طرقتُ باب شقة خالتي نادية بعنف، وكانت يدي ترتجف ليس خـ,ـوفًا، بل من فرط الغـ,ـضب والغل الذي ملأ قلبي الصغير. مرت دقيقة كاملة قبل أن يفتح الباب ببطء، وتظهر من خلفه خالتي نادية. كان وجهها شاحبًا، وعيناها زائغتين، لكن بمجرد أن رأتني، رسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة من الشفقة والوجع، وفتحت ذراعيها لتضـ,ـمني وهي تصطنع البكاء: “ملك! يا حبيبتي يا بنتي.. إيه اللي حصل لأمك ده؟ أنا مش مصدقة! فاطمة تمد إيدها على دهب ناس ماليين مركزهم في البلد؟ يا فضيحتنا وسط الجيران!”
أزحتُ يديها عني بقوة وجفاف جمد الابتسامة على وجهها. دخلتُ إلى الصالة بخطوات ثابتة لم تعهدها مني من قبل، وجلستُ على المقعد وعيني مثبتة في عينيها. قلت بصوت هادئ ومخـ,ـيف: “وفري دمـ,ـوعك يا خالتي.. أمي مش حرامية، وإنتِ عارفة كويس مين اللي حط السوار في الشنطة الساعة 11:18 الصبح وهي مستخبية ورا الباب.” اختفى اللون تمامًا من وجه نادية، وتراجعت خطوة للخلف وسندت يدها على الطاولة كأن الأرض دارت بها. حاولت أن تبتلع ريقها وتستجمع قواها، ثم صرخت فيّ بنبرة حادة مهتزة:
“إنتِ اتجننتي يا بت؟ إنتِ بتقولي إيه؟ أنا خالتك! شكل الصدمة لحست دماغك.. اتفضلي اطلعي برة بيتي وروحي شوفيلك حد كبير يلمك!” لم أتحرك من مكاني. فتحتُ حقيبتي ببطء شديد، وأخرجت منها الإقرار المالي القديم بصورة طبق الأصل، والخطابات الصفراء، ووضعتها على الطاولة أمامي. “أنا مش هطلع برة، والأوراق دي فيها سر الأرض اللي زورتي توقيع أمي عشان تبيعيها، وفيها الإقرار اللي يوديكي ورا الشمس.. أمي سكتت زمان عشان بتحبك، بس أنا مش أمي. لو ما روحتيش معايا دلوقتي للنيابة واعترفتي باللي عملتيه، الأوراق دي مع شهادتي هتبقى قدام وكيل النيابة قبل ما النهار يقطع.”
نظرت نادية للأوراق بصدمة، ثم تحولت نظراتها فجأة من الخـ,ـوف والارتباك إلى ضحكة باردة، خبيثة، هزت أركان الغرفة. ضحكة جعلت شعر جسدي يقف. تقدمت نحوي ببطء، وانحنت بمستواي وهي تهمس بفحيح يشبه الأفاعي:
“أعلى ما في خيلك اركبيه يا ملك.. فاكرة نفسك ذكية؟ الورق اللي في إيدك ده ملوش أي قيمة دلوقتي. الإقرار ده مر عليه سنين وطعن التزوير فيه جاهز. وأمك؟ أمك ممسوكة متلبسة بالدهب في شنطتها، وصاحب الدهب ده يبقى المستشار رفعت.. عارفة مين رفعت؟ ده الراجل اللي أنا بشتغل في بيته وبنظف قصره بقالي سنة، وهو نفسه اللي اتهم أمك لما شافها بتزورني في الشغل الأسبوع اللي فات!” تسمرتُ في مكاني. الشغل في قصر المستشار؟ أمي زارتها هناك؟ بدأت الخيوط تتشابك في عقلي بشكل مرعـ,ـب.
تابعت نادية وهي تبتسم بنصر: “أنا ما سـ,ـرقتش السوار يا حلوة.. السوار ده بتاع مراته، وأنا اللي خليت أمك تروح تشتريلي طلبات وتعدي عليا هناك، وخليت كاميرات المراقبة اللى برة القصر لقطت أمك وهي داخلة وخارجة في الوقت اللي السوار اختفى فيه! يعني القضية مقفولة لدرجة إن لو دخلت أنا بنفسي وقلت للنيابة إني أنا اللي سـ,ـرقته، مش هيصدقوني وهيقولوا إني بتبلى على نفسي عشان أنقذ أختي! أمك ضاعت يا ملك.. ضاعت للأبد.”
شعرت بدوار شديد. الخطة كانت أكبر وأعمق من مجرد وضع سوار في حقيبة؛ خالتي رتبت للأمر منذ أسابيع، واستغلت طيبة أمي وجهلها بما يدور حولها لتصنع لها فخًا قانونيًا لا يمكن النجاة منه. وفي تلك اللحظة المليئة باليأس، انفتح باب الشقة الداخلي، وخرج منه شخص لم أكن أتوقع رؤيته أبدًا في هذا المكان. كان شابًا في أواخر العشرينيات، يرتدي ملابس أنيقة، لكن ملامحه كانت تحمل مزيجًا من القلق والغـ,ـضب. نظر إلى خالتي نادية وقال بصوت غاضب:
“إنتِ عكيتي الدنيا ليه يا نادية؟ إحنا ما اتفقناش إن الموضوع يوصل للشرطة والنيابة بالسرعة دي! أنا قلتلك عاوز السوار يختفي عشان نضغط على المستشار، مش عشان تحبسي أختك وتجيبي لنفسك الشبهات!” التفتُّ إليه والصدمة تلجم لساني. من هذا الشاب؟ وما عـ,ـلاقته بالمستشار؟ ولماذا يتحدث مع خالتي وكأنه هو المحرك الأساسي لكل ما حدث؟ نظرت إليّ خالتي نادية بذعر، وكأن ظهور هذا الشاب كشف جزءًا من المؤامرة لم تكن تريدني، أو تريد لأحد، أن يعرفه أبدًا.
التفت الشاب نحو خالتي نادية بغـ,ـضب أعمى، وتجاهل وجودي تمامًا وهو يزعق بصوت مكتوم: “أنا مشغل معاكي واحدة غبية! السوار ده كان كارت الضغط الوحيد اللي معايا عشان المستشار يوافق على الصفقة ويسحب القضية اللي رافعها عليا! تقوم تصرفك المتخلف ده يخلي الشرطة تدخل وتفتش وتلاقي السوار في بيوت ناس تانية؟ إنتِ عارفة لو المستشار عرف إنك شغالة معايا هيعمل فينا إيه؟”
