Advertisements
Advertisements
منوعات

صمت مؤلم حكايات اسما ×2

Advertisements

مرت خمس سنوات.
كبرت سارة، لكن بعض الجروح لا تكبر مع الإنسان… بل تبقى بنفس الحجم داخل الروح، تؤلم بنفس الطريقة مهما مر الزمن.
كان عمرها الآن اثني عشر عامًا.
شعرها صار أطول، وملامحها بدأت تتغير، لكن عينيها ظلتا تحملان ذلك الحذر القديم، كأن الطفلة الصغيرة التي كانت ترتجف في زاوية الفصل ما زالت تسكن بداخلها.
الأستاذ أحمد لم يتركها يومًا.
ليس لأنه كان يريد أن يلعب دور البطل، بل لأنه فهم شيئًا مهمًا جدًا منذ الق*ضية: الطفل الذي ينجو لا يحتاج فقط لمن ينقذه… بل يحتاج لمن يبقى بعد النجاة.
كان يطمئن عليها من بعيد.
يسأل الأخصائية نجلاء عن تقدمها.
يحضر حفلات المدرسة دون أن يلفت انتباهها.
وأحيانًا، حين تراها عيناه تضحك مع البنات، يشعر أن قلبه يسترد جزءًا صغيرًا من سلامه.
لكن الماضي لا يختفي بسهولة.
في إحدى الليالي، استيقظت منى على صوت صراخ مرعب.
جرت نحو غرفة ابنتها.
وجدت سارة على الأرض، تتنفس بعنف وتضرب بيديها حولها كأنها تقاتل شخصًا غير مرئي.
— “سارة! حبيبتي! فوقي!”
فتحت الطفلة عينيها فجأة، ثم بدأت تبكي بانهيار.
— “كان هنا… كان هنا…”
حضنتها أمها بقوة وهي ترتجف معها.
ورغم مرور السنوات… ما زال اسم حسام يرعبهما معًا.
لكن الكابوس الحقيقي بدأ بعد شهر.
في صباح عادي، بينما كانت سارة خارجة من المدرسة، توقفت سيارة سوداء قرب الرصيف.
الرجل الذي نزل منها كان في الخمسينات، أصلع جزئيًا ويرتدي بدلة أنيقة.
اقترب منها بهدوء وقال:
— “إنتِ سارة؟”
تراجعت خطوة فورًا.
الرجل رفع يديه بسرعة.
— “متخافيش… أنا محامي.”
جمد الدم في عروقها.
ثم قال الجملة التي أعادت كل الرعب دفعة واحدة:
— “أنا جاي من طرف والدك.”
في تلك اللحظة، لم ترَ الشارع.
ولا المدرسة.
ولا الناس.
كل شيء اختفى.
وعادت فجأة تلك الطفلة الصغيرة المحبوسة في بيت مليء بالخوف.
ركضت.
ركضت بكل قوتها حتى وصلت داخل المدرسة وهي تبكي وتصرخ.
الأستاذ أحمد كان في الطابق الثاني، ولما سمع اسمها نزل جريًا.
وجدها منهارة في حضن المشرفة.
كانت ترتعش بالكامل.
— “هو رجع… هو رجع…”
أحمد شعر بقلبه يتجمد.
وفي أقل من ساعة كانت الشرطة في المكان.
اتضح أن المحامي بالفعل مرسل من حسام.
بعد خمس سنوات في السجن، حاول يطلب تخفيف الحكم بدعوى “إعادة التأهيل”، وأراد “إعادة التواصل مع ابنته”.
عندما سمعت منى الخبر، كادت تفقد عقلها.
— “بعد كل اللي عمله؟!”
لكن القانون سمح بتقديم الطلب.
وهنا بدأت المعركة من جديد.
هذه المرة لم تكن معركة إثبات الج*ريمة.
بل معركة حماية سارة من العودة للانهيار.
الأخصائية نجلاء طلبت تقييمًا نفسيًا عاجلًا.
والنتيجة كانت واضحة:
أي تواصل مع الأب قد يدمر الطفلة نفسيًا بشكل كامل.
لكن محامي حسام حاول اللعب على نقطة واحدة:
“الأم سمحت باستمرار الوضع لسنوات، فلماذا يُحرم الأب من فرصة ثانية؟”
الكلمات نزلت على منى ك*س*ك*ين.
لأن الجزء الأكثر قسوة في النجاة… هو أنك تضطر لمواجهة أخطائك للأبد.
في تلك الفترة، بدأت سارة تنغلق على نفسها مرة أخرى.
بطلت تخرج.
بطلت ترسم.
وفي أحد الأيام، مزقت كل دفاترها فجأة.
لما سألتها أمها لماذا، صرخت:
— “علشان لو بقيت دكتورة وهشوف أطفال زيه… مش هقدر أنقذهم!”
ثم انهارت في البكاء.
الأستاذ أحمد بدأ يقلق بشدة.
وفي يوم، طلب منها تقابله في مكتبة المدرسة القديمة.
جلست أمامه صامتة.
فأخرج من درج المكتب الرسمة القديمة.
الحصان.
الرسمة التي رسمتها بعد شفائها.
بصت لها طويلًا.
ثم بدأت دموعها تنزل.
قال لها بهدوء:
— “فاكرة الرسمة دي؟”
هزت رأسها.
— “دي أول مرة رجع فيها اللون لحياتك.”
سكت قليلًا ثم أكمل:
— “الوحش اللي أذاكي حاول يسرق طفولتك… بس ما تخليش ياخد مستقبلك كمان.”
رفعت عينيها نحوه.
— “أنا تعبت يا أستاذ.”
ابتسم بحزن.
— “عارف. بس التعب مش معناه إنك انتهيتي.”
ثم قال جملة ظلت عالقة معها سنوات:
— “الناس المؤذية تفضل قوية طول ما الضحايا فاكرين نفسهم مكسورين.”
في يوم الجلسة، المحكمة كانت هادئة بشكل خانق.
سارة لم تكن تريد الحضور.
لكنها أصرت في آخر لحظة.
دخلت القاعة وهي ترتجف.
وحسام كان هناك.
أكبر سنًا.
أضعف.
لكن عينيه بقيتا كما هما.
باردتين.
ولأول مرة منذ سنوات، نظر إليها مباشرة.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة مريضة جعلت الدم يهرب من وجهها.
لكن قبل أن تنهار…
شعرت بيد تمسك يدها.
الأستاذ أحمد.
كان يقف بجانبها.
فشدت على يده كأنها تتشبث بالحياة نفسها.
بدأت الجلسة.
محامي حسام تكلم طويلًا عن “الندم” و”حق الأبوة”.
ثم طلب القاضي سماع رأي سارة.
القاعة كلها صمتت.
وقفت هي ببطء.
وكان صوتها ضعيفًا في البداية.
— “حضرتك… أنا كنت طفلة.”
بلعت ريقها بصعوبة.
— “كنت فاكرة إن كل البيوت فيها خوف… وإن كل البنات بيستخبوا لما يسمعوا صوت باب البيت.”
بدأت الدموع تنزل، لكنها أكملت.
— “هو ما دمرش طفولتي بس… هو خلاني أخاف من نفسي.”
ثم نظرت مباشرة نحو أبيها لأول مرة منذ سنوات.
وقالت:
— “وأنا تعبت أعيش خايفة.”
حتى القاضي بدا متأثرًا.
ثم قالت آخر جملة:
— “لو فعلًا ندمان… سيبني أعيش من غير ما ترجع تطاردني.”
الصمت الذي نزل بعدها كان ثقيلًا جدًا.
وبعد مداولات طويلة…
تم رفض طلب حسام بالكامل.
بل وتم منعه قانونيًا من أي محاولة تواصل مستقبلية معها.
في اللحظة التي خرج فيها من القاعة، صرخ باسمها.
لكن سارة هذه المرة لم ترتجف.
أغلقت أذنيها… ومشت.
فقط مشت للأمام.
وفي تلك الليلة، لأول مرة منذ سنوات، نامت دون كوابيس.
مرت الأعوام.
سارة دخلت الثانوية.
ثم الجامعة.
وكما وعدت نفسها…
دخلت كلية الطب البيطري.
في أول يوم جامعة، وقفت أمام المرآة طويلًا.
كانت ترى فتاة مختلفة تمامًا عن تلك الطفلة الصغيرة.
أقوى.
أهدأ.
لكنها تحمل ندوبًا لن تختفي أبدًا.
ومع ذلك… كانت حية.
في السنة الثالثة من الجامعة، بدأت تتطوع مع الأطفال الناجين من العنف.
كانت تجلس معهم بالساعات.
تلعب.
ترسم.
وتسمع.
وفي كل مرة طفل يقول: “أنا خايف”…
كانت ترد بهدوء:
— “أنا كمان كنت خايفة.”
ثم تبتسم.
وفي أحد الأيام، دخلت عليها طفلة صغيرة في المركز.
كانت منكمشة وترفض الكلام.
جلست سارة أمامها بهدوء.
ثم دفعت إليها ورقة وألوانًا.
الطفلة رسمت امرأة وطفلة وظلًا أسود كبيرًا.
تجمدت سارة للحظة.
نفس الرسمة.
نفس الصمت.
نفس الخوف.
لكن هذه المرة…
لم تكن الطفلة وحدها.
رفعت سارة رأسها ونادت الأخصائية فورًا.
بدأ التدخل بسرعة.
وتم إنقاذ الطفلة قبل أن يستمر الأذى سنوات أخرى.
في تلك الليلة، جلست سارة وحدها تبكي.
ليس حزنًا.
بل لأنها فهمت أخيرًا لماذا نجت.
بعض الناجين لا ينجون فقط لأنفسهم…
بل لينقذوا غيرهم.
بعد سنوات طويلة، الأستاذ أحمد تقاعد من التعليم.
وفي حفل تكريمه، دخلت القاعة شابة ترتدي بالطو أبيض وتحمل باقة زهور.
في البداية لم يعرفها.
لكن حين ابتسمت…
عرف فورًا.
سارة.
اقتربت منه وعانقته بقوة.
ثم قالت أمام الجميع:
— “الناس فاكرين إن المعلمين بيعلموا قراءة وكتابة بس.”
دموع أحمد بدأت تنزل.
أما هي فأكملت:
— “بس الأستاذ أحمد علمني إن صوتي له قيمة… وإن الطفل لما يقول أنا خايف، لازم حد يصدقه.”
القاعة كلها بكت.
ثم أخرجت من حقيبتها إطارًا صغيرًا.
داخله الرسمة القديمة.
الحصان.
قالت وهي تضحك وسط دموعها:
— “حضرتك نسيت الرسمة دي في مكتبك يوم التقاعد… وأنا سرقتها.”
ضحك الجميع.
أما أحمد فأخذ الرسمة بيد مرتعشة.
وقال بصوت مختنق:
— “أنا كنت فاكر إني أنقذتك.”
هزت رأسها.
— “لا يا أستاذ… إنت بس أول واحد سمعني.”
وبعد الحفل، وقفت سارة خارج القاعة تنظر للسماء.
الهواء كان هادئًا.
ولأول مرة منذ طفولتها…
لم تكن تشعر بالخوف من الغد.
لأنها فهمت أخيرًا حقيقة مهمة جدًا:
النجاة لا تعني أن الألم اختفى.
بل تعني أنك لم تعد تسمح له أن يقود حياتك.
وفي مكان ما داخلها…
كانت تلك الطفلة الصغيرة ذات الضفاير ما تزال موجودة.
لكنها لم تعد تبكي وحدها في الظلام.
أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!