التوأم بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أنا وأميرة كنا بنحلم يبقى عندنا طفل من سنين.
ده كان أكبر حلم لينا. تحاليل كتير… دكاترة… دعا… و٣ مرات إجهاض.
ولما أميرة حملت أخيرًا، كنا طايرين من الفرحة. ولادتها كانت صعبة جدًا، وما شوفتهاش غير بعد ما البيبيهات اتولدوا. دخلت أوضة المستشفى في مستشفى القصر العيني، لقيت أميرة نايمة على السرير وحاضنة التوأم بقوة وبتعيط بشكل هستيري. قلت لها بقلق:
— مالِك يا حبيبتي؟ لسه تعبانة؟ فجأة صرخت:
— ما تبصّش على العيال!! وابتدت تعيط أكتر.
ماكنتش فاهم في إيه.
أنا بحب مراتي وعيالي أكتر من نفسي. لكن أول ما بصيت عليهم… اتصدمت. أميرة كانت والدة توأم، واحد قمحي والتاني بشرته فاتحة جدًا. قالت وهي بترتعش من العياط:
— والله يا كريم ما خنتكش… دول عيالك… أقسم بالله! حاولت أهديها، ولمست راس البيبيين بهدوء.
أنا صدقتها. بس الموضوع كان غريب فعلًا. حتى الدكاترة ماعرفوش يفسروا اللي حصل. عملنا تحليل DNA، والنتيجة أكدت إني أبو الطفلين فعلًا. وقتها قلت أكيد دي حاجة وراثية نادرة.
عدّى سنتين. لكن بعدها أميرة بدأت تتغير.
بقت بتعيط كتير، متوترة طول الوقت، وبتتهرب مني. وفي ليلة، وإحنا بننوّم العيال، قالتلي جملة جمدت الدم في عروقي: — أنا مقدرش أخبي عليك الحقيقة أكتر من كده… لازم تعرف سر العيال. بصيتلها مصدوم:
— قصدك إيه؟ طلعت ورقة صغيرة كانت مخبياها ورا ضهرها، وادتهالي. فتحتها وابتديت أقرأ… ولما خلصت… وقعت على ركبتي قدام سرير الطفلين. صرخت فيها:
— إزاي ده حصل؟! وليه ماقولتيليش من الأول؟! أميرة كانت بتعيط وهي بتبص للأرض، ومش قادرة ترفع عينها في عيني.
مسكت الورقة بإيدي المرتعشة وقرأت السطر الأخير مرة تانية: “نتيجة تحليل الخصوبة تؤكد إن كريم كان عقيم بنسبة شبه كاملة وقت الحمل.” حسّيت الدنيا بتلف بيا. بصيت للتوأم… وبعدين ليها. — يعني إيه الكلام ده؟!
— يعني أنا مش أبوهم؟! هزّت راسها بسرعة وهي بتصرخ:
— لا! والله إنت أبوهم… اسمعني للآخر بس! قومت واقف بعصبية:
— بعد سنتين؟! بعد سنتين جاية تقوليلي الكلام ده؟! أميرة حضنت نفسها وهي بتترعش:
— فاكر لما سافرنا إسكندرية وعملنا حقن مجهري؟ سكت شوية… وافتكرت.
فاكر المستشفى… والحقن… والدكتور اللي كان مطمّنا إن فيه أمل. قالت بصوت مكسور:
— يومها الدكتور كلمني لوحدي… وقالي إن الحيوانات المنوية عندك ضعيفة جدًا… وفرصة الحمل شبه مستحيلة. قلبي بدأ يدق بعنف. — وبعدين؟ انهارت من العياط:
— قال فيه حل تاني… متبرع. حسّيت نفسي اتخبطت بقطار. — متبرع؟! يعني إيه متبرع؟!
— الدكتور قال إن العينة هتكون قريبة جدًا من صفاتك… وإنك عمرك ما هتعرف. صرخت فيها:
— وإنتِ وافقتي من غير ما تقوليلي؟! سكتت… والسكوت كان أبشع من أي إجابة.
التوأم صحيو من الصوت وابتدوا يعيطوا. الولد الصغير جري عليا وقال:
— بابا… متزعقش لماما. الكلمة كسرتني. بصيتله… لنفس العيون اللي كل يوم بصحى عليها… نفس الضحكة اللي كنت بعيش عشانها. سألتها وأنا مخنوق:
— والولد التاني؟ ليه شكله مختلف؟ بلعت ريقها وقالت:
— الدكتور اعترفلي من شهر إن حصل تبديل بالغلط في المعمل… وإنهم استخدموا عينتين مختلفتين يوم العملية. ماكنتش قادر أستوعب. — يعني إيه عينتين؟! قالت وهي شبه منهارة:
— واحد من التوأم من العينة المتبرع المتشابه معاك… والتاني من شخص أفريقي كان عامل تبرع في نفس اليوم… والخ-طأ اتغطى عليه.
وقتها افتكرت كل نظرات الناس… وكل مرة كنت بدافع عنها وعن الأطفال. لكن وسط الصدمة… بصيت للسريرين. الطفلين كانوا باصينلي بخوف. وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة بس… إني يمكن ماكونش أبوهم بيولوجيًا بالكامل…
بس أنا الشخص اللي صحي بالليل عشانهم…
وأول كلمة قالوها كانت “بابا”…
وأول خطوة جروها كانت ناحيتي. قعدت على الأرض ودموعي نازلة. أميرة قربت وهي مرعوبة إني أمشي. لكن بدل ما أسيب البيت… فتحت دراعي للتوأم. حضنوني هما الاتنين. وقتها قلت بصوت مكسور: — أنا مش هسيب العيال… مهما حصل.
بس اللي بيني وبينك يا أميرة… عمره ما هيرجع زي الأول.
عدّت أيام والبيت بقى ساكت بشكل مخيف. أنا وأميرة بقينا بنتعامل كأننا غرب عن بعض.
كلام قليل… نظرات مكسورة… وكل واحد شايل وجعه لوحده. لكن التوأم؟
ولا كانوا فاهمين أي حاجة. كانوا كل ليلة يجروا عليّا أول ما أرجع من الشغل في مول العرب، ويتمسكوا في رجلي وهم بيضحكوا: — بابا جه! بابا جه! وكل مرة الكلمة كانت بتقطعني من جوا. في يوم، وأنا قاعد لوحدي بعد ما العيال ناموا، سمعت أميرة بتعيط في المطبخ. دخلت لقيتها ماسكة ورقة قديمة.
كانت ورقة موافقة العملية. وفي آخرها… توقيع باسمي. خدت الورقة منها بسرعة. بصيت كويس… واتجمدت. التوقيع فعلًا كان توقيعي. لكن… أنا عمري ما مضيت على الورقة دي. رفعت عيني عليها بصدمة:
— الورقة دي جت منين؟ قالت وهي بتمسح دموعها:
— الدكتور بعتهالي بعد ما هدد-ته أفض-حه. قلبي بدأ يخبط بعنف. في حاجة غلط. تاني يوم روحت المستشفى بنفسي. بعد ساعتين زن على الموظفين، عرفت أوصل للدكتور القديم. أول ما شافني، وشه اصفر. قفل باب المكتب بسرعة وقال:
— أرجوك وطي صوتك.
قربت منه بعصبية:
— إنت زورت توقيعي؟ الدكتور قعد على الكرسي وكأنه انهار فجأة. وقال الجملة اللي قلبت حياتي للمرة التانية: — حضرتك ماكنتش عقيم أصلًا. سكت… وحسيت إني مش سامع كويس. — نعم؟! قال وهو مرعوب:
— التحاليل حصل فيها تبديل بينك وبين مريض تاني… وإحنا اكتشفنا الغلط بعد العملية. صرخت فيه:
— يعني التوأم عيالي فعلًا؟! هز راسه بسرعة:
— بنسبة كبيرة جدًا… وإحنا حاولنا نصلح الموضوع قبل ما يكبر. — طب والاختلاف في اللون؟! فتح ملف قديم وطلع صورة.
صورة لوالدتي الله يرحمها وهي صغيرة… وبشرتها أغمق بكتير من دلوقتي. وقال:
— عندكم أصل سوداني قديم في العيلة… والجينات ساعات بتظهر بشكل غير متوقع مع التوأم. وقفت أبص للصورة ودماغي واقفة. كل السنين دي…
كل العذاب…
كل الشك…
كان بسبب خطأ من مستشفى. رجعت البيت متلخبط. أميرة أول ما شافتني قامت بخوف:
— قالك إيه؟ بصيتلها طويل… وبعدين حضنتها لأول مرة من شهور. انهارت في حضني وهي بتعيط. همست في ودنها:
— العيال عيالي يا أميرة… وإنتِ ماخنتن-يش. في اللحظة دي، التوأم صحيو وجروا علينا.
واحد حضن أميرة… والتاني حضني. ضحكت وسط دموعي. وأخيرًا… حسيت إن البيت رجع بيتنا من تاني. روايات المجهول
