
خرج “حسن” من المكتب وهو مولّع من الغضب، وطلع يجري من البنك بعد ما زقّ الراجل اللي قدامه فوقع واتلخبط في وقفته. من كتر عصبيته، مسك كوباية مايه من على مكتب قريب وكبّها مرة واحدة، وبقى بيتنفس بسرعة كأنه بيجري. ركب عربيته وساق بسرعة جنونية، كأنه مجنون على الطريق، وراح على بنك تاني في وسط القاهرة. دخل على مدير البنك التاني وهو لسه بيحاول يطمن نفسه، لكن اتفاجئ بنفس الكلام اللي سمعه في البنك الأول… إن حساباته بالملايين “مفيش ليها أي أثر”.
ساعتها حسن انفجر، مسك المدير من هدومه ورفعه من مكانه ورماه على الكرسي بعنف، فالرجل فقد توازنه واتلخبط. المدير كان مرعوب بس حاول يثبت نفسه وهو بيترعش. قاله بصوت مرتبك:
“يا فندم، مفيش داعي للعصبية خالص… مفيش أي خلاف بيننا. أرجوك اهدا، وخلينا نحل الموضوع. غالبًا فيه حد لعب في الحسابات أو في النظام…” لكن حسن قاطعه وهو بيزعق:
“إنتوا بتضحكوا عليّا! مش قادرين تلاقوا الفلوس ولا تعرفوا راحت فين! نفس الكلام اللي قالهولي مدير بنك مدينة نصر! إنتوا بتلعبوا بالنار، ولما أرجّع فلوسي هتندموا إنكم عرفوني… أنا هاقعد هنا لحد ما فلوسي ترجع، فاهم؟”
وبعدين شد الكرسي وقعد بعصبية. المدير اتوتر أكتر، وقام بسرعة ونادى الأمن. بعد شوية الأمن دخلوا، وحاولوا يهدّوا الوضع، لكن حسن كان ماسكه في الرجل لحد ما الأمن اضطر يطلّعه برّه بالعافية، وسط محاولات من الموظفين إنهم يهدّوه. كان ده أسوأ يوم في حياته… بس هو ماكانش عارف إن اللي جاي أصعب بكتير. رجع البيت وهو تايه ومصدوم. أول ما دخل شاف “سماح” مراته في المطبخ بتجهز الأكل، وكانت لسه هتحط العشا على السفرة.
راح ناحيتها من غير ما يتكلم، فتح البار الصغير اللي في الحيطة، طلع زجاجة نبيذ، وبدأ يسكب في الكوباية ويشرب بسرعة، وبعدها يملأ تاني ويشرب كله مرة واحدة. قعد على الأرض وهو بيهذي:
“أنا خلصت… فلوسي راحت… ملاييني كلها اختفت… إحنا انتهينا يا سماح… أنا مش فاهم بيحصل إيه!” سماح بصّت له باستغراب وقالت:
“فلوس إيه؟ ملايين إيه اللي بتتكلم عنها؟ إنت عندك ملايين أصلاً يا حسن؟ ولا حتى عندك آلاف! إنت بتقول إيه بس؟ إنت بتلخبطني… تعالى كل بس بدل ما أنت بتخرف كده…”
سماح قربت منه وهي حاسة إن في حاجة كبيرة حصلت، بس ملامحه كانت مرعبة ومش طبيعية. قالت له وهي ماسكة إيده:
“يا حسن فهمني… إيه اللي حصل؟ إنت بتقول فلوس وملايين وإحنا عمرنا ما شفنا الكلام ده!” حسن رفع عينه ليها وقال بصوت مكسور:
“الحساب… الحساب في البنك… اختفى… كل حاجة اختفت كأنها ما كانتش موجودة أصلاً… حتى الورق اللي معايا مش لاقيه تفسير.” سماح سكتت لحظة، وبعدين قالت بحذر:
“طيب إنت متأكد إن مفيش مشكلة في الحساب؟ ولا حد ممكن يكون لعب في الموضوع؟”
حسن ضحك ضحكة عصبية:
“أنا رحت بنكين يا سماح! واتنين قالولي نفس الكلام! نفس السيناريو! إنتي متخيلة؟” سماح بدأت تحس إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس، فقربت منه أكتر وقالت:
“طيب إهدى… ممكن نكلم حد فاهم، محامي أو حتى نراجع كل حاجة من الأول.” لكن حسن كان خلاص خرج عن السيطرة، قام وقف فجأة وقال:
“مفيش وقت! أنا لازم أعرف مين اللي سرقني… ومين اللي بيخلص عليّا!” وبعدين مسك تليفونه واتصل على رقم قديم كان متخزّن عنده من سنين، رقم “مستشار مالي” كان بيتعامل معاه زمان.
بعد ثواني، الرد جه:
“ألو؟” حسن بصوت حاد:
“أنا حسن… وعايز أعرف حساباتي راحت فين.” في الناحية التانية سكتة طويلة، وبعدين الصوت قال:
“حسن؟… الحسابات دي ما كانش المفروض حد يسأل عنها دلوقتي.” سماح بصت له بصدمة، وحسن نفسه اتجمد في مكانه. قال بسرعة:
“يعني إيه الكلام ده؟! إنت تعرف حاجة؟” الصوت رد ببرود:
“مش على التليفون… لو عايز الحقيقة، تعالى المكان اللي اتفقنا عليه زمان.” وبعدين الخط قفل. سماح قالت بخوف:
“حسن… إنت مخبي عني إيه؟”
حسن مسك راسه وقال:
“أنا… أنا فاكر إن الموضوع كان خلص من سنين… بس واضح إن اللي حصل زمان رجع يطاردني تاني…” وفجأة، نور البيت قطع لحظة، كأن الكهربا فصلت ثانية ورجعت، وسماح بصّت حوالينها بخضة. حسن قال بصوت واطي:
“في حاجة غلط… حاجة كبيرة أوي…” سماح مسكت إيده بقوة وقالت:
“يا حسن بالله عليك فهمني… إنت دخلت نفسك في إيه زمان؟”
حسن قعد على الكرسي وهو باين عليه إنه بيتكسر من جواه، وقال بصوت منخفض:
“زمان… من حوالي 10 سنين، كنت داخل في صفقة كبيرة مع ناس مش مظبوطة… كان هدفها فلوس سريعة… وفعلاً كسبت وقتها مبلغ كبير… بس كان فيه شرط واحد…” سماح قاطعته بخوف:
“شرط إيه؟!” حسن كمل وهو بيتنفس بصعوبة:
“إني ما أسألش عن مصدر الفلوس… وما أرجعش أدور وراها بعد ما أخرج منها…” سماح اتسعت عينيها:
“يعني إيه الكلام ده؟!” في اللحظة دي، التليفون رن تاني… نفس الرقم الغريب.
حسن رد بسرعة:
“أيوه؟” الصوت قال بهدوء مخيف:
“افتكرت دلوقتي؟” حسن اتعصب:
“إنتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟ فلوسي راحت ليه؟” الصوت رد:
“الفلوس ما اختفتش… هي بس رجعت لمكانها الطبيعي.” حسن سكت ثواني:
“مكانها الطبيعي؟” الصوت قال:
“إنت زمان أخدت حاجة ما كانتش بتاعتك… ودلوقتي النظام بيتظبط.” وبعدين الخط قفل تاني. سماح قالت وهي مرعوبة:
“نظام إيه؟ إنت بتتكلم عن مين؟” حسن وقف فجأة وقال بانفعال:
“مش عارف! بس اللي فاهمه إن في حد بيراقبني… وبيحاسبني دلوقتي على حاجة عملتها زمان!”
وفجأة، الباب خبط خبط جامد. خبطات قوية كأن حد بيكسر الباب. سماح صرخت:
“مين؟!” حسن قرب من الباب وهو متجمد، وبص من العين السحرية… ووشه اتغير تمامًا. رجع خطوة لورا وقال بصوت مكسور:
“مش ممكن… دول رجعوا تاني…” سماح قالت:
“مين؟!” حسن رد:
“اللي المفروض ما يرجعوش…” والخبط زاد أكتر… وأكتر… الخبط على الباب كان بيزيد بشكل مرعب، كأن حد بيحاول يكسره مش بس يفتحه. سماح وقفت ورا حسن وقالت بخوف:
“افتح؟ ولا نعمل إيه؟!”
حسن كان واقف مكانه متجمد، وبعدين قال بصوت واطي:
“ما تفتحيش…” لكن قبل ما يكمل كلامه، الباب اتكسر فجأة. دخل 3 رجالة لابسين بدل سودة، وشكلهم مش مريح خالص. واحد فيهم بص لحسن وقال بهدوء مخيف:
“أخيرًا لقيناك يا حسن…” سماح صرخت:
“إنتوا مين؟ وعايزين إيه؟!” الراجل رفع إيده وقال لها:
“إحنا مش جايين ليكي إنتي… إحنا جايين لراجل حساباته محتاجة تتقفل.” حسن اتنفس بصعوبة وقال:
“أنا قلتلكم زمان… خلصت كل حاجة! سبت الموضوع وخرجت منه!”
الراجل ابتسم ابتسامة باردة:
“مافيش حاجة اسمها خرجت… فيه بس وقت محاسبة.” وبعدين بص في ورقة في إيده وقال:
“المبلغ اللي تم تحويله وقتها… كان مرتبط بمصدر غير قانوني… وده سبب إن النظام المالي كله اتقلب عليك.” سماح بصت لحسن بصدمة:
“إيه الكلام ده؟!” حسن صوته اتكسر:
“أنا كنت فاكرها صفقة عادية… ما كنتش أعرف إنها كبيرة بالشكل ده…” الراجل قرب خطوة وقال:
“المشكلة مش في الصفقة… المشكلة إنك كنت الحلقة الأخيرة اللي ممكن توصلنا لكل اللي فوقك.”
سماح قالت:
“يعني إيه فوقه؟!” الراجل رد:
“ناس أكبر… ناس ما ينفعش تتذكر أسماؤهم.” وفجأة، اتنين من الرجالة مسكوا حسن من دراعه. سماح صرخت:
“سيبوه! إنتوا مش من حقكم!” حسن بص لسماح وقال بصوت مكسور:
“سامحيني يا سماح… أنا دخلتكم في حاجة أكبر مني…” وهو بيتسحب برا، بص للبيت وقال:
“أنا مش عارف هارجع ولا لأ…” وقبل ما يخرج، الراجل قال له:
“لو عايز الحقيقة كاملة… في عنوان واحد هيرد عليك كل حاجة.” وسابه ورقة صغيرة على الأرض.
الباب اتقفل، والبيت سكت فجأة. سماح قعدت على الأرض وهي بتعيط، وفتحت الورقة… وكان مكتوب فيها عنوان في القاهرة الجديدة. وبخط صغير:
“اللي بدأ الحكاية… لسه مستنيك.” سماح فضلت ماسكة الورقة وإيديها بتترعش، وبتبص لحسن وهو بيتسحب من قدامها لحد ما العربية اختفت في الشارع. البيت سكت فجأة… بس السكون ده كان أخطر من الصريخ. بعد دقائق، قامت بسرعة وخدت جاكتها ومفتاح العربية وقالت لنفسها:
“مش هسيبه لوحده… مهما كان اللي وراه.” ركبت عربيتها وراحت على العنوان المكتوب في الورقة: القاهرة الجديدة – شارع هادي قريب من كمبوند فخم.
لما وصلت، لقت فيلا كبيرة بس شكلها قديم شوية ومش شبه المكان حواليها. البوابة كانت مفتوحة كأنهم مستنينها. دخلت بحذر، وكل خطوة كانت بتخلي قلبها يدق أسرع. وفجأة سمعت صوت من وراها:
“كنت عارف إنك هتيجي…” لفّت بسرعة… لقت راجل كبير في السن، لابس بدلة أنيقة، وشكله هادي بشكل مخيف. سماح قالت:
“إنت مين؟ فين حسن؟” الراجل ابتسم وقال:
“حسن مش هنا دلوقتي… هو في مرحلة إنه يفهم الحقيقة.” سماح قالت بانفعال:
“حقيقة إيه؟ إنتوا خطفتوه! وعايزين إيه منه؟!”
الراجل مشي ببطء وقرب من مكتب خشب قديم وقال:
“مش خطف… ده تصحيح مسار.” وبعدين فتح درج وطلع ملف سميك وقال:
“زمان جوزك دخل في صفقة أموال مشبوهة، والفلوس دي اتوزعت على حسابات كتير… بس فيه حساب واحد كان مفتاح الشبكة كلها… حسابه هو.”
