اكتشفت كل حاجة. همست: ـ كنت عارف إن اليوم ده هييجي. قلت بهدوء: ـ احكيلي. نزلت عينيها للأرض. وسكتت شوية طويلة. ثم بدأت تتكلم. قبل عشر سنين… حسام كان مديون بمبالغ ضخمة. دخل في مشاكل مع ناس خطرين. ولما حس إن حياته في خطر… هرب. اختفى. وغيّر هويته بالكامل. لكن أهله وقتها صدقوا إنه مات في حادث.
قلت: ـ يعني العيلة كلها عاشت عشر سنين على كدبة؟ قالت: ـ ماكنتش كدبة كاملة. هو فعلاً اختفى للأبد بالنسبة لهم. لكن قبل ما يمشي، سلمني كل أسراره. وأقسم عليّ ما أقولش لحد. قلت بغضب: ـ حتى أمك؟ بكت. ـ خصوصًا أمي. سكت شوية. ثم سألت: ـ وهو دلوقتي فين؟ قالت: ـ مش عارفة. قلت: ـ إزاي مش عارفة؟ قالت: ـ التحويلات بتيجي عن طريق وسيط. والرسائل بتوصل بطريقة غريبة. كل سنة رسالة واحدة بس.
ولا رقم. ولا عنوان. ولا أي وسيلة تواصل. فتحت الرسائل. وقعدت أقراها. كلها نفس الجملة تقريبًا: “أنا بخير. سامحيني إني سيبتكم. أهم حاجة أمّي تكون كويسة.” لكن آخر رسالة كانت مختلفة. آخر رسالة كانت من شهرين فقط. وفي آخرها مكتوب: “لو حصل لي أي مكروه… أمجد لازم يعرف الحقيقة.” بصيت لندى. ـ الحقيقة إيه؟ هزت رأسها. ـ معرفش. لأن الرسالة كانت مقطوعة. آخر صفحة كانت ناقصة. وفي اللحظة دي بالذات… رن جرس الباب. بصينا لبعض.
استغربنا. الساعة كانت قرب منتصف الليل. مين ممكن ييجي في الوقت ده؟ قمت وفتحت الباب. ولقيت راجل كبير واقف. دقنه بيضا. لابس جلابية قديمة. وشكله مرهق جدًا. لكن أول ما شاف ندى واقفة ورايا… انهار في البكاء. وقال بصوت مبحوح: ـ سامحيني يا أختي. تجمدت ندى. والكوب اللي في إيدها وقع واتكسر على الأرض. همست وهي بترتعش: ـ حسام؟! رفع الرجل رأسه. وكانت نفس الملامح. أكبر بعشر سنين. ومتعبة. لكنها نفس الملامح. حسام رجع. بعد عشر سنين كاملة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش رجوعه. الصدمة كانت الراجلين اللي كانوا واقفين في الشارع وراه. لابسين بدلات سودا. وبيراقبوا البيت من بعيد. ولما شافوا إن الباب اتفتح… واحد منهم رفع التليفون على ودنه وقال: ـ لقيناه. ثم ابتسم ابتسامة مخيفة. وكأن الكابوس الحقيقي بدأ في اللحظة اللي رجع فيها حسام…! يتبع