
هزت راسها بسرعة. “لا يا كريم… إحنا الاتنين كنا ضايعين.” لكن المرة دي ما سكتش. “بس إنتِ ماكنتيش لوحدك يا منى… أنا اللي سبتك لوحدك.” الدموع لمعت في عينيها أخيرًا. وساعتها، لأول مرة من يوم الطلاق، انهارت. غطت وشها بإيديها وعيطت بصوت مكتوم ومتعب، كأنها شايلة جبل فوق قلبها بقاله شهور. قربتلها فورًا. حضنتها. وهي ماقاومتش. بالعكس… مسكت فيا بقوة، كأنها خايفة أختفي تاني. فضلت تعيط على صدري وقت طويل. وأنا كنت بحاول أمسك نفسي بالعافية.
بين شهقاتها قالت: “أنا كنت مرعوبة يا كريم… مرعوبة أموت لوحدي.” غمضت عيني بقهر. “مش هتكوني لوحدك تاني.” الكلمة خرجت مني قبل حتى ما أفكر. لكن أول ما قلتها… عرفت إني أقصدها فعلًا. من اليوم ده، حياتي اتغيرت بالكامل. بقيت بروح معاها كل جلسة علاج. أطبخلها. أوصلها. أسهر جنبها لما التعب يكسرها. وأوقات كتير، كنت بصحى بالليل ألاقيها بتتألم بصمت عشان ماتقلقنيش. وفي كل مرة… كنت بكره نفسي أكتر على كل يوم ضيعته بعيد عنها.
بمرور الأسابيع، بدأنا نقرب من بعض تاني. بس المرة دي بشكل أهدى… أصدق. بقينا نتكلم بالساعات. عن خوفنا. عن الطفلين اللي خسرناهم. عن الجواز اللي وقع من بين إيدينا لأننا ماعرفناش نطلب المساعدة وقتها. وفي ليلة شتوية هادية، بعد جلسة علاج صعبة جدًا، كانت نايمة على الكنبة في شقتي الجديدة. صحيت فجأة وهي بتتنفس بسرعة. جريت عليها بقلق. “منى؟ مالك؟” بصتلي بخوف واضح. وقالت بصوت مرتعش: “افتكرت إني صحيت ومش لاقياك.” قلبي وجعني. قعدت جنبها فورًا ومسكت إيديها.
“أنا هنا.” فضلت باصة لإيديا اللي ماسكاها شوية طويلة. وبعدين سألتني السؤال اللي كنت خايف منه طول الوقت: “لو خفيت… ممكن نرجع زي زمان؟” سكت. لأن الحقيقة كانت أكبر من مجرد “زمان”. إحنا ماكناش محتاجين نرجع زي زمان. إحنا كنا محتاجين نبدأ من جديد. بصيتلها وقلت بهدوء: “لا.” عينيها انكسرت فورًا. لكنني ابتسمت وكملت: “مش عايز أرجع زي زمان… أنا عايز أبقى أحسن من زمان.” منى فضلت باصة ليا كام ثانية، كأنها بتحاول تتأكد إني بتكلم بجد.
وبعدين… ابتسمت. ابتسامة صغيرة مرهقة، لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية أشوفها على وشها من شهور. ومع الوقت، بدأ العلاج يجيب نتيجة بسيطة. التعب كان لسه موجود. والكيماوي كان قاسي. في أيام كانت بتبقى قوية وتضحك معايا كأنها بخير… وفي أيام تانية كانت حتى مش قادرة تقوم من السرير. لكن المرة دي، كانت بتحارب… وإيدها في إيدي. وأنا؟
ماكنتش هسيبها تاني مهما حصل. بعد حوالي ست شهور، الدكتور طلب أشعات وتحاليل جديدة. اليوم ده كان من أطول أيام حياتي.
كنت قاعد جنبها في العيادة، وإيديها متشابكة مع إيدي بقوة. واضح إنها خايفة. وأنا كنت مرعوب أكتر منها. لحد ما الدكتور دخل، وبص في الملف شوية، وبعدين رفع عينه بابتسامة هادية. وقال: “العلاج استجاب بشكل ممتاز.” حسيت إن صدري رجع يتنفس. منى غمضت عينيها فجأة وبدأت تعيط. وأنا ضحكت وعيطت في نفس الوقت زي العبيط. الدكتور كمل: “لسه محتاجين متابعة… لكن الوضع اتحسن جدًا.” خرجنا من المستشفى يومها وإحنا ساكتين. مش عارفين حتى نستوعب الفرحة.
ولما وصلنا قدام العربية، منى بصتلي وقالت: “عارف أغرب حاجة؟” “إيه؟” ابتسمت وهي دموعها لسه في عينيها: “المرض أخد مني حاجات كتير… بس رجعلي أهم شخص خسرته.” الكلمة لمست قلبي بطريقة عمري ما هنساها. بعد سنة كاملة… شعرها بدأ يطول تاني. ضحكتها رجعت. والبيت بقى فيه روح بعد ما كان مليان صمت. وفي ليلة هادية، كنا قاعدين في البلكونة نشرب شاي. بصتلها وهي سرحانة في السما، وحسيت بنفس الإحساس اللي كان بيجيلي زمان أول ما أشوفها.
الراحة. الحب. الأمان. طلعت علبة صغيرة من جيبي. أول ما شافتها، عينيها وسعوا بصدمة. ضحكت وقلت: “إحنا المرة اللي فاتت اتجوزنا وإحنا مكسورين… يمكن المرة دي نتجوز وإحنا فاهمين قيمة بعض.” إيديها اترعشت وهي بتغطي بقها. وسألتني وسط دموعها: “بتطلب إيدي تاني؟” هزيت راسي بابتسامة. “بس المرة دي… أوعدك إني مهما الدنيا كسرتنا، مش ههرب منك أبدًا.” منى بدأت تعيط بقوة، لكنها كانت بتضحك في نفس الوقت. وقالت الكلمة اللي كنت مستنيها من يوم ما شوفتها في المستشفى:
“موافقة.” وفي اللحظة دي… عرفت إن بعض الناس ربنا بيرجعهم لحياتنا مش عشان نعيش نفس القصة تاني… لكن عشان نصلح النهاية اللي ضاعت مننا أول مرة. تحياتي لكم المجهول
