صدمة داخل السو-نار بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أول ما شفت الخطين الورديين على اختبار الحمل، قلبي كان هيطير من الفرحة. مسكت الاختبار بإيديا وجريت أدور على جوزي كريم، اللي كان واقف في المطبخ بيشرب قهوته.
قلتله وأنا حرفيًا مش قادرة أخبي سعادتي: “يا كريم… إحنا هيبقى عندنا بيبي.” لكن بدل ما يفرح أو حتى يبتسم، وشه اتقلب فجأة وبقى كله غضب. “مستحيل.” حسيت قلبي وقع. “إيه؟” بصلي بنظرة عمري ما شوفتها منه قبل كده وقال بعصبية: “أنا عامل عملية منع خلفه من شهرين يا مريم… يبقى قوليلي المعجزة دي حصلت إزاي؟! الطفل ده ابن مين؟” الكلام نزل عليّ زي القلم. أربع سنين جواز، وعمر كريم ما شك فيا… لحد اللحظة دي.
قلتله وأنا مصدومة: “إنت عملت العملية دي من غير ما تقولي أصلًا؟” زعق وقال: “كنت باختبرك. كنت متأكد إنك ماشية مع حد وأنا بتعب طول اليوم في الشغل.” في نفس اليوم، جمع هدومه ومشي من البيت. والأسبوع اللي بعده كان جحيم بكل معنى الكلمة. كريم وأمه فضلوا يحكوا لكل الناس إني خاينة. صحابي بعدوا عني، وحتى شغلي في شركة بوسط البلد اتأثر لحد ما خسرت الوظيفة. كل ما أقدم على شقة للإيجار، الناس ترفض بعد ما تسمع الكلام اللي اتقال عني.
وبعدين عرفت الصدمة الأكبر… كريم نقل يعيش مع زميلته في الشغل، دينا… الست اللي كان دايمًا يقولي عنها:
“دي مجرد زميلة بس.” قبل ميعاد السونار بيوم، بعتلي رسالة: “لازم نتكلم في الطلاق.” قولتله ييجي المستشفى يمكن لما يشوف البيبي قلبه يحن شوية. وصل مستشفى خاص في مدينة نصر… ومعاه دينا، وفي إيده ملف. قعد قدامي وقال ببرود: “أنا عايز الطلاق يتم بسرعة. وأول ما الطفل يتولد هنعمل تحليل DNA.” دينا كانت واقفة جنبه، حاطة إيدها على بطنها وهي مخبية ابتسامة شماتة.
بصيت في الورق اللي جابه، لقيته طالب نص الممتلكات، وكمان كاتب بند حقير… إني لو الطفل طلع مش ابنه، لازم أرجعله كل المصاريف اللي صرفها عليا طول الجواز. ولما الممرضة نادت اسمي، دخلنا كلنا أوضة السونار. كريم قال بضيق: “يلا نخلص بسرعة… عندي خروجة مع حب حياتي الحقيقي.” اتمددت على السرير والدكتورة بدأت تكشف، لكن فجأة ملامح وشها اتغيرت وهي باصة للشاشة. قالت بهدوء: “يا مريم… جوزك عمل عملية منع الخلفه إمتى بالظبط؟” كريم رد بسرعة:
“من شهرين. إيه علاقة ده بالموضوع؟” الدكتورة لفّت الشاشة ناحيته. سألتها بخوف: “هو فيه حاجة غلط في البيبي؟” بصتلي وقالت: “البيبي بصحة ممتازة… لكن اللي حصل لكريم هو اللي لازم تشوفوه بعينيكم.”
كريم قرب من الشاشة وهو متضايق، ودينا واقفة جنبه وعاملة نفسها واثقة، لكن الدكتورة فضلت ساكتة ثواني وهي بتحرك الجهاز على بطني.
بعدها قالت بجدية: “واضح إن الحمل حصل قبل العملية بوقت بسيط جدًا.” كريم عقد حواجبه:
“إزاي يعني؟” الدكتورة سحبت نفس وقالت:
“عملية منع الخلفه مش بتشتغل فورًا. بعد العملية، ممكن يفضل فيه حيوانات منوية نشطة لأسابيع… وأحيانًا لشهور. عشان كده أي دكتور محترم بيطلب تحليل بعد العملية ويتأكد إن العدد وصل لصفر قبل ما يقول للمريض إنه خلاص مستحيل يحصل حمل.” الصمت ملي الأوضة. كريم وشه بدأ يصفر. أما دينا… فابتسامتها اختفت فجأة. الدكتورة كملت وهي باصة في الملف اللي معاه:
“واضح إنك ما عملتش تحليل المتابعة أصلًا.”
بصيت على كريم وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس:
“يعني… البيبي ابنه؟” الدكتورة هزت راسها:
“بنسبة كبيرة جدًا، أيوه.” كريم رجع خطوة لورا كأن حد ضربه. لأول مرة من يوم ما الموضوع بدأ، شفت الخوف الحقيقي في عينه. افتكرت كل اللي حصلي بسببه:
إهانته.
شكه.
كلام أمه.
الناس اللي صدقوه.
شغلي اللي راح.
الليالي اللي كنت بنام فيها بعيط لوحدي. كل ده… لأنه قرر يتهمني قبل ما يفهم. دينا قطعت الصمت وقالت بعصبية:
“إنتِ أكيد متفقة مع الدكتورة!”
الدكتورة بصتلها ببرود:
“دي حقائق طبية، مش مسلسل.” كريم حاول يقرب مني:
“مريم… أنا…” رفعت إيدي أوقفه.
“لا. متتكلمش.” ولأول مرة من أسبوع، حسيت إني قوية. خرجت من أوضة السونار وأنا رافعة راسي، بينما كريم فضل واقف مكانه مذهول، ودينا بدأت تتخانق معاه في نص المستشفى. لكن الصدمة الحقيقية حصلت بعدها بدقائق… وأنا قاعدة أستنى العربية قدام المستشفى، سمعت صوت حد بينادي:
“مدام مريم!” لفيت لقيت واحدة من قسم الحسابات في شركة كريم، وكانت تعرفني من حفلات الشركة.
قربت مني بتردد وقالت:
“أنا آسفة جدًا على اللي حصلك… بس فيه حاجة لازم تعرفيها.” قلبي دق بسرعة:
“إيه هي؟” بصت حواليها واتكلمت بصوت واطي:
“كريم كان على علاقة بدينا من قبل ما يسيب البيت بكتير… والشركة كلها عارفة.” حسيت الأرض بتلف بيا. “إيه؟” “وفيه كمان حاجة أخطر… كريم كان ناوي يطلقك من زمان، وكان مستني أي سبب يلبسك الغلط.” في اللحظة دي، باب المستشفى اتفتح بعنف، وكريم خرج يجري وهو بينادي اسمي… لكن اللي كان وراه خلاني أتجمد مكاني.
لكن اللي كان وراه خلاني أتجمد مكاني…
كانت دينا. وشها كان أحمر من العصبية، وماسكة تليفونه في إيديها وهي بتزعق: “قولها الحقيقة يا كريم! قولها إنك كنت بتخدعنا إحنا الاتنين!” الناس قدام المستشفى بدأت تبص عليهم، وكريم حاول يسحب التليفون منها، لكنها زقته بعنف. “سيبني! كفاية كدب!” بصيت عليهم وأنا مش فاهمة أي حاجة. دينا قربت مني، وعينيها مليانة دموع وغضب:
“هو قالّي إنك خاينة، وإنه مستحيل يكون أبو الطفل… وإنه كان مظلوم. لكن لسه شايفة رسايل على موبايله من محامي بقاله شهور بيحضّر للطلاق!”
كريم صرخ:
“دينا اسكتي!” لكنها كملت:
“وكان بيقول لأصحابه إنه أول ما يخلص منك هيتجوزني… وبعدها ياخد البيت باسم شركته عشان ميطلعلكيش حاجة.” حسيت قلبي بيتقطع… مش بسبب الحب، لكن بسبب كمية الخداع اللي كنت عايشة فيها. كريم بصلي بنظرة كلها توتر:
“مريم، والله الموضوع مش زي ما هي فاهمة…” ضحكت بمرارة لأول مرة.
“لأ… أنا أخيرًا فهمت كل حاجة.” في اللحظة دي، دينا رمت خاتم في وشه.
“أنا كمان خلصت.” وسابتنا ومشيت. كريم حاول يقرب مني تاني:
“مريم، أنا غلطت… بس كنت متلخبط.”
بصيتله بجمود:
“إنت ماكنتش متلخبط… إنت كنت خاين وجبان.” سكت. ولأول مرة، ماعرفش يرد. كملت وأنا بحاول أمسك دموعي:
“إنت اتهمتني في شرفي، وضيعت سمعتي، وخسرتني شغلي، وسبتني وأنا حامل… وكل ده عشان كنت عايز تهرب مع واحدة تانية.” قال بسرعة:
“أنا هصلح كل حاجة.” هزيت راسي:
“في حاجات لما بتتكسر… مبتتصلحش.” لفيت أمشي، لكنه مسك دراعي بخفة:
“عشان خاطر ابننا… اديني فرصة.” بصيت على إيده اللي ماسكاني، وبعدها في عينه مباشرة. “ابنك؟”
ابتسمت بوجع.
“أنت فاكر نفسك تستحق تكون أب بعد اللي عملته؟”
سحب إيده فورًا كأني حرقتها. ركبت العربية ومشيت، وأنا لأول مرة من شهور حاسة إن النهاية دي… ممكن تكون بداية جديدة. وبعد شهرين، بدأت أشتغل أونلاين من البيت، وقدرت أأجر شقة صغيرة في المعادي.
ناس كتير اكتشفت الحقيقة واعتذرولي، حتى مديري القديم كلمني ورجعلي شغلي. أما كريم… فخسر دينا، وخسر سمعته في الشغل بعد ما عرفوا إنه نشر إشاعات كدب عن مراته. وكان كل شوية يبعت رسايل:
“سامحيني.”
“نفسي أشوف ابني.”
“أنا اتدمرت من غيركم.”
لكن الضرر كان أكبر من كلمة آسف. وفي يوم ولادتي، وأنا شايلة ابني لأول مرة، الممرضة سألتني:
“هتسميه إيه؟” بصيت لطفلي الصغير، وابتسمت وسط دموعي. وقلت:
“سليم.” لأن بعد كل اللي حصل…
نفسي ابني يطلع راجل سليم… مش نسخة من أبوه. عدّى تلات سنين. وسليم بقى كل حياتي. ضحكته كانت بتملى الشقة، وخطواته الصغيرة وهي بتجري ناحيتي كانت بتخليني أنسى كل ليلة عياط عشتها بسببه أبوه. كريم حاول يرجع كتير. في الأول عن طريق الرسايل.
بعدها عن طريق أمه.
وبعدين بقى ييجي يقف تحت البيت بالساعات عشان يشوف سليم ولو من بعيد.
لكن عمري ما نسيت اللي عمله. الموضوع ماكانش مجرد شك…
هو دمّر حياتي بإيده، وصدق أسوأ حاجة عني من غير ما يسمعني حتى. ومع الوقت، المحكمة حكمتله بحق الزيارة تحت إشرافي، عشان سليم من حقه يعرف أبوه مهما حصل بينا. أول مرة شاف فيها سليم كانت غريبة جدًا. كريم دخل الكافيه اللي اتفقنا نتقابل فيه، وشه مرهق أوي، وشعره بدأ يشيب من الجوانب. لكن أول ما سليم جري وهو ماسك العربية اللعبة بتاعته وقال:
“إنت بابا؟”
كريم انهار. قعد على ركبته وفضل يعيط قدام الناس كلها. أما سليم، فكان صغير على إنه يفهم كل الوجع ده.
كل اللي عمله إنه لمس وشه وقال ببراءة:
“إنت زعلان ليه؟” كريم حضنه وقتها كأنه بيحاول يعوض سنين ضاعت. وبالرغم من كل اللي جوايا… قلبي وجعني عليه للحظة. بعد المقابلة، كريم وقف معايا بره الكافيه وقال:
“عارف إنك مستحيل تسامحيني… بس أشكرك إنك ماحرمتنيش منه.” رديت بهدوء:
“أنا ماعملتش كده عشانك. عملته عشان سليم يستحق يبقى عنده فرصة يعيش من غير كره.”
هز راسه وسكت شوية، وبعدها قال:
“في حاجة لازم تعرفيها.” بصيتله باستغراب. قال بصوت مكسور:
“بعد ما سيبتك… اكتشفت إن أمي كانت بتغذي الشك جوايا من زمان. وكانت كل شوية تقول إنك أكيد هتخونيني عشان أنا بسافر كتير.” اتنهد وكمل:
“بس الحقيقة؟ أنا كنت خايف. خايف أكون مش كفاية ليكي… فصدقت أسهل كذبة.” الكلام وجعني… لأنه جه متأخر أوي. قلتله:
“الخوف مش مبرر للقسوة يا كريم.” دموعه نزلت وهو بيهز راسه:
“عارف.” مرت الشهور، والعلاقة بينه وبين سليم بدأت تتحسن بالتدريج.
كان بيجيله في مواعيده، ياخده النادي، ويعلمه يركب العجلة.
لكن معايا أنا؟
كان فيه جدار عمره ما وقع بالكامل. وفي عيد ميلاد سليم الخامس، حصل آخر موقف خلاني أتأكد إن القرار اللي خدته كان صح. كنا عاملين حفلة صغيرة على النيل، وكل الأطفال بيلعبوا. وفجأة سليم وقع واتخبط في ركبته. قبل ما أي حد يتحرك، كريم جري عليه وشاله بسرعة وهو مرعوب:
“إنت كويس؟ حصلك حاجة؟” وسليم وسط عياطه قال:
“أنا كويس يا بابا.” الكلمة دي خلت كريم يعيط تاني. بصلي من بعيد، وفي عينه ندم عمر كامل.
وقتها بس فهمت حاجة مهمة… إن الحياة أحيانًا مبتعاقبش الناس بالسجن أو الفضيحة.
أوقات أكبر عقاب…
إن الإنسان يعيش باقي عمره شايل ندمه بإيده. وفي آخر الليل، بعد ما كل الناس مشيت، كنت قاعدة جنب التورتة الباقية أبص لسليم وهو نايم على الكنبة. دخلت أمي المطبخ وقالتلي بابتسامة:
“إنتِ أقوى بنت شوفتها في حياتي.” ابتسمت وأنا ببص لابني. لأول مرة من سنين…
حسيت إني فعلًا بخير. مش لأن اللي اتكسر اتصلح… لكن لأني اتعلمت أعيش، وأحب نفسي، وأبدأ من جديد مهما كان الخراب اللي اتساب جوايا.
والأهم… إن سليم كبر وسط أم علمته إن الكرامة أهم من أي حب،
وإن الثقة لو اتكسرت مرة…
صعب جدًا ترجع زي الأول. تمت
