
الفصل الثامن “يبقى هما توأم.” الجملة انفجرت داخل الغرفة. ليان شهقت. فارس انتفض واقفًا. حتى سليم نفسه كان يحاول استيعاب ما قاله للتو. “لا!” صرخت ليان وهي تهز رأسها بعنف. “لا… مستحيل!” قلبها كان يدق بجنون. يدها ارتفعت تلقائيًا إلى بطنها. وكأنها تحاول تحمي أطفالها من الحقيقة المرعبة. فارس أمسك حافة الطاولة بقوة. “إحنا محتاجين دليل.” سليم أومأ برأسه. “وأنا مش بقول إن ده أكيد.” ثم رفع شهادة الميلاد. “بس لو حصل استبدال للأطفال…” وأشار إلى اسم كريم في الملفات.
“ولو سامي قال إن الولدين لازم يعرفوا الحقيقة…” سكت. ثم أكمل: “فكل الاحتمالات مفتوحة.” ليان بدأت تبكي. “يعني أنا عشت عمري كله كذبة؟” فارس اقترب منها فورًا. “لا.” “كل يوم أكتشف مصيبة أكبر من اللي قبلها.” دموعها نزلت بحرقة. “أنا تعبت.” ولأول مرة… لم يجد أحد كلمة يواسيها بها. — في نفس اللحظة… كان كريم يقود بسرعة ناحية المستشفى. يده تقبض على الرسالة. وعقله يكاد ينفجر. كيف يكون فارس المنصوري أبوه؟ كيف يكون سامي ليس والده؟
كيف عاش كل هذه السنوات دون أن يعرف؟ والأهم… ماذا لو كان كلام الرسالة صحيحًا؟ ضغط على دواسة البنزين أكثر. كان يريد إجابة. أي إجابة. — في مكان مجهول… كانت رنا لا تزال مقيدة. وعيناها متسعتان من الرعب. الشخص الجالس أمامها كان يراقبها بصمت. “إنت… مستحيل.” قالتها بصوت مرتجف. الرجل ابتسم ببطء. “واضح إنك افتكرتيني.” “إنت متّ!” ضحك. “كان لازم الناس تصدق كده.” رنا بدأت ترتعش. لأن الرجل أمامها كان واحدًا من أفراد الشبكة القديمة.
أحد الأشخاص الذين اختفوا قبل خمسة وعشرين عامًا. أحد الأشخاص الذين يعرفون كل شيء. اقترب منها. ووضع ملفًا فوق الطاولة. “قولي الحقيقة.” “أنا معرفش حاجة.” فتح الملف. وأخرج صورة. ثم دفعها أمامها. شهقت رنا. الصورة كانت لها. وهي تحمل طفلتين حديثتي الولادة. وليس طفلة واحدة. — في المستشفى… وصلت نتيجة تحليل جديدة. دخل الطبيب بسرعة. ومعه موظفة من المعمل المركزي. “مستر سليم.” “نعم؟” “طلبتوا مراجعة السجلات الوراثية القديمة.” “أيوة.” فتحت الملف. ثم قالت: “لقينا حاجة مهمة.”
كل العيون اتجهت إليها. “إيه؟” أخذت نفسًا عميقًا. “في يوم اختفاء ليان…” قلبت الصفحة. “كان فيه طفلين خرجوا من المستشفى في نفس الوقت.” الصمت ساد المكان. “مش طفل واحد.” ليان رفعت رأسها. “طفلين؟” “أيوة.” سليم سأل بسرعة: “مين الطفل التاني؟” الموظفة نظرت إلى الورق. ثم قالت: “ذكر.” فارس شعر بقلبه يتوقف. “كملّي.” “لكن السجلات الخاصة بيه اتحذفت بعد أسبوع.” سليم ض.رب الطاولة بغضب. “أكيد حد لعب فيها.” الموظفة هزت رأسها. “في حاجة أغرب.” “إيه؟” “الطفل الذكر كان مسجل باسم مؤقت.”
“اسمه إيه؟” نظرت إلى الصفحة الأخيرة. ثم قرأت: “الرضيع رقم 27.” وفجأة… اتسعت عينا فارس. لأنه تذكر شيئًا. شيئًا لم يفكر فيه منذ عشرات السنين. كان هناك طفل آخر بالفعل. طفل وُلد في نفس الليلة. في نفس المستشفى. وفي الغرفة المجاورة. طفل كانت تبحث عنه عائلة أخرى. ثم اختفى هو أيضًا. همس فارس: “يا إلهي…” سليم نظر إليه. “إنت عرفت حاجة؟” فارس رفع رأسه ببطء. “أيوة.” “إيه هي؟” تنهد. ثم قال: “الرضيع رقم 27 كان ابن أخويا.”
شهقت نجلاء. أما ليان فشعرت بالدوار. لكن فارس لم يكن قد انتهى. “وأخويا مات بعدها بشهرين من الحزن.” الصمت أصبح ثقيلًا. “يعني فيه طفلين اتخ.طفوا.” “أيوة.” سليم بدأ يربط الخيوط. “وليان واحدة منهم.” “بالضبط.” ثم جاء صوت من عند الباب. صوت جعل الجميع يلتفت. “والطفل التاني ما اتخ.طفش.” تجمد الجميع. كريم كان واقفًا عند الباب. وجهه شاحب. وعيناه حمراوان. وفي يده الرسالة. دخل ببطء. ثم نظر مباشرة إلى فارس. وقال: “الطفل التاني هو أنا.” ساد صمت مطبق.
حتى الأجهزة الطبية بدت وكأنها توقفت. ليان نظرت إليه بعدم تصديق. كريم رفع الرسالة. “أنا قريت كل حاجة.” ثم نظر إلى فارس. “وأنت… أبويا.” لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ذلك. لأن فارس لم يبدُ مصدومًا. بل بدا حزينًا فقط. حزينًا وكأنه كان يعرف. عرف منذ سنوات. ورغم ذلك التزم الصمت. كريم شعر بالغضب يشتعل داخله. “كنت عارف؟” فارس أغلق عينيه. ثم قال بصوت منخفض: “أيوة.” شهقت ليان. أما كريم فشعر أن الأرض انهارت تحته. لكن قبل أن يتكلم…
رن هاتف سليم. نظر إلى الشاشة. ثم فتح المكالمة. واستمع لثوانٍ فقط. وبعدها شحب وجهه بالكامل. “إيه؟” الجميع التفت إليه. سليم أنزل الهاتف ببطء. وقال: “لقينا سامي الشافعي.” كريم اندفع للأمام. “فينه؟” لكن سليم لم يرد فورًا. لأن الخبر لم ينتهِ. ثم قال: “لقيناه…” وتوقف لحظة. “…مق.تول.” يتبع… الفصل التاسع “لقيناه… مق.تول.” الكلمات خرجت ببطء. لكن تأثيرها كان كالرصاصة. كريم شعر أن ساقيه لم تعودا تحملانه. جلس على أقرب كرسي. وعقله يرفض استيعاب ما يسمعه.
رغم كل غضبه من سامي. ورغم كل الأسرار. كان الرجل الذي رباه. الرجل الذي ناداه “أبوي” طوال عمره. مات. وفوق كل ذلك… مات قبل أن يجيب عن الأسئلة. رفع كريم رأسه ببطء. “فين؟” سليم رد بصوت جاد: “في مخزن قديم على طريق السويس.” “مين عمل كده؟” “لسه مش عارفين.” لكن الحقيقة كانت واضحة للجميع. أحدهم كان يمسح الأدلة. شخص لا يريد للحقيقة أن تظهر. — بعد أقل من ساعة… وصل سليم وفارس وكريم إلى موقع الحادث.
أما ليان فرفض الطبيب خروجها بسبب حالتها. لكن قلبها كان هناك معهم. المخزن كان محاطًا بالشرطة. وأضواء السيارات تملأ المكان. نزل كريم من السيارة. وشعر بانقباض في صدره. ثم دخل. ولأول مرة في حياته… رأى سامي الشافعي بلا حركة. بلا أسرار. بلا أكاذيب. مجرد رجل عجوز انتهت رحلته. اقترب ببطء. وعيناه ممتلئتان بالدموع. لكن فجأة… لاحظ شيئًا غريبًا. يد سامي كانت مغلقة بقوة. كأنها تمسك شيئًا. أحد الضباط قال: “حاولنا نفتحها.” “ولقيتوا إيه؟” فتح الضابط منديلًا صغيرًا.
وفي داخله قطعة معدنية. صغيرة. فضية. على شكل نصف دائرة. فارس أخذها. ثم تجمد. سليم نظر إليها. وشحب وجهه. لأنهما عرفاها فورًا. كانت نصف شعار عائلة الحديدي. لكنها مكسورة. وكأنها جزء من شيء أكبر. — في نفس الوقت… داخل المستشفى… كانت ليان تحاول النوم. لكن عقلها كان يرفض. كلما أغلقت عينيها… رأت الفستان الممزق. رنا. كريم. أهلها. الحقيقة. الأسرار. وفجأة شعرت بحركة غير طبيعية في بطنها. ألم حاد. أقوى من أي ألم سابق. شهقت. وضغطت زر الاستدعاء بسرعة.
دخلت الممرضة. ثم شحب وجهها. “دكتور بسرعة!” خلال دقائق… كانت الغرفة ممتلئة بالأطباء. والأجهزة. والقلق. الطبيب نظر إليها بجدية. “لازم نوقف الانقباضات فورًا.” ليان أمسكت يده. “أولادي…” “هنعمل كل اللي نقدر عليه.” لكن القلق في عينيه لم يطمئنها أبدًا. — في المخزن… كان سليم يراجع كل زاوية. كل ورقة. كل أثر. حتى وصل إلى غرفة صغيرة خلفية. بابها كان مخفيًا. فتحها. ودخل. ثم توقف فجأة. الغرفة كانت مليئة بالملفات. صور. سجلات. مستندات. كل شيء يتعلق بالشبكة القديمة.
لكن على الحائط كانت هناك صورة كبيرة. كبيرة جدًا. لدرجة أنها غطت نصف الجدار. صورة لطفلتين رضيعتين. ليان. وطفلة أخرى. سليم اقترب ببطء. وتحت الصورة كانت جملة مكتوبة: “واحدة عادت.” “والثانية ما زالت مفقودة.” تجمد الدم في عروقه. — بعد دقائق… وصل فارس. ودخل الغرفة. ثم رأى الصورة. وتجمد مكانه هو الآخر. “مستحيل…” سليم أشار إلى الطفلة الثانية. “إنت تعرفها؟” فارس لم يجب فورًا. بل اقترب أكثر. ثم لمس الصورة بأصابعه المرتجفة. وهمس: “دي بنت أخويا.”
اتسعت عينا سليم. “إيه؟” فارس هز رأسه. “كان عنده توأم.” الصمت انفجر في المكان. “يعني…” “يعني مش طفلين اتخ.طفوا.” نظر إليه فارس. وعيناه ممتلئتان بالرعب. ثم أكمل: “كانوا تلاتة.” — في اللحظة نفسها… داخل غرفة مجهولة. كانت رنا لا تزال مقيدة. والرجل الغامض أمامها. لكن هذه المرة دخل شخص جديد. امرأة. في منتصف الثلاثينات. شعرها أسود. وعيناها تشبهان شخصًا يعرفه الجميع. اقتربت من الضوء. ورنا شهقت بقوة. “لا…” المرأة ابتسمت. “اشتقتِ لي؟” رنا بدأت ترتعش.
“إنتِ…” المرأة اقتربت أكثر. ثم قالت: “أنا الطفلة الثالثة.” — أما في المستشفى… فبينما كان الأطباء يحاولون إنقاذ الحمل… بدأ جهاز المراقبة يصدر إنذارًا حادًا. التفت الجميع. وشحب وجه الطبيب. ثم صرخ: “جهزوا العمليات فورًا!” ليان شعرت بالخوف يبتلعها. “إيه اللي حصل؟” لكن أحدًا لم يجب. لأن الطبيب كان ينظر إلى الشاشة بصدمة. ثم قال الجملة التي أوقفت القلوب: “إحنا فقدنا نبض أحد التوأمين.” يتبع…
