
الفصل الثالث كان زحام القاهرة في ذلك الصباح خانقًا. سيارات متلاصقة. أبواق لا تتوقف. وشمس حادة تنعكس على الزجاج الأمامي للسيارات كأنها شظايا نــ,,ـــــار. لكن كل ذلك لم يكن يشغلني. كنت أقود وعقلي عالق في رسالة السيدة ليلى. كل كلمة فيها كانت تدور في رأسي. “هناك من يحاول .ي.” “أنت الشخص الوحيد الذي أثق به.” “إذا حدث لي شيء…”
شعرت بقبــ,,ـــــضة باردة تعتصر صدـ,,ـــري.
طوال الأشهر الماضية كنت أعتقد أنني مجرد سائق بالنسبة لها. مجرد موظف. لكنها كانت ترى شيئًا آخر. وربما لهذا السبب اختارتني. وصلت إلى إشارة مرور بالقرب من مدينة نصر. توقفت السيارات. وتوقفت خلفها. وفي تلك اللحظة لمحتها. السيارة السوداء. كانت خلفي مباشرة. في البداية لم أهتم. لكن عندما تحركت الإشارة وتحركت أنا، تحركت هي. انعطفت يمينًا. انعطفت هي أيضًا. دخلت شارعًا جانبيًا. تبعتني. بدأ القلق يتسلل إلى داخلي. حاولت إقناع نفسي أن الأمر مجرد صدفة.
لكن بعد عشر دقائق من المطاردة الصامتة، لم أعد أصدق ذلك. أخرجت هاتفي واتصلت بالبنك. رد موظف الاستقبال.
“بنك النيل الخاص، تحت أمرك.”
قلت بسرعة: “عايز أتأكد من وجود صندوق أمانات باسم السيدة ليلى المنشاوي.” ساد صمت قصير. ثم قال الموظف: “حضرتك مين؟” أغلقت الخط فورًا. خطأ. كان خطأ كبيرًا. إذا كانت الرسالة صحيحة، فلا يجب أن ألفت الانتباه. نظرت في المرآة مرة أخرى. السيارة السوداء ما زالت هناك. وقتها فقط اتخذت قرارًا. لن أذهب إلى البنك مباشرة. بدأت أتنقل بين الشوارع بشكل عشوائي. مرة إلى العباسية. مرة إلى مصر الجديدة. مرة إلى طريق النصر. كل مرة كانت السيارة تظهر من جديد.
كأنها ظل. الآن تأكدت. أحدهم يراقبني. وأغلب الظن أن هذا الأحد هو فؤاد المنشاوي.
ابن السيدة ليلى الأكبر.
الرجل الذي لم أحب نظراته منذ أول يوم رأيته فيه. الرجل الذي كان يتحدث إلى أمه وكأنها خزنة أموال وليست إنسانة. تذكرت موقفًا حدث قبل شهر. كنا عائدين من المستشفى. وكان فؤاد يجلس بجوار أمه. قال لها وقتها: “لازم توقعي على الأوراق دي.” سألته: “إيه الأوراق؟” نظر إليّ بغضب. ثم تجاهلني. لكن السيدة ليلى رفضت التوقيع. يومها خرج من السيارة وصفق الباب بقوة. والكراهية تشتعل في عينيه. الآن فقط بدأت أفهم. ربما كانت تلك الأوراق جزءًا من الخطة.
وصلت إلى موقف سيارات متعدد الطوابق. دخلت إليه بسرعة. صعدت إلى الطابق الثالث. أوقفت السيارة. ثم ترجّلت ووقفت خلف عمود أسمنتي أراقب. بعد دقائق. دخلت السيارة السوداء. ببطء. كانت تبحث عني. حبست أنفاسي. ثم رأيت الرجل الذي يقودها. لم يكن فؤاد. لكنني عرفته. كان حارسًا شخصيًا يعمل لدى العائلة. اسمه رامي. رأيته عشرات المرات في الفيلا. ظل يبحث لدقائق. ثم غادر. انتظرت خمس دقائق إضافية. ثم خرجت من الجهة الأخرى. واستقليت سيارة أجرة. تركت المرسيدس في الموقف.
وتركت المراقبين يبحثون عنها. ولأول مرة منذ ساعات شعرت أنني حصلت على أفضلية صغيرة. بعد أقل من ساعة كنت أمام بنك النيل الخاص. مبنى أنيق. زجاج أزرق. وحراسة مشددة. دخلت وأنا أحاول إخفاء توتري. استقبلني موظف في منتصف الأربعينيات. قلت بهدوء: “عندي رسالة من السيدة ليلى المنشاوي.” تغيرت ملامحه فورًا. ثم طلب مني الانتظار. بعد دقائق ظهر مدير الفرع بنفسه. دعاني إلى مكتبه. وأغلق الباب.

