Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

الر-قصة الأخيرة الجزء التاني بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

كان شريك مع رجل أعمال مشهور اسمه “هاني الجبالي”، والاتنين كانوا خايفين من شهادة أبويا في قضية غسيل أموال كبيرة. لكن اللي قلب كل حاجة فعلًا… إنهم لقوا ورقة بخط إيد أمي. رسالة كانت مستخبية وسط الملفات. الظابط سلمهالي بإيديه وقال:
— دي كانت متسجلة ضمن الأدلة الجديدة. إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الورقة. وكان مكتوب فيها: “لو حصلي حاجة، يبقى محسن وهاني هما السبب… سامحيني يا سلمى إني مقدرتش أحميكي.” انهرت تمامًا. دي أول مرة من 8 سنين أحس إن أمي لسه بتحاول تنقذني حتى بعد موتها.

آدم وقف بعيد، وسايبلي مساحتي. لكن قبل ما نمشي، ناديته. لف ناحيتي بتردد. قلتله:
— ليه عملت كل ده؟ كان ممكن تحرق الأدلة وتعيش مرتاح. بصلي بعين مليانة وجع وقال:
— لأنك أول شخص خلاني أحس إني إنسان كويس… ومقدرتش أسيبك تعيشي كدبة باقي عمرك. سكت شوية، وبعدها قال:
— اللي عمله أبويا ذنب مش ذنبي… لكني مستعد أدفع تمنه عمري كله لو ده هيخفف عنك. ولأول مرة… مديت إيدي ناحيته. وهو مسكها بهدوء. يمكن ماكنتش قادرة أسامحه بالكامل…

لكن في اللحظة دي، عرفت إن أكتر شخص وقف جنبي بعد موت أهلي… كان ابن الراجل اللي دمّر حياتي. مرت شهور، والقضية بقت حديث الناس كلها. اسم “هاني الجبالي” اتنشر في الأخبار، وشركاته بدأت تقع واحدة وراء التانية بعد ما النيابة جابت أدلة جديدة. أما أنا… فكنت بحاول أتعلم أعيش من جديد. ولأول مرة من سنين، بقيت أخرج من البيت من غير ما أحس إن كل الناس بتبصلي بشفقة. يمكن علشان آدم كان دايمًا جنبي.

كان بياخدني للكورنيش، ونقعد بالساعات نتكلم عن كل حاجة… إلا اللي بينا. لأن الحقيقة كانت معقدة جدًا. أنا البنت اللي أهله اتقتلوا بسبب أبوه… وهو الولد اللي بيحاول يصلّح جريمة عمره ما عملها. وفي يوم، المحامي اتصل بيا وقال:
— الحكم قرب… لازم تحضري الجلسة الأخيرة. قلبي وقع. يوم المحكمة كان أصعب يوم بعد الحادثة. القاعة مليانة صحافة، وكاميرات، وهمسات. هاني الجبالي دخل متكبر كعادته، لكن أول ما شافني، ملامحه اتغيرت. القاضي بدأ يقرأ الأدلة:
التسجيلات.
شهادة السواق.
خطاب أمي.
وتحويلات مالية تثبت إن الحادثة كانت مدبرة.

وفي النهاية… صدر الحكم. السجن المؤبد لهاني الجبالي وكل المتورطين. القاعة كلها قامت تتكلم بصوت عالي، وأنا كنت قاعدة مكاني مش قادرة أتنفس. ثماني سنين من الوجع… وفي الآخر، الحقيقة ظهرت. خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الحمل اللي فوق صدري أخف شوية. لكن قبل ما أوصل للعربية، سمعت حد بينادي اسمي. لفيت… ولقيت هاني الجبالي، الشرطة ماسكاه وهو خارج. بصلي بنظرة غريبة وقال:
— أبوكي هو اللي بدأ… لو كان سكت مكانش حد مات.

اتجمدت مكاني. لكن قبل ما أرد، آدم وقف قدامي فجأة وقال بعصبية:
— كفاية! مش هتأذيها تاني حتى بكلامك. أبوه بصله باحتقار وقال:
— ضيعت اسم عيلتك علشان بنت على كرسي؟ آدم رد من غير تردد:
— لا… أنقذت نفسي من إني أبقى نسخة منك. اللحظة دي… كانت أول مرة أشوفه واقف ضد أبوه فعلًا. هاني اتاخد للعربية، وآدم فضل واقف ساكت. قربت منه ببطء وقلت:
— إنت خسرت كل حاجة بسببي. هز راسه وقال:
— بالعكس… أول مرة أحس إني كسبت نفسي.

عدى وقت بعدها. بدأت أرجع أكمل دراستي، وآدم فتح مؤسسة باسم أمي وأبويا لدعم مصابي الحوادث وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي افتتاح المؤسسة، وقف قدام الناس كلها وقال: — البنت دي علمتني إن الإنسان مش بيتقاس باسم عيلته… ولا بجسمه… لكن بقلبه. وبعدين بصلي… وطلع علبة صغيرة من جيبه. الدنيا كلها سكتت. ونزل على ركبة واحدة قدامي. وقال بابتسامة مرتعشة:
— يا سلمى… يمكن أنا مقدرش أغير الماضي… لكن نفسي أعيش باقي عمري وأنا بعوضك عن كل وجع شوفتيه. تتجوزيني؟

انهرت في العياط. وسط تصفيق الناس كلها… قلت:
— أيوه. بعد سنة… كنت قاعدة في أوضة صغيرة في المستشفى، ماسكة إيد آدم، وأنا ببص لطفلتنا الصغيرة النائمة في الحضّانة. البنت اللي اتولدِت بعد كل الوجع ده. سمّيناها “أمينة”… على اسم ستي. آدم كان واقف جنبي وعينه مليانة دموع، وبيضحك لأول مرة من قلبه من سنين. قال وهو بيبص للبنت:
— متخيلة؟ البنت دي هتكبر وهي متعرفش يعني إيه خوف. ابتسمت، لكن جوايا كان فيه حاجة ناقصة.

ستي. الحاجة أمينة كانت تعبانة بقالها شهور، ورفضت تدخل المستشفى غير يوم الولادة. كانت مصممة تشوف حفيدتي قبل ما تمشي. وبالفعل… بعد يومين، خرجت أنا وآدم وروحنا ليها البيت. أول ما شالت البيبي، حضنتها وباستها وهي بتعيط. وقالت بصوت ضعيف:
— أهو أنا اطمنت عليكي يا سلمى… خلاص بقيتي وسط ناس بتحبك بجد. حضنتها وأنا بعيط:
— ماتقوليش كده يا ستي… هتبقي كويسة. ابتسمت بهدوء وقالت:
— أنا عشت كفاية… أهم حاجة إنك أخيرًا لقيتي الحياة اللي تستحقيها.

وفي الليلة دي… ستي نامت وماصحيتش تاني. اتكسرت تمامًا. رغم كل اللي عديت بيه، وجع فقدانها كان مختلف. دي الست اللي شالتني من الموت وأنا طفلة… وربتني بإيديها… وكانت أمي وأبويا وكل دنيتي. في الجنازة، كنت منهارة. لكن آدم فضل ماسك إيدي طول الوقت. وبعد الدفن، أخدني للمؤسسة. استغربت جدًا. دخلت لقيت القاعة متزينة بصور ستي في كل مكان. وفجأة، الأطفال اللي في المؤسسة دخلوا جري ناحيتي. واحدة بنت صغيرة قاعدة على كرسي متحرك وقفت قدامي وقالت:
— طنط سلمى… إحنا سمينا القاعة باسم تيتة أمينة علشان كانت بطلة.

انهرت في العياط. بصيت لآدم، لقيته مبتسم بحزن وقال:
— الست دي ربت أعظم إنسانة عرفتها… أقل حاجة إن اسمها يعيش للأبد. مرت سنين بعدها. وأمينة كبرت. وفي أول يوم مدرسة ليها، كنت متوترة جدًا. الخوف القديم رجعلي…
خفت حد يبصلها يومًا بنفس النظرة اللي الناس كانت بتبصهالي بيها. لكن وأنا قاعدة أراقبها من بعيد، شفت حاجة خلتني أعيط. بنت صغيرة كانت قاعدة لوحدها في الفصل… وكل الأطفال متجمعين بعيد عنها. أمينة بصتلها ثواني… وبعدين راحت قعدت جنبها ومسكت إيدها.

بنفس الطريقة اللي آدم عملها معايا زمان. وقتها بس… عرفت إن الوجع ممكن فعلًا يطلع منه حاجة حلوة. وإن الطيبة… بتكمل طريقها من شخص للتاني، حتى بعد كل الألم. بعد سنين طويلة، وأنا برتب حاجات قديمة في أوضة ستي، لقيت صندوق خشب صغير عمري ما شوفته قبل كده. فتحته بهدوء… ولقيت جواه صور لأبويا وأمي، وخطابات قديمة، وتسجيل كاسيت عليه ورقة مكتوب فيها:
“لسلمى… لما تكبري.” قلبي فضل يدق بسرعة. شغلت التسجيل، وفجأة سمعت صوت أبويا.

صوته اللي نسيته من سنين. قال:
— لو إنتِ سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود… بس لازم تعرفي حاجة مهمة يا حبيبتي. بدأت أعيط فورًا. كمل وهو بيضحك ضحكته الهادية:
— يمكن الدنيا تكسرك أوقات… ويمكن ناس كتير تبصلك بشفقة أو تقلل منك… لكن أوعي يوم تصدقي إنك أقل من أي حد. سكت شوية، وبعدها قال:
— القوة مش في الرجلين يا سلمى… القوة الحقيقية في القلب. حضنت التسجيل وأنا بنهار. وفجأة افتكرت كل حاجة:
الحادثة…
الوحدة…
حفلة التخرج…
رقصة آدم…
وكل الوجع اللي عدّى.

لكن لأول مرة… مافتكرتش الألم بس. افتكرت إني نجيت. وإني رغم كل حاجة… بقيت أم، وزوجة، وعندي حياة كاملة. آدم دخل الأوضة وقتها، ولقاني بعيط. قلق وقال:
— مالك؟ ناولته التسجيل وهو ساكت يسمع. ولما خلص، بصلي بعين مليانة دموع وقال:
— أبوكي كان راجل عظيم. ابتسمت وسط دموعي وقلت:
— أظنه كان عارف إني هقابلك يومًا ما. في الليلة دي، طلعنا سوا فوق سطح البيت. وأمينة الصغيرة كانت نايمة بينا. بصيت للسما وقلت بهدوء:
— أخيرًا… حاسة إنهم مرتاحين.

آدم باس راسي وقال:
— وإنتِ كمان لازم ترتاحي يا سلمى. وساعتها أدركت إن بعض القصص بتبدأ بمأساة… لكن نهايتها الحقيقية بتكون لما الإنسان يلاقي حد يشوف روحه… مش عجزه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!