أنا متجوزة بقالي شهر واحد بس، ولسه ريحة الفرح في البيت، ولسه كل حاجة بيني وبين جوزي جديدة ومليانة كلام حلو وضحك. تاني يوم العيد، أنا وجوزي روحنا نزور أهلي. أول ما دخلنا البيت، ماما ح.ضنتني كأنها مشافتنيش من سنين، وبابا فضل يبصلي ويضحك ويقول: العروسة نورت بيتها. قعدنا كلنا في الصالة، بنتكلم ونضحك، وإخواتي بيهزروا مع جوزي، وهو كان مبسوط جدًا ومتفاعل معاهم. لكن من جوايا كان في حاجة تانية… أنا من قبلها بيومين كنت باعتة لبابا رسالة وقولتله:
نفسي أبات عندكم يومين… وحشتوني أوي. وبابا وعدني إنه هيحاول يقنع جوزي. بعد حوالي ساعتين، جوزي بص في الساعة وقال: يلا يا حبيبتي، نمشي عشان عندي سفر بدري الصبح. لسه مكملش كلامه، لقيت بابا بيقول بسرعة: سيبها تقعد يومين عندنا وسافر أنت، ولما ترجع ابقى خدها. ابتسم جوزي وقال بهدوء: لا يا عمي، عادي تيجي معايا ونبقى نزوركم تاني. لكن بابا كرر كلامه: ما هي نفسها تقعد يومين. ساعتها حسيت إن الموقف بدأ يبقى محرج.
جوزي ضحك وقال: خلاص يا عمي، مرة تانية إن شاء الله. لكن بابا المرة دي اتغير صوته. لا… هي هتفضل هنا. سكت المكان كله. حتى إخواتي بطلوا كلام. وجوزي رفع عينه وبص لبابا. معلش يا عمي، دي مراتي ولازم ترجع معايا. بابا رد بعصبية: وهي بنتي قبل ما تكون مراتك. الهواء نفسه وقف في الأوضة. أنا عمري ما شفت بابا بيتكلم بالطريقة دي مع حد. وجوزي كان واضح إنه بيحاول يمسك أعصابه. قال: وأنا مقدر ده جدًا… لكن أنا بطلبها بالذوق.
بابا ض.رب بإيده على الترابيزة. وأنا بقولك هتبات هنا. ساعتها جوزي بصلي. نظرة عمري ما هنساها. وقال بهدوء غريب: إنتِ عايزة إيه؟ كل العيون اتوجهت عليا. ماما… بابا… إخواتي… وجوزي. كنت حاسة إني واقفة في نص طريقين. طريق أهلي اللي اتربيت وسطهم. وطريق بيتي الجديد اللي لسه ببدأ فيه حياتي. لكن التوتر شل لساني. مقدرتش أتكلم. مقدرتش أقول أي حاجة. وفضلت قاعدة مكاني. وجوزي فهم. فهم من سكوتي. فهم من إني حتى مقومتش أجيب شنطتي.
فهم من كل حاجة. وقف بهدوء. لبس جاكيته. وقال: تمام. وبدون ما يبص لحد، خرج من البيت. الباب اتقفل وراه. والصمت ملأ المكان. ماما أول واحدة اتكلمت: يا ساتر يا رب. أما بابا فقال بثقة: ولا يهمك… يومين وهيعدوا. لكن قلبي كان بيقولي إن الموضوع أكبر من كده بكتير. بعد نص ساعة تقريبًا، الموبايل رن. كانت رسالة من جوزي. فتحتها وقلبي بيدق بسرعة. “قدامك ساعتين وتكوني في البيت… لو ما رجعتيش، يبقى ما ترجعيش تاني.”
اتجمدت مكاني. #الكاتب_رومانى_مكرم إيدي بدأت ترتعش. وماما أول ما شافت وشي قالت: مالك؟ ناولتها الموبايل. قريت الرسالة. وشها شحب. أما بابا، فخد الموبايل وقراها أكتر من مرة. وبعدين قال بغضب:و صوت بابا وهو بيزعق كان بيرن في وداني، شال الموبايل ورماه على الكنبة وهو بيقول بعصبية: * “بيقولك متدرجعيش؟ هو فاكر نفسه مين؟! دا لسه مكملش شهر في بيتنا! بنتي مش هتمشي بالتهديد!” ماما حطت إيدها على صدرها وقعدت تعيط وتهدي في بابا: * “يا حاج استهدى بالله، البنت لسه عروسة جديدة، والبيوت مابتتخربش من أول قفشة كده، سيبها تروح لبيتها وجوزها.”
أنا كنت قاعدة على الكرسي وجسمي كله بيرتعش، باصة للساعة اللي في الصالة، العقارب كانت بتتحرك بسرعة مرعبة، كأنها بتسرق عمري… فاضل ساعة ونص… فاضل ساعة… والوقت بيجري والمسافة بين بيت أهلي وبيتي مش قريبة. قمت وقفت وأنا ببكي وقولت بصوت مرعوب: * “بابا.. أنا لازم أمشي، هو مش بيهزر، أنا عرفت نبرة صوته ونظرته قبل ما يمشي، لو الساعتين خلصوا، حياتي هتنتهي قبل ما تبدأ.” بابا وقف قدامي وبصلي بحدة: * “لو خطيتي برة البيت ده النهاردة، يبقى مالكيش أب يا (…)! هو بيلوي دراعنا؟ عايز يكسر كلمتي في أول مواجهة؟ اقعدي مكانك!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “مالكيش أب”.. الكلمة شلت حركتي تمامًا، مابقتش عارفة أرضي مين ولا أروح فين؟ جوزي اللي بايع البيعة لو مجيتش، ولا أبويا اللي حط كرامته في كفة وقعدتي في كفة؟ دخلت أوضتي القديمة وقعدت على السرير، دموعي مابتوقفش، مسكت الموبايل، وكتبت لجوزي رسالة: “أرجوك اهدى، بابا حلف عليا ومينفعش أكسر كلامه في أول شهر جواز، بكره الصبح هجيلك.” استنيت الدقائق تمر، مفيش رد… الرسالة قرأها، وعمل “سين”، لكن مردش بكلمة واحدة.
الساعتين خلصوا… الساعة بقت تمنية بالليل، وجوزي مابعتش أي حاجة تانية. البيت عندي في بيت أهلي بقى كأنه مأتم، الصمت كان غريب ومخيف، إخواتي دخلوا أوضهم ومحدش فيهم قادر يتكلم، وبابا قعد في الصالة يشرب شاي وسرحان، وماما رايحة جاية تدعي وتستغفر. عدت الليلة دي كأنها سنة، منمتش فيها دقيقة واحدة، كنت حاسة إن ريحة الفرح اللي كانت في شقتي بتتبخر، وإن الحلم الجميل بيتحول لكابوس.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة، قمت لبست هدومي بسرعة من غير ما أقول لحد، نزلت في الصمت من غير ما بابا يحس، وأول ما بقيت في الشارع ركبت تاكسي وطول الطريق كنت بدعي ربنا إن الباب يفتح، وإن الموضوع يكون مجرد قرصة ودن. وصلت قدام باب شقتي… إيدي كانت بترتعش وأنا بطلع المفتاح… حطيته في الكالون، ولفيته… الباب فتح. دخلت الشقة، الصمت كان رهيب، الشقة كانت مترتبة زي ما سيبناها، لكن مفيش فيها أي حس، نديت بصوت واطي ومبحوح:
* “حبيبي.. أنت هنا؟” محدش رد.. دخلت أوضة النوم، ملقتوش، لكن لقيت حاجة تانية على السرير… لقيت مفاتيح الشقة التانية، وورقة مكتوبة بخطه: “أنا سافرت شغلي.. والشنطة اللي في الصالة دي حاجتك اللي جبتيها معاكي من بيت أهلك.. خديها وارجعي مكان ما اختارتي تقعدي، كلامي مابينزلش الأرض، والست اللي متقدرش تحترم غياب جوزي وسفره متلزمنيش.” وقعت على الأرض وأنا بصرخ، وبصيت لشنطة هدومي اللي كانت محطوطة جمب الباب… وفي اللحظة دي، تليفوني رن، وكان المتصل… بابا.
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، وصوت بابا كان طالع من السماعة حاد ومليان قلق يحاول يداريه في شكل عصبية: * “إنتِ فين يا بنتي؟ قمت ملقتكيش في أوضتك.. رحتيلو؟” مبقتش قادرة أنطق، دموعي كانت بتنزل على الشاشة وتطفي نورها، بلعت ريقي بالعافية وقولت بصوت مخنوق: * “أنا في الشقة يا بابا.. سافر وسابلي ورقة.. بيقولي خدي حاجتك وارجعي مطرح ما اختارتي.” سمعت صوت بابا وهو بيجز على سنانه، ونبرة صوته اتغيرت تمامًا:
* “سافر وساب الشقة؟ ولملك حاجتك؟ كمان بيمشي كلامه عليا وعليكي؟ اقفلي الشقة دي يا (…) وحالاً تيجيلي، والشنطة دي متلمسيهاش، سيباها مكانها واخرجي بكرامتك، دا باين عليه مبيت النية من الأول.” قفلت مع بابا وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، بصيت للورقة اللي في إيدي.. “الست اللي متقدرش تحترم غياب جوزي وسفره متلزمنيش”.. الكلمة كانت بتدبحني، أنا مكنش قصدي ومكنتش عايزة كده، أنا بس اتغفلت وسط عناد اتنين بيحبوني، أو مفروض إنهم بيحبوني.
لميت نفسي بالعافية، ومسمعتش كلام بابا، أخدت الشنطة اللي لمها لأني خوفت أسيبها والجيران يشوفوها وهي خارجة بعدين، وقبل ما أقفل الباب، بصيت للشقة نظرة وداع.. ريحة الفرح اللي كانت مالية المكان اتحولت لريحة تراب وخنقة. رجعت بيت أهلي، أول ما دخلت، بابا وماما كانوا واقفين مستنييني، بابا أخد مني الشنطة ورماها في الصالة وقال بغضب: * “من النهاردة مفيش تواصل مع البني آدم ده، هو فاكر إنه بيلوي دراعنا بالورقة دي؟ خليه يربيها في بلد تانية، وبكرة يدق الندم على بابه ويعرف قيمتك.”
ماما أخدتني في ح.ضنها وقعدت تطبطب عليا وتعيط، وإخواتي كانوا واقفين باصين للأرض، البيت اللي كان من يومين مليان ضحك وهزار بمناسبة العيد، بقى كأنه بيت عزاء. عدى أسبوع.. وأسبوعين.. والشهر خلص. طول الفترة دي، تليفوني مبي بطلش رن، أهله، أصحابه، قرايبنا.. الكل عرف إن العروسة الجديدة غضبانة في بيت أبوها بعد شهر واحد بس من الفرح. القيل والقال بدأ ياكل في سمعتي، والناس بدأت تطلع حكايات وروايات ملهاش أساس من الصحة.
جوزي مابعتش رسالة واحدة، ولا اتصل، ولا حتى أهله جم يتكلموا، كأنه مسحني من حياته بأستيكة لمجرد إن كلمته منزلتش الأرض. وبابا، كل ما حد من قرايبنا يفتح معاه السيرة، يقول بنبرة ناشفة: “بنتي مش هترجعله إلا لما ييجي لحد هنا، ويبوس راسها ويعتذر على الأسلوب اللي مشي بيه”. وفي يوم، كنت قاعدة في أوضتي بالليل، الساعة كانت تعدي واحدة بعد نص الليل، لقيت تليفوني بيرن.. بصيت على الشاشة، وقلبي دق دقة خلعت من مكانه..
المتصل كان… حماتي (أم جوزي). رديت بسرعة وصوتي ملهوف: * “ألو.. أيوة يا ماما.” جاءني صوتها مش زي العادة، مكنش فيه العطف اللي عرفته عنها، كان صوتها ناشف وبارد: * “اسمعيني كويس يا بنتي، أنا بكلمك من ورا ابني، عشان تلمي الموضوع اللي بوظتيه بغبائك.. ابني نزل من السفر، وقاعد معايا دلوقتي، وطالبك في بيت الطاعة.”

