Advertisements
Advertisements
منوعات

النمر الذي لم يق-تل اسما السيد ×3

Advertisements

الفصل الثالث — قبل أن تشتعل الغابة
كان زئير آسر لا يزال يتردد بين الصخور عندما وصل أول خيط دخان إلى العرين.
رامي رفع رأسه فجأة.
— ريحة حريق.
الحاجة راوية تجمد وجهها، ثم خرجت بسرعة نحو مدخل الوادي. لحقت بها عينا النمر الأسود قبل جسده، وكأنه فهم الخطر قبل الجميع.
من فوق الأشجار البعيدة، كان لون السماء يتغير.
لم يكن الفجر.
كان نارًا.
قالت راوية بصوت مخنوق:
— كمال بدأ.
رامي شعر أن قلبه انقبض.
— هيحرق الغابة كلها علشان يق*تلنا؟
التفتت إليه بعينين حادتين:
— مش علشان يق*تلك بس… علشان يمسح الدليل. الصيادين، الطرق السرية، العرين، وآسر.
النمر الأسود وقف على صخرة عالية، عيناه الصفراوان معلقتان بالدخان. لم يهرب. لم يرتجف. كان واقفًا كملك يرى مملكته تُحرق أمامه.
رامي اقترب منه وقال بصوت مكسور:
— مش هسيبك المرة دي.
لأول مرة، شعر أن الجملة لم تكن وعدًا لآسر فقط… بل لطفل مات داخله منذ عشرين سنة.
الحاجة راوية قالت بسرعة:
— قدامنا طريق واحد. النفق القديم تحت الشلال. هيوصلنا للناحية الشرقية من المحمية، بس لازم نتحرك قبل ما النار تقفل الوادي.
رامي أمسك الملف الأسود تحت قميصه الممزق، ثم قال:
— والدليل؟
— معاك نسخة. ومعايا نسخة تانية مخبياها بره الغابة.
نظر إليها بدهشة.
ابتسمت بحزن:
— أنا عشت عمري مستنية اليوم ده. مش هكون غبية وأحط الحقيقة كلها في كوخ خشب.
تحركوا بسرعة.
كان صوت النار يقترب مثل وحش جائع. الطيور تهرب من الأشجار في أسراب مذعورة، والقرود تصرخ فوق الأغصان، والغزلان تركض في الظلام بلا اتجاه.
لكن آسر لم يكن يهرب وحده.
كان يتوقف كل عدة خطوات، يشم الهواء، ثم يغير الطريق. مرة دفع رامي بجسده بعيدًا عن حفرة عميقة، ومرة وقف أمام راوية حتى تمر أفعى ضخمة بين الصخور.
كان يحميهما.
رامي كان يراه، وكل لحظة تزيد الوجع في صدره.
هذا ليس وحشًا.
هذا أخوه.
أخوه الذي تعلم الحنان من الغابة بعدما خانه البشر.
عندما وصلوا إلى الشلال، كان الدخان قد صار خانقًا. راوية انحنت خلف الصخور، ودفعت حجرًا كبيرًا بيدين مرتجفتين. ظهر خلفه ممر ضيق أسود.
— ادخلوا.
رامي نظر إلى النمر.
— هيعرف يدخل؟
قالت راوية:
— آسر يعرف طرق الغابة أكتر مني ومنك.
النمر انحنى بصعوبة، ودخل أولًا. كان الممر ضيقًا، لكن جسده تحرك داخله بخبرة غريبة. دخل رامي بعده، ثم راوية.
خلفهم بدأت النار تبتلع أطراف الوادي.
داخل النفق، كان الظلام كاملًا. فقط صوت الماء يتساقط من الصخور، وأنفاسهم المتقطعة. رامي كان يمشي واضعًا يده على الجدار حتى لا يسقط، بينما يسمع خطوات آسر أمامه.
بعد دقائق طويلة، سمعوا صوتًا آخر.
ليس ماء.
أصوات رجال.
تجمدت راوية.
— سبقونا للناحية التانية.
رامي همس:
— كام واحد؟
النمر أطلق زمجرة منخفضة.
راوية قالت:
— كتير.
اقتربوا من نهاية النفق بحذر. كان هناك ضوء خافت في الخارج، وأصوات محركات سيارات. رامي زحف حتى رأى المشهد.
عشر سيارات دفع رباعي تقف قرب الطريق الترابي. رجال مسلحون ينتشرون حولها. وفي المنتصف، يقف سامح، ذراعه مربوط بقطعة قماش، ووجهه مليء بالخدوش.
كان يتحدث في اللاسلكي:
— النار انتشرت. لو خرجوا من النفق هنمسكهم. ولو رجعوا، هيموتوا جوه.
رامي قبض على يده بقوة.
راوية همست:
— لازم نطلع من غير ما يشوفونا.
لكن آسر كان ينظر إلى شيء آخر.
على الجانب الآخر، داخل قفص حديدي فوق سيارة، كان هناك شبل صغير يرتجف.
نمر صغير.
أسود مثل الليل.
عينا آسر تغيرتا فورًا.
قالت راوية بفزع:
— لا يا آسر… لا.
لكن النمر لم يسمع.
أو لم يرد أن يسمع.
خرج من النفق كالسهم.
صرخ أحد الرجال:
— النمر!
بدأ الرصاص.
رامي اندفع خلفه رغم صراخ راوية. لم يفكر. لم يعد يستطيع الوقوف متفرجًا كما فعل وهو طفل.
النمر الأسود قفز فوق أول رجل وأسقطه أرضًا، ثم دار حول السيارة التي تحمل القفص. الرصاص يطارد جسده، لكنه يتحرك بسرعة لا تُصدق.
رامي اختبأ خلف صخرة، ثم التقط بندقية وقعت من أحد الرجال. لم يكن يحب الس*لاح، لكنه هذه المرة لم يتردد. صوب نحو إطارات السيارات وأطلق النار.
انفجر أول إطار.
ثم الثاني.
ارتبك الرجال.
صرخ سامح:
— اقت*لوه! اق*تلوا الحيوان!
خرج رامي من خلف الصخرة وصرخ:
— اللي هيضرب رصاصة تانية هيتحاسب قدام البلد كلها!
التفت سامح إليه مذهولًا.
— إنت لسه فاكر إن في بلد هتسمعك؟ كمال بيه ماسك كل حاجة.
رفع رامي الملف الأسود بيده.
— مش كل حاجة.
للحظة قصيرة، رأى الخوف في عيني سامح.
ثم رفع سامح سل*احه نحوه.
قبل أن يطلق، قفز آسر من جانب السيارة وصدمه بقوة. سقط الس*لاح من يده، وسقط سامح على الأرض يصرخ.
لكن النمر لم يقت*له.
كان هدفه القفص.
مزق القفل بأسنانه ومخالبه حتى انفتح الباب، وخرج الشبل الصغير مرتجفًا. اقترب من آسر، فخفض آسر رأسه ولمسه برفق.
رامي وقف مصدومًا.
قالت راوية وهي تلحق بهما:
— ده ابنه.
الكلمة ضربت رامي في صدره.
ابنه.
آسر لم يكن فقط أخًا ضائعًا.
كان أبًا أيضًا.
في تلك اللحظة، سقطت قنبلة دخان بين الصخور. لم تكن نارًا طبيعية فقط؛ كانوا يطاردونهم كحيوانات.
راوية صرخت:
— لازم نمشي حالًا!
لكن الطريق امتلأ بالرجال.
رامي نظر حوله. النار خلفهم، المسلحون أمامهم، وآسر مصاب، والشبل الصغير لا يستطيع الركض طويلًا.
فجأة سمع صوت مروحيات.
رفع رأسه.
أضواء قوية شقت السماء.
ظن للحظة أنها تابعة لكمال، لكن صوتًا عبر مكبر خارجي دوى فوق المحمية:
— هنا قوات حماية البيئة والشرطة الجوية. ألقوا أسلحتكم فورًا.
تجمد الجميع.
راوية ابتسمت وسط الدخان.
— النسخة التانية وصلت.
رامي التفت إليها.
— لمين؟
قالت وهي تلهث:
— لابنتك.
اتسعت عيناه.
— ليان؟
قبل أن يفهم، رأى سيارة سوداء تتوقف بعيدًا عند الطريق الرئيسي. خرجت منها فتاة في السادسة عشرة، ترتدي جاكيت أبيض فوق ملابس المدرسة، وشعرها مربوط بسرعة، ووجهها ممتلئ بالرعب والعناد.
ليان.
كانت تمسك هاتفًا بيد، وفي اليد الأخرى ورقة.
صرخت من بعيد:
— بابا!
رامي شعر أن روحه عادت إلى جسده.
ركض نحوها، لكنها اندفعت إليه قبله. احتضنته بقوة وهي تبكي.
— كنت حاسة إن في حاجة غلط. عمو كمال قال إنك مسافر فجأة، بس موبايلك كان مقفول، والحاجة راوية بعتتلي فيديوهات وملفات… أنا بلغت الشرطة والصحافة.
رامي أمسك وجهها بين يديه.
— إنتِ أنقذتينا.
لكن اللحظة لم تكتمل.
من بين الأشجار، خرج كمال السيوفي بنفسه.
كان يرتدي معطفًا داكنًا، ووجهه هادئ بشكل مخيف. خلفه رجلان مسلحان، وأحدهما يمسك بندقية موجهة ناحية آسر.
قال كمال بصوت بارد:
— مشهد عائلي مؤثر فعلًا.
رامي استدار ببطء.
كل الغضب الذي حمله طوال الليل تجمع في عينيه.
— انتهت يا كمال.
ابتسم كمال.
— انتهت؟ أنت فاكر كام ملف وصور قديمة هيوقعوني؟ أنا صنعت اسم السيوفي وأنت كنت طفلًا مدللًا ورث كل شيء.
صرخ رامي:
— أنت قت*لت أخويا!
نظر كمال إلى النمر الأسود بازدراء.
— أخوك؟ ده حيوان.
في تلك اللحظة، زمجر آسر.
الشبل اختبأ خلفه.
كمال أكمل بقسوة:
— آسر مات من عشرين سنة. واللي قدامك دليل فضيحة. تخيل الصحف وهي تكتب إن عائلة السيوفي خبأت ابنها وسط الحيوانات. هتدمر الشركة. هتدمر اسمك. هتدمر بنتك.
رامي تقدم خطوة.
— الاسم اللي يتبني على دم طفل وغابة محروقة يستاهل يتحرق.
تغير وجه كمال.
— غبي مثل أبيك.
تجمد رامي.
— أبي؟
ضحك كمال ضحكة منخفضة.
— نعم. أبوك مات لأنه عرف. كان ناوي يسلم الأدلة. حادث العربية لم يكن حادثًا يا رامي.
شعرت ليان بالرعب، ووضعت يدها على فمها.
رامي لم يتحرك.
كأن جسده تحول إلى حجر.
أبوه أيضًا.
كل الموت في عائلته لم يكن قدرًا.
كان كمال.
قال رامي بصوت مبحوح:
— أنت إيه؟
رد كمال ببرود:
— رجل فعل ما يلزم ليحافظ على الإمبراطورية.
رفع يده فجأة.
الرجل المسلح صوب نحو الشبل.
— لا! صرخ رامي.
لكن آسر سبق الجميع.
اندفع أمام صغيره.
انطلقت الرصاصة.
وسقط النمر الأسود.
توقفت الغابة كلها.
رامي صرخ صرخة لم يعرف أنها يمكن أن تخرج من إنسان.
— آسر!
ركض نحوه، غير مهتم بالرصاص ولا الرجال ولا كمال. سقط على ركبتيه بجانب النمر. الدم كان يخرج من كتفه وصدره، وأنفاسه ثقيلة.
الشبل كان يصرخ بصوت صغير مفجوع، يدور حول أبيه.
رامي وضع يده على رأس آسر.
— لا… لا تسيبني تاني… أرجوك.
آسر فتح عينيه بصعوبة.
نظر إلى رامي.
ثم إلى ليان.
ثم إلى صغيره.
كأنه يوصيه بهم جميعًا.
في تلك اللحظة هجمت قوات الشرطة. انقضوا على رجال كمال، وسقط الس*لاح من يد الحارس. حاول كمال الهرب نحو سيارته، لكن ليان، بكل غضبها الصغير، وقفت أمامه وصرخت:
— أنت مش هتهرب!
دفعها كمال بقسوة فسقطت على الأرض.
وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد.
آسر، رغم إصابته، نهض.
نهض ببطء، والدم يسيل من جسده، وعيناه مثبتتان على كمال.
تراجع كمال لأول مرة في حياته بخوف حقيقي.
— ابعدوا الحيوان ده عني!
لكن الحيوان لم يكن حيوانًا فقط.
كان ذاكرة طفل خُدع.
وأخًا ضاع.
وابنًا لم يدفن أباه.
وأبًا رأى صغيره يُهدد.
اقترب آسر خطوة.
ثم أخرى.
كمال تعثر وسقط على الأرض.
صرخ:
— رامي! خليه يبعد! أنا عمك!
رامي وقف، ووجهه مبلل بالدموع.
— عمي مات يوم ما قت*ل أخويا.
لكن رامي لم يترك آسر يق*تله.
اقترب، ووضع يده المرتجفة على كتف النمر.
— لا يا آسر… مش بإيدك. خليه يعيش ويشوف كل الناس تعرف حقيقته.
آسر ظل يزمجر للحظة… ثم تراجع.
وهذه كانت أقسى عقوبة لكمال.
أن يرى الوحش أكثر رحمة منه.
وضعت الشرطة القيود في يدي كمال السيوفي أمام الكاميرات التي وصلت مع الصحفيين. كان وجهه شاحبًا، عينيه زائغتين، وكل جبروته ينهار تحت فلاشات التصوير.
أما رامي، فلم يهتم.
كان راكعًا بجانب آسر، يمسك رأسه كأنه يمسك طفولته كلها.
راوية فحصت الجرح بسرعة.
— الرصاصة عميقة… لكنه لسه حي. لازم ننقله فورًا.
رامي صرخ في رجال الإنقاذ:
— هاتوا نقالة! بسرعة!
أحد الضباط تردد:
— يا فندم ده نمر…
نظر إليه رامي بعينين مشتعلتين.
— ده أخويا.
لم يجرؤ أحد على الرد.
مع شروق الشمس، كانت النار قد بدأت تنحسر بعد تدخل الطائرات. الغابة كانت مجروحة، سوداء في أطرافها، لكنها لم تمت.
كما أن آسر لم يمت.
نقلوه إلى مركز علاج الحيوانات البرية داخل المحمية. وقف رامي خلف الزجاج ساعات طويلة، وليان بجانبه، وراوية في الداخل تحاول إنقاذه مع الأطباء.
الشبل الصغير رفض الابتعاد عن الباب.
جلس هناك، يئن بصوت خافت.
رامي جلس على الأرض قربه، ومد يده ببطء. الشبل شم أصابعه، ثم اقترب ووضع رأسه على ركبته.
بكى رامي بصمت.
قالت ليان وهي تمسح دموعها:
— بابا… هو فعلًا عمو آسر؟
نظر رامي إلى الزجاج، حيث يرقد النمر الأسود تحت التخدير.
— هو اللي تبقى منه… وهو أكتر إنسان فينا.
بعد ساعات خرجت راوية.
وجهها مرهق، لكن عينيها تحملان أملًا.
— عدى الخطر الأول. بس محتاج وقت.
رامي أغلق عينيه وشكر الله بصوت لا يسمعه أحد.
لكن راوية لم تبتسم طويلًا.
— المعركة ما خلصتش يا رامي. كمال وقع، لكن الشبكة أكبر منه. فيه أسماء في الملف لناس في الحكومة، رجال أعمال، ضباط فاسدين، وتجار دوليين. لما يعرفوا إن آسر حي والدليل خرج… هييجوا.
رامي نظر إلى ابنته، ثم إلى الشبل، ثم إلى أخيه خلف الزجاج.
في الماضي، كان يهرب من الألم بالعمل والمال والصفقات.
أما الآن، فلم يعد يستطيع الهروب.
قال بهدوء:
— خليهم ييجوا.
ثم وقف أمام نافذة المركز، والشمس تشرق فوق الغابة المحترقة.
كانت الأشجار سوداء، والدخان لا يزال يصعد من الأرض، لكن وسط الرماد كانت هناك حياة تتحرك.
غزالة صغيرة خرجت من بين الأشجار.
طائر عاد إلى غصن محترق.
والشبل الصغير رفع رأسه نحو الضوء.
رامي لمس الزجاج بيده.
خلفه، فتح آسر عينيه ببطء.
العينان الصفراوان نظرتا إليه.
لم يكن هناك زئير.
ولا خوف.
فقط وعد صامت.
الغابة لم تنتهِ.
والحكاية الحقيقية… بدأت الآن.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!