
كلما أغلقت عيني رأيت صورة أبي. وصية مخفية. تحويلات مالية. وصندوقًا دفنته جدتي داخل جدار غرفة نومها لعشرات السنين. مع أول ضوء للشمس كنت أمام مكتب المحامي سامح عبدالعزيز. كان المبنى قديمًا، تمامًا مثل الرجل نفسه. استقبلتني السكرتيرة وكأنها كانت تتوقع وصولي. وبعد دقائق دخلت إلى مكتبه. نهض الرجل من خلف مكتبه ببطء. كان شعره قد أصبح أبيض بالكامل تقريبًا. لكنه ما زال يحتفظ بنفس النظرة الحادة التي أتذكرها من طفولتي. ظل يحدق بي لثوانٍ طويلة.
ثم قال: “بقيتي شبه أبوكي جدًا.” كادت دموعي تنزل فورًا. جلست أمامه. وضعت الصندوق على المكتب. وقلت مباشرة: “عايزة الحقيقة كلها.” تنهد بعمق. ثم فتح أحد الأدراج. وأخرج ملفًا سميكًا مغطى بالغبار. وضعه أمامي. وقال: “الملف ده بقاله أكتر من عشرين سنة مستني اللحظة دي.” شعرت بأن نبضات قلبي تتسارع. فتح الملف. وأخرج صورة. كانت لأبي. لكن ليس وحده. كان يقف مع خالد. وفي الخلفية مبنى شركة المقاولات. قال المحامي: “أبوكي وخالد كانوا شركاء.” هززت رأسي.
“عارفة.” ابتسم بحزن. “إنتِ تعرفي جزء صغير بس.” ثم أخرج مستندًا آخر. وأضاف: “خالد ماكانش مجرد شريك.” سكت لحظة. ثم قال: “كان مديون لأبوكي بمبلغ ضخم جدًا.” شعرت بأن معدتي انقبضت. أكمل: “قبل وفاة أبوكي بأشهر اكتشف اختفاء مبالغ مالية كبيرة من الشركة.”
“يعني خالد سرقها؟” رفع عينيه نحوي. “كل الأدلة كانت بتقول كده.” ساد الصمت. ثم أخرج ورقة أخرى. وقال: “لكن المشكلة إن أبوكي ما لحقش يقدم البلاغ.” ابتلعت ريقي. “بسبب الحادث.” نظر إليّ طويلًا.
ثم قال ببطء: “هنا تبدأ المشكلة.” توقفت أنفاسي. “إيه تقصد؟” فتح الملف على صفحة معينة. ودفعها نحوي. كانت نسخة من تقرير تحقيق قديم. مكتوب عليه: “أغلق لعدم كفاية الأدلة.” بدأت أقرأ. ومع كل سطر كانت الصدمة تكبر. بحسب التقرير… السيارة التي كان يقودها أبي تعرضت لعبث في نظام المكابح قبل الحادث. رفعت رأسي فجأة. “إيه؟!” أومأ المحامي. “المحقق وقتها اشتبه إن الحادث مدبر.” شعرت بالبرودة تسري في جسدي. “وليه اتقفل التحقيق؟” تنهد. “لأن الشاهد الرئيسي اختفى.”
“اختفى؟”
“اختفى تمامًا.”
وضعت يدي على جبيني. الأمر أصبح أكبر بكثير مما توقعت. ثم أخرج المحامي مظروفًا جديدًا. وقال: “وده سبب إن جدتك فضلت محتفظة بالأوراق كل السنين دي.” فتحت المظروف. وفي داخله صورة أخرى. لكن هذه المرة كدت أسقط من الكرسي. الصورة كانت لأمي. وخالد. معًا. قبل وفاة أبي بأشهر. ولم يكونا وحدهما. كانا يحتضنان بعضهما. تجمد الدم في عروقي. شعرت بالغثيان. همست: “مستحيل…” أجاب المحامي: “للأسف حقيقي.” جلست غير قادرة على الكلام. كل شيء كان ينهار.
زواج أمي من خالد بعد وفاة أبي بسرعة. الأموال المختفية. الوصية المخفية. الصور. الحادث. كل شيء بدأ يرتبط ببعضه. ثم قال المحامي فجأة: “لكن دي مش أكبر مفاجأة.” نظرت إليه بذهول. إذا لم تكن هذه أكبر مفاجأة… فماذا بقي؟ فتح درجًا آخر. وأخرج تسجيلًا صوتيًا قديمًا محفوظًا على وحدة تخزين حديثة. قال: “جدتك سلمتهولي سنة 2012.” شعرت بقشعريرة. “تسجيل إيه؟” أجاب: “اعتراف.” اتسعت عيناي. “اعتراف مين؟” نظر إليّ مباشرة. وقال: “الشاهد اللي اختفى.” في تلك اللحظة شعرت أن قلبي توقف.
أوصل الجهاز بالحاسوب. ثم ضغط تشغيل. صدر صوت رجل مسن. صوت متعب. مرتبك. خائف. وقال: “أنا اسمي حسين… وكنت شغال ميكانيكي في الورشة اللي اتصلحت فيها عربية الأستاذ محمود قبل الحادث.” محمود. اسم أبي. حبست أنفاسي. أكمل الرجل: “قبل الحادث بيومين جه راجل وطلب مني أسيب العربية لوحدها ساعة كاملة.” شعرت بأن أصابعي تجمدت. ثم قال: “ولما رجعت لقيته بيشتغل في المكابح.” أغمضت عيني. كنت أخشى الجملة التالية. وجاءت بالفعل. “والراجل ده كان خالد.” سقطت دمعة ساخنة على خدي.
ثم الثانية. ثم الثالثة. استمر التسجيل. “لما سمعت بخبر الحادث خفت.” “ولما حاولت أتكلم جالي تهديد.” “وقالولي لو فتحت بوقك هتختفي.” شعرت بأن العالم يدور حولي. أما المحامي فكان يراقبني بصمت. انتهى التسجيل. وساد الصمت داخل المكتب. بعد لحظات قال: “دلوقتي فهمتي ليه جدتك كانت خايفة؟” أومأت بصعوبة. لكن سؤالًا واحدًا كان يحرق رأسي. “ليه محدش كشف الحقيقة؟” تنهد المحامي. ثم قال: “لأن الشخص اللي هدد الشاهد كان عنده نفوذ وقتها.”
“خالد؟”
“وخالد ماكانش لوحده.”
رفعت رأسي ببطء. شعرت بأن شيئًا أسوأ قادم. ثم قال المحامي الجملة التي قلبت كل شيء: “أمك كانت عارفة.” شعرت وكأن الأرض انشقت تحتي. لكن قبل أن أستوعب الصدمة… رن هاتف المحامي فجأة. نظر إلى الشاشة. وتغير لون وجهه بالكامل. ثم رفع عينيه نحوي وقال: “نورا… لازم نمشي حالًا.”
“ليه؟” أجاب بصوت مرتجف: “لأن حد دخل بيت جدتك النهاردة الصبح.” تجمدت في مكاني. ثم أضاف: “والناس اللي اشتروا البيت لقوا الخزانة مفتوحة… وكل الملفات اللي ماخدتيهاش اختفت.”