فتحت الورق وإيدي بتقدم وتأخر، عيني جت على الأختام الرسمية وبدأت أقرأ السطور المكتوبة بذهول. الورق مكنش قضية ولا إنذار، ده كان إقرار رسمي وموثق في الشهر العقاري، ومعه تنازل عام.
كريم كاتب تنازل كامل عن الشقة بكل اللي فيها باسمي أنا، ومش بس كده، ده كمان كاتب إقرار قانوني وموثق بيشهد فيه على أمه بالواقعة اللي حصلت، وبيقّر إنها دخلت الشقة دون علمنا وحطت الذهب والفلوس بنية التبلي وتشويه السمعة، وإن كل ادعاءاتها السابقة ضد طليقته “ندى” كانت كذب وافتراء!
المحامي بصلي وقال بدهشة: “جوزك جه مكتبنا الصبح مع محاميه، وكان منهار تماماً.. ساب الورق ده وقال إنه مش عايز يخسرك، وإنه عمل كدة عشان يثبتلك إنه اشترى رضاكِ وباع الكل، والورق ده في إيدك دلوقتي تقدري تسجني بيه أمه بتهمة البلاغ الكاذب وتشويه السمعة، أو تطلبي الطلاق للضرر وتاخدي الشقة وتطرديها منها.” أمي أخدت الورق من إيدي وبقيت تقرأ وهي مش مصدقة: “يا سبحان الله! يمهل ولا يهمل.. ده كتب شهادة وفاته بإيده مع أمه عشان يرجعلك يا سارة!”
فضلت واقفة مكاني، مشاعر متلخبطة بتهزني.. هل كريم عمل كدة فعلاً عشان فاق وعرف إنه كان مغيب؟ ولا دي لِعبة جديدة ومحاولة بائسة عشان يرجعني تحت طوعه وبعدها يقطع الورق ده أو ينتقم؟ الدموع لمعت في عيني لما افتكرت منظر حماتي وهي بتطردني، وافتكرت كلامها المسموم.
دخلت أوضتي وقعدت على السرير، مسكت الموبايل ولقيت رسالة من كريم مكتوب فيها:
“سارة.. أنا عارف إن الموت أهون عليكي من إنك تسامحيني، بس أنا غسلت عاري بـإيدي.. التنازل والإقرار معاكي، اعملي فيا وفي أمي اللي إنتي عايزاه، بس افتكري إني حاربت الدنيا كلها النهاردة عشان أصلح غلطتي.. أنا مستنيكي في الكافيه اللي كنا بنقعد فيه زمان، ومش همشي إلا لما تيجي وتسمعيني لآخر مرة.”
بصيت للرسالة ولقيت نفسي قدام خيارين أصعب من بعض: هل أروح وأواجهه بالورق ده وأسمع آخره إيه؟ ولا أستخدم الورق ده في المحاكم وأخلّص حقي وحق ندى من حماتي ومنه وأقفل الصفحة دي للأبد؟
حسمت أمري، لبست هدومي وأخدت الورق في شنطتي، ونزلت من غير ما أقول لأمي التفاصيل عشان متقلقش. وصلت الكافيه، ولمحت كريم قاعد في ركن بعيد.. كان باين عليه التعب، دقنه طويلة، وعينه حمرة ومنتفخة من قلة النوم.. أول ما شافني داخلة، قام وقف ولهفته كانت واضحة.
قعدت قدامه ببرود تام وحطيت الشنطة على التربيزة، وقولتله بنبرة جافة: “أنا جيت عشان الورق ده.. إيه المقابل يا كريم؟” كريم دموعه نزلت وقال بصوت مخنوق: “المقابل إني أعيش مرتاح يا سارة.. أنا من يوم ما مشيتي والبيت بقى جحيم، أمي مكنتش مصدقة إني واجهتها بشهادة الشغالة وندى، ولما عرفت إني هكتبلك الشقة وهشهد عليها، دعت عليا وطردتني من بيتها.. أنا خسرت أمي، وخسرت بيتي، ومش باقيلي غيرك.. أنا مش عايز المقابل غير إنك تديني فرصة ثانية، نعيش في مكان بعيد عنها، شقتنا اهي بقت باسمك، وأنا مستعد لأي شرط تطلبيه.”
بصيت في عينه وقولتله: “والكسر-ة اللي كسر-توهالي؟ والط-عن في شرفي قدام أمي؟ والسيناريو اللي عملتوه مع ندى قبل كدة؟ تفتكر دي حاجات بتموت بكلمتين أو بشقة؟”
كريم مسك إيدي برجفة وقال: “عارف إني غلطت، وإني كنت عميان.. بس أنا فوقت، والله العظيم فوقت وعرفت قيمتك وقيمة نظافتك.. ارجعيلي يا سارة ونبدأ من جديد.” سحبت إيدي منه بهدوء، وقومت وقفت وأنا باصة له بنظرة قوية، وقولتله الكلمة اللي كانت بتدور في عقلي طول الطريق: “أنا هفكر يا كريم.. بس رجوعي ليه ثمن، والثمن ده مش الشقة.. الثمن ده إنت لسه مدفعتوش.” سيبته واقف مكانه مش فاهم، وخرجت من الكافيه وأنا حاسة بالدوار.. ركبت تاكسي وقررت أروح لمكان مكنتش أتخيل إني أروحه تاني.. روحت على عمارة حماتي!
طلعت السلم، ووقفت قدام باب الشقة.. الشقة اللي شهدت على كسرتي من أسبوع. حطيت إيدي على الجرس ورنيت بقوة.
ثواني والباب اتفتح.. وظهرت حماتي، بس مكنتش فوزية هانم القوية المستبدة، كانت باينة مكسورة، وشها دبلان، وأول ما شافتني عينيها طلعت شرار وقالت بصوت متحشرج: “إنتي؟! جاية ليه تاني؟ مش كفاية خربتي بيني وبين ابني وخليتيه يرمي أمه ويبيع شقته؟!”
دخلت الشقة من غير ما تستأذن، ووقفت في الصالة بكل ثقة وقولتلها بصوت حاد:
“أنا مجيتش عشان أخرب.. أنا جاية أوريكي أخرة عمايلك وظلمك.”
طلعت الإقرار والتنازل من الشنطة ورفعتهم في وشها وقولت: “ابنك مضى على سجنك يا فوزية هانم.. الإقرار ده فيه اعترافه بكل اللي عملتيه معايا ومع ندى، والشقة دي بقت بتاعتي قانوناً.. يعني بكلمة مني هرمي حاجتك في الشارع وأسحبك على القسم.”
حماتي اتبهتت، ورجعت خطوة لورا وهي بتبص للورق برعب حقيقي، وشفايفها بدأت تترعش..
لكن في اللحظة دي، وقبل ما تنطق بكلمة.. سمعنا صوت حركة غريبة جاية من المطبخ، وصوت كركبة قوية، وبعدها صوت صرخة مكتومة! لفيت راسي بسرعة وبصيت لحماتي اللي ملامحها اتحولت من الرعب للذهول التام.. ومشينا إحنا الاتنين بخطوات بطيئة ناحية المطبخ عشان نشوف مين اللي جوة.. ولما فتحنا الباب، الصدمة شلت حركتنا إحنا الاتنين..
لما فتحنا الباب، الصدمة شلت حركتنا إحنا الاتنين.. كانت واقفة في نص المطبخ الشغالة “أم أحمد”، الست اللي كانت شغالة عند ندى زمان، واليومين دول بتيجي لحماتي. كانت ماسكة في إيدها كيس أسود كبير، وموطية على الأرض بتلم فيه علب تانية وشناير ذهب! أول ما شافتنا، الكيس وقع من إيدها، والذهب اتبعثر على أرضية المطبخ وصوته رن في ودانا زي الفضيحة. حماتي برقت عينيها وصوتها طلع مخنوق ومصعوق: “أم أحمد؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟ والذهب ده بتاع مين؟!”
أم أحمد لفت وشها وبقت تبص حواليها برعب، ورجلها مكنتش شايلاها، نزلت على ركبها وبدأت تعيط وتصرخ: “سامحيني يا فوزية هانم.. الحوجة هي اللي عملت فيا كده! والله العظيم أنا ما كنت ناوية أسرق حاجة لولا إني شوفتك وإنتي بتطلعي علبة الذهب القديمة من قاع الدولاب عشان تحطيها للعروسة الجديدة!”
التفت لحماتي اللي كانت واقفة زي التماثيل، الست الشغالة كملت وهي بتبكي بنحيب: “أنا لما شوفت الذهب ده، وشوفت إزاي الست فوزية بتكرر نفس اللعبة اللي عملتها مع الست ندى، طمعت.. قولت الست فوزية عندها ذهب كتير شايلاه من ورا ابنها، وروحت لندى حكيت لها على مكان العلبة عشان تيجي وتعمل الفضيحة، وكنت عارفة إن البيت هيتقلب وكله هيتشغل بالخناق والمحاكم، وقولت أستغل الفرصة وأدخل أسرق باقي الذهب اللي فوزية هانم مخبياه في المطبخ من سنين ومحدش يعرف عنه حاجة!”
وقفت مذهولة وأنا بتبادل النظرات بين الشغالة وبين حماتي.. اللعبة طلعت أكبر وأوسخ مما كنت أتخيل! الشغالة استغلت مرض حماتي بالسيطرة والشر، وساعدت ندى عشان تنتقم، وفي نفس الوقت كانت بتسرق حماتي لحسابها!
حماتي بدأت تنفث زي التعبان، وبصت للشغالة وصرخت: “يا حرامية! يا خاينة العيش والملح! بقى أنا تشوهي سمعتي وتتفقِ مع ندى عليا عشان تسرقيني؟!”
وجريت عليها وبقت تضربها بنهج وعصبية، وأم أحمد بتصوت وتستغيث بيا: “الحقيني يا ست سارة.. أنا حَميتك منها امبارح وخليت ندى تيجي تلحقك! لولا كلامي لندى كان زمانك متهمة بالسرقة دلوقتي!”
وقفت في النص وفصلت بينهم بكل قوة، وبصيت لحماتي ولقيت الضحكة طلعت مني غصب عني.. ضحكة سخرية على القذارة اللي أنا وسطها. قولت لحماتي بصوت عالي: “سبحان الله يا فوزية هانم! انقلب السحر على الساحر.. من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وإنتي وقعتي في شر أعمالك، والست اللي استأمنتيها على بيتك وأسرارك وجبتيها تشهد عليا، هي أول واحدة سرقتك وكسرت ضهرك قدام ابنك!”
حماتي قعدت على أرض المطبخ وسط الذهب المبعثر، وبقت تبكي بحرقة حقيقية لأول مرة.. مش تمثيل زي كل مرة. خسرت ابنها، وخسرت شقتها، وحتى الشغالة اللي كانت ذراعها اليمين طلعت بتسرقها وتبيعها لضرتي القديمة.
طلعت تليفوني من الشنطة واتصلت بكريم.. رد عليا في ثواني وصوته كله لهفة: “سارة! فكرتي؟ أنتي فين؟”
قولتله ببرود وثبات: “تعال على شقة أمك حالا يا كريم.. تعال شوف الستات اللي إنت عايش وسطهم، وشوف أصل الحكاية اللي دمرت بيتك الأولاني وبيتك الثاني.” قفل السخت وجاء في أقل من ربع ساعة.. دخل الشقة وهو بيجري، وأول ما دخل المطبخ وشاف المنظر: أمه قاعدة على الأرض بتعيط، وأم أحمد الشغالة منهارة والذهب مالي الأرض، والإقرار في إيدي.. وقف مكانه مش فاهم حاجة.
قربت منه وحطيت في إيده الإقرار والتنازل، وقولتله بمنتهى القوة: “أمك طلعت ظالمة ومؤذية.. بس الشغالة اللي كشفتها، طلعت حرامية وبتسرقها وخططت لكل ده بالاتفاق مع ندى عشان تخلي الساحة تفضى لها وتسرق باقي الذهب المخبي هنا.. يعني بيتك كان مبني على كذب، وتهد بكذب ألعن منه.”
كريم بص لأمه وبص للشغالة، وبدأ يصرخ بهستيريا ويزق في العفش، وبقى يمسك راسه ومش مصدق إنه كان لعبة في إيد الكل.. إيد أمه، وإيد طليقته، وإيد الشغالة!
حماتي رفعت رأسها وبصت لكريم وقالتله بنبرة ذل: “سامحني يا كريم.. أنا عملت كل ده عشان بحبك ومش عايزاك تبعد عني.. بس الشغالة دي دمرتنا كلنا.”
أنا أخدت شنطتي ووقفت عند باب المطبخ، بصيت لكريم وقولتله: “أنا قولتلك في الكافيه إن رجوعي ليه ثمن وإنت لسه مدفعتوش.. والثمن هو إنك تختار بيني وبين المستنقع ده كله.. أنا هاخد الشقة بالتنازل اللي إنت مضيته، بس مش هعيش فيها، أنا هبيعها وهشتري مكان جديد ميعرفوش فيه اسمك ولا اسم أمك.. لو عايزني فعلا، هتطلقني دلوقتي حالا طلاق رجعي، وتبدأ تدور عليا من جديد كأنك غريب بيتعرف عليا لأول مرة، بعيد عن قرف عيلتك.. يا إما تقعد هنا وسط الذهب والسرقة والفضايح وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها سارة.”
كريم بصلي وعينه مليانة دموع وخوف، وبص لأمه اللي بتبص له برجا.. الكل كان مستني كلمته، والخطوة الجاية هي اللي هتحدد مين اللي هيعيش ومين اللي هيموت في الجحيم ده.
كريم قدم خطوة ناحيتي، وفتح بوقه عشان يتكلم.. وفي نفس اللحظة، أم أحمد الشغالة قامت فجأة من على الأرض وجريت ناحية باب الشقة وهي ماسكة حاجة في جيبها وبتصرخ: “لو حد قربلي هفضحكم كلكم في المنطقة!” وفجأة.. سمعنا صوت خبط عنيف برة على باب الشقة، وصوت راجل بيزعق وبيقول: “افتحي يا فوزية! البوليس واقف تحت!”
لفينا كلنا برعب وبصينا للباب.. مين اللي جاب البوليس؟ ونظرات كريم اتحولت لذهول كامل وهو بيبص لشاشة موبايله اللي نورت برقم.. ندى!

