
لاحظـت بالصـدفة صـورة لابنـي داخـل محـفظة جـارتي الجـديدة وعـندما قلبـتها ورأيـت ما كُتـب علـى ظهـرها، اتـصلت بالنجـدة فـورًا. منذ ثلاث سنوات وأنا أعيش في وضع البقاء فقط. هذا ما يحدث عندما تكونين أمًا مطلقة، وابنك البالغ من العمر ست سنوات، آدم، يعاني من فشل كلوي في المرحلة الرابعة. حكايات توته وستوته حياتنا تدور حول جلسات الغسيل الكلوي، جداول الصوديوم، أنظمة غذائية صارمة، وثقل قائمة انتظار زراعة الكُلى التي تبدو بلا نهاية. حكايات اسما عندما انتقلت نسرين للسكن في الشقة المجاورة بحي المعادي في القاهرة، شعرت وكأنها معجزة.
مشرقة. ودودة. لا تفارق الابتسامة وجهها. أحضرت لنا بسكويت مناسبًا لمرضى الكُلى بعدما بحثت بنفسها عن المكونات المسموح بها، وكانت تجلس مع آدم على الشرفة تقرأ له قصصًا مصوّرة بينما أُنهي عملي الحر من المنزل. لأول مرة منذ سنوات، استطعت أن أنام عصرًا نومًا عميقًا.
السبت الماضي عرضت أن تبقى معه.
قالت برفق: “أنتِ محتاجة ترتاحي. أوعدك هحافظ عليه كأنه ابني.” كدت أبكي من الامتنان. عندما استدارت لتغادر، سقطت محفظتها من حقيبتها على الرصيف. لم تنتبه. أغلقت بابها قبل أن أستطيع مناداتها. التقطتها لأعيدها إليها. لكنها انفتحت بين يدي. لم تكن رخصة قيادتها هي ما ظهر أمامي…كانت صورة ابني. صورة لآدم في حديقة الأزهر قبل عام. ملتقطة من بعيد. قبل شهور طويلة من انتقالها للسكن بجوارنا.
انقبض حلقي…لم أعطها تلك الصورة يومًا. لم أنشرها على مواقع التواصل.
لم تكن صورة مُعدّة أو مُلتقطة بقصد. كانت صورة مراقبة…بيدين مرتجفتين، أخرجتها من المحفظة. ثم قلبتها…وعلى ظهرها، بخط أحمر عريض، كُتبت ثلاث كلمات….عندما قرأتها، لم أفكر…اتصلت بالنجدة قبل أن أستطيع حتى أن أتنفس… صلي علي محمد وال محمد وتابع معايا
كانت الكلمات الثلاث مكتوبة بخط أحمر عريض، مهزوز قليلًا كأن من كتبها كان منفعلاً:
“المتبرع المحتمل رقم 17”
تجمد الدم في عروقي.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. لم أفهم… أو ربما فهمت أكثر مما يجب.
رقم 17؟
آدم ليس رقمًا.
آدم ابني.
يداي بدأتا ترتجفان بعنف. قلبي يخبط في صدري بقوة مؤلمة. شعرت ببرودة تسري في أطرافي رغم حرارة أغسطس.
لم أفكر.
لم أحاول تفسير.
لم أطرق بابها.
ضغطت 122.
“النجدة، في إيه يا فندم؟”
لم أستطع تنظيم أنفاسي. خرج صوتي مبحوحًا:
“جارتي…
عندها صورة لابني… ومكتوب عليها كلام غريب… ابني مريض كُلى… وأنا… أنا خايفة…”
طلبوا العنوان فورًا.
في الدقائق القليلة التي سبقت وصولهم، شعرت أن الزمن يتمدد بشكل مرعب. كنت واقفة في الصالة، أنظر إلى باب شقتها المغلق. هل هي في الداخل؟ هل تسمعني؟ هل تعرف أني رأيت؟
آدم كان نائمًا في غرفته.
ذهبت إليه بسرعة، جلست بجواره، وضعت يدي على صدره لأتأكد أنه يتنفس. كان وجهه الصغير شاحبًا كالعادة، لكنه هادئ. بريء.
“مش هسيبك”، همست له.
طرقات قوية على باب العمارة قطعت أفكاري.
الشرطة.
جاء ضابطان بملابس مدنية، وواحد بالزي الرسمي.
شرحت لهم كل شيء. أعطيتهم الصورة.
تبادلوا النظرات.
سألني أحدهم: “هي تعرف إن ابنك على قائمة زراعة؟”
“أكيد… كل العمارة تعرف. ده مش سر.”
طرقوا باب نسرين.
فتحت بعد لحظات، وابتسامتها المعتادة مرسومة على وجهها… لكنها اختفت فور رؤيتها للشرطة.
“في مشكلة؟”
أشار الضابط إلى الصورة: “ممكن تفسري لنا ده؟”
تغير لونها.
لم تصرخ.
لم تنكر فورًا.
فقط قالت: “دي… مش زي ما هي باينة.”
جملة يقولها كل مذنب.
طلبوا تفتيش الشقة.
وافقت… لكن ترددها كان كافيًا ليزرع الرعب داخلي.
دخلوا.
دخلت معهم.
وكان أسوأ قرار اتخذته في حياتي.
شقتها كانت مرتبة بشكل مبالغ فيه.
نظيفة أكثر من اللازم.
باردة.
في غرفة النوم، فتح الضابط درجًا جانبيًا.
وجد دفترًا.
ثم ظرفًا.
ثم صورًا.
كثيرة.
أطفال.
صور ملتقطة من مسافات بعيدة.
بعضهم في حدائق. بعضهم أمام مدارس. بعضهم في مستشفيات.
كل صورة مكتوب خلفها رقم… وتاريخ.
شعرت بدوار حاد.
“يا نهار أبيض…” تمتم الضابط.
سألها بحدة: “إيه ده؟”
جلست على السرير وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ثم بدأت تبكي.
ليس بكاء ندم.
بكاء انكشاف.
الحقيقة خرجت على دفعات.
نسرين لم تكن مجرد جارة لطيفة.
كانت وسيطة.
شبكة غير قانونية تعمل في تجارة الأعضاء.
لم تكن هي الجراح.
ولا الطبيبة.
كانت “الباحثة”.
تراقب.
تجمع معلومات.
تحدد الأطفال المرضى.
الأكثر احتياجًا.
الأقل حماية.
تبحث عن أسر منهكة… مستنزفة… قابلة للضغط.
كانت تقترب.
تبني ثقة.
تصبح جزءًا من الحياة.
ثم… تبدأ اللعبة.
أحيانًا يعرضون “متبرعًا متوفى” بشكل مشبوه. أحيانًا يزورون أوراق. أحيانًا… يحدث “حادث”.
لم أستوعب كل شيء.
لم أستطع.
كنت فقط أسمع كلمة واحدة تتكرر في رأسي:
آدم.
الضابط واجهها: “رقم 17 يعني إيه؟”
خفضت رأسها.
“الترتيب في القائمة.”
“قائمة إيه؟”
سكتت.
لكنه كان يعرف.
نظرت إليّ فجأة.
وقالت بجملة جعلتني أرتجف:
“كنت هساعده.”
“إيه؟!”
“في متبرع… جاهز… مقابل مبلغ.”
صرخت: “إنتِ مجنونة؟!”
قالت بانهيار: “إنتِ فاكرة الانتظار ده طبيعي؟ فاكرة الدولة هتوصلكِ لدورك؟ الأطفال بيمـ,ـوتوا وهم مستنيين! أنا بديهم فرصة!”
“فرصة بإيه؟ بسرقة عضو من طفل تاني؟!”
لم ترد.
الصمت كان الإجابة.
تم القبض عليها في الحال.
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
في اليوم التالي، حضرت قوة أكبر.
تم تفريغ شقتها بالكامل. أجهزة لابتوب، هواتف، أوراق.
اكتشفوا تواصلًا مشفرًا.
تحويلات مالية.
أسماء أطباء.
مستشفيات خاصة.
القضية كبرت.
الإعلام لم يعرف التفاصيل كاملة، لكن تسربت شائعات عن “شبكة خطيرة في المعادي”.
أنا لم أظهر في أي شيء.
رفضت.
كل ما أردته هو ابني.
في الليلة التالية، لم أستطع النوم.
جلست على أرض غرفة آدم، ظهري للحائط، أراقبه.
كيف كانت ستبدأ؟
هل كانت ستقترح متبرعًا؟ هل كانت ستطلب تحاليل إضافية؟ هل كانت ستصطنع طارئًا طبيًا؟
تذكرت كل لحظة.
كل بسكويت. كل قصة. كل ابتسامة.
كانت تراقبه منذ قبل أن تسكن هنا.
حديقة الأزهر…
ذلك اليوم.
تذكرت.
كنا هناك لإخراجه من حالة اكتئاب بعد جلسة غسيل صعبة. كان يجري ببطء، متعبًا، لكنه يضحك.
هل كانت تراقبنا حينها؟
منذ متى كنتُ تحت المجهر؟
شعرت بالغثيان.
بعد أسبوعين، تم استدعائي للإدلاء بشهادتي.
علمت أن الصورة التي وجدتها لم تكن الوحيدة لآدم.
كان لديهم ملف كامل عنه.
تاريخه الطبي. المستشفى. اسم الطبيب. نوع فصيلة دمه. توافقات محتملة.
كل شيء.
أدركت حينها شيئًا مرعبًا.
لم تكن تراقب آدم فقط.
كانت تراقبني أنا.
تبحث عن نقطة الانهيار.
عن اللحظة التي سأقول فيها: “مستعدة أعمل أي حاجة.”
مرت شهور.
القضية ما زالت في المحكمة.
اكتشفوا ثلاث حالات أخرى مشابهة.
أسر لم تكتشف إلا بعد فوات الأوان.
لكن لم يُثبت اختفاء أعضاء بالقوة.
كانت العمليات تتم تحت غطاء “تبرع موافق عليه”.
استغلال اليأس.
هذا هو سلاحهم.
أما أنا…
فحدث شيء لم أكن أتوقعه.
بعد ستة أشهر من القبض عليها، تلقيت اتصالًا من المستشفى.
كان هناك متبرع مطابق بنسبة عالية جدًا.
حادث سير.
وفاة دماغية.
الأهل وافقوا على التبرع.
اسمي جاء في الدور.
دوري الحقيقي.
الشرعي.
النظيف.
انهرت بالبكاء.
ليس فقط لأن الأمل عاد.
بل لأنني لم أستسلم لذلك الطريق المظلم.
عملية آدم استمرت سبع ساعات.
جلست في الممر أعد أنفاسي.
كل دقيقة تمر كأنها عام.
خرج الجراح أخيرًا.
ابتسم.
“العملية نجحت.”
سقطت على الكرسي وأنا أبكي كما لم أبكِ من قبل.
ليس خوفًا.
بل نجاة.
اليوم…
آدم في السابعة.
يمشي لمسافات أطول. يضحك أكثر. لم يعد وجهه شاحبًا كالسابق.
يسألني أحيانًا: “ماما، طنط نسرين راحت فين؟”
أقول له:
“سافرت بعيد.”
لن أحكي له الآن.
سيعرف يومًا.
لكن ليس اليوم.
أحيانًا أفكر…
لو لم تسقط المحفظة.
لو لم تفتح.
لو لم أقلب الصورة.
هل كنت سألاحظ؟
أم كنت سأشكرها يومًا وهي تسلمنا إلى كارثة؟
الشر لا يأتي دائمًا بوجه مخيف.
أحيانًا يأتي ببسكويت مناسب لمرضى الكُلى.
تعلمت شيئًا واحدًا:
اليأس يجعلنا نرى المنقذ في أي شخص.
لكن المنقذ الحقيقي…
لا يطلب ثمنًا مخفيًا.
وأمٌّ تخاف على ابنها…
قد تكون ضعيفة.
لكن حدسها أقوى من أي شبكة إجرامية.
وضعت الصورة في ملف القضية.
لكنني احتفظت بنسخة منها.
ليس خوفًا.
بل تذكيرًا.
أنني في تلك اللحظة…
اخترت أن أصدق خوفي.
فأنقذت ابني.
النهاية.
