العوده بعد المو-ت الجزء التالت بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

منى كانت واقفة عند باب القبو، وإيديها بتترعش وهي ماسكة السلاح.
الراجل صاحب الجرح وقع على الأرض والدم بينتشر تحته. باقي الرجالة اتصدموا للحظة… وكريم استغل الفرصة. صرخ:
“اجري يا أوليفيا!” لكن قبل ما أتحرك، واحد من الرجالة صوب سلاحه ناحية منى. الطلقة خرجت أسرع من أي حاجة. منى شهقت… والسلاح وقع من إيدها. وقعت على ركبها وهي حاطة إيدها على بطنها. صرخت باسمها، لكن كريم اندفع ناحية الراجل وضربه بكل قوته. القبو اتحول لفوضى كاملة. وفي اللحظة دي… صوت عربيات الشرطة دوّى فوق الفيلا. سرينات.
وصريخ.
وأوامر.
الرجالة بدأوا يهربوا. واحد منهم صرخ:
“البوليس!” خلال ثواني، المكان اتملى ظباط مسلحين. حد شدني أنا والطفل بعيد، والباقي سيطروا على الرجالة. أما كريم… كان واقف في نص القبو، بينهج، وهدومه كلها دم. وعينيه على منى. الإسعاف وصلت بسرعة. شالوا منى على الترولي، وكانت لسه عايشة بالعافية. قبل ما يطلعوها، مسكت إيد كريم وهمست:
“خلي ابن أخويا… يعرف إن أبوه ماكانش وحش.” وكريم انفجر في العياط لأول مرة. بعدها بأيام… الدنيا كلها اتقلبت. الفلاشة اللي كانت معايا كشفت الشبكة بالكامل.
رجال أعمال معروفين، ضباط فاسدين، عمليات غسيل أموال وتزوير سنين طويلة. القضية بقت رأي عام. أما كريم… فاعترف بكل حاجة. اعترف بهروبه.
بتزوير موته.
وبالحادثة اللي مات فيها أخو منى. لكن كمان… اعترف إنه طول الوقت كان بيحاول يبعد الشبكة عني وعن ابننا. وفي النهاية، المحكمة حكمت عليه بالسجن. يوم الحكم، بصلي من ورا القفص. نفس النظرة اللي حبيتها زمان… لكنها كانت مليانة تعب وندم. قال بهدوء:
“عارف إنك مستحيل تسامحيني.” حضنت ابني أكتر وماقدرتش أرد.
لأن الحقيقة كانت أعقد من الغفران والكراهية. بعد سنة… كنت قاعدة في جنينة صغيرة في إسكندرية، وابني بيلعب قدامي ويضحك. بقى عنده سنة ونص. ونفس عيون أبوه. أحيانًا كنت ببصله وأفتكر كل حاجة:
الجنازة.
الكذبة.
الدم.
وكل اللي خسرناه. لكن رغم كل ده… كان عندي سبب أعيش من جديد. وفجأة، موبايلي رن. رقم غريب. ترددت… وبعدها رديت. وجسمي كله اتجمد أول ما سمعت الصوت: “أوليفيا… أنا منى.” سكت نفسي. مستحيل. منى ماتت بعد العملية… ده اللي الشرطة قالته.
لكن الصوت كمل بهمس مرعب: “لو عايزة تعرفي الحقيقة الأخيرة عن كريم… قابليني. لأن اللي دفنتيه السنة اللي فاتت… ماكانش أول شخص يختفي.” وقف الخط. وأنا فضلت باصة للبحر… حاسة إن الكابوس لسه مخلصش. بعد المكالمة، فضلت ماسكة الموبايل بإيد مرتعشة وأنا ببص على البحر. الهوا كان بارد، لكن جسمي كله كان ساقع من جوه. منى ماتت. أنا شوفت الإسعاف وهي واخداها، والشرطة بنفسها قالت إنها نزفت ومقدروش ينقذوها. يبقى مين اللي كلمني؟ وابني كان بيلعب بالرملة قدامي، بيضحك ببراءة كأن الدنيا مافيهاش أي رعب.
لكن أنا كنت عارفة إن الكابوس لسه مخلصش. طول الليل ماعرفتش أنام. كل ما أغمض عيني أشوف كريم وهو بيقع مضروب بالنار… أو أشوف النعش المقفول في جنازته. وفي الفجر، أخدت القرار. لازم أعرف الحقيقة الأخيرة. الرسالة اللي اتبعتتلي بعدها بنص ساعة كانت بعنوان لمخزن قديم في الميناء. وروحت. الجو كان ضلمة وشبه مهجور، وصوت المراكب بعيد. المخزن كان بابه مفتوح نص فتحة. دخلت بحذر، قلبي بيدق بعنف. وفجأة… النور اشتغل. شهقت ورجعت خطوة لورا.
منى كانت واقفة قدامي فعلًا. لكن شكلها كان مرعب. وشها شاحب جدًا، وفيه أثر جرح طويل جنب رقبتها، وبطنها اختفت بعد الولادة. بصتلي بهدوء غريب:
“كنتي متوقعة تشوفي شبح؟” همست:
“إنتي… إزاي عايشة؟” ضحكت بمرارة:
“الشرطة أعلنت موتي بناءً على تقرير مزور. زي ما عملوا مع كريم.” اتجمدت مكاني. “مين هما؟” منى قربت ببطء:
“ناس أكبر بكتير مما تتخيلي.” طلعت ملف قديم ورمته قدامي على الترابيزة. فتحته… واتصدمت. صور. كتير. رجالة وستات. وكل صورة عليها تاريخ.
وفي صور متعلم عليها بدائرة حمرا. بصيت لمنى:
“إيه ده؟” قالت بصوت منخفض:
“دول ناس اختفوا خلال آخر خمس سنين.” قلبي اتقبض. واحدة من الصور كانت لصحفي مشهور. واحدة تانية لطبيب. ورجل أعمال. كلهم متسجلين رسميًا إنهم ماتوا. لكن تحت كل صورة كلمة واحدة: حي. رفعت عيني بصدمة:
“إنتي بتقولي إنهم مزورين موتهم؟” منى هزت راسها:
“بعضهم أجبروا على ده. وبعضهم اختار.” “ليه؟” سكتت لحظة، وبعدها قالت:
“عشان المنظمة دي بتصنع ناس جديدة.” مافهمتش. قعدت قدامي وكملت:
“لو شخص عليه ديون… أو متور-ط… أو عنده معلومات خطيرة… بيختفي. يعلنوا موته رسميًا، وبعدها يشتغل لهوية جديدة لصالحهم.”
افتكرت فورًا كلام كريم. الهروب.
تزوير الهوية.
الضغط. لكن حاجة واحدة ماكانت راكبة. “طب كريم اتسجن.” منى بصتلي بنظرة غريبة:
“إنتي متأكدة؟” سكت. الحقيقة إن من يوم الحكم… ماشفتهوش. كل اللي كنت أعرفه جاي من المحامين والشرطة. منى طلعت صورة وحطتها قدامي. ولما شفتها… الدم اتجمد في عروقي. كريم. الصورة جديدة. لابس بدلة سودا، واقف قدام عربية فخمة، وتاريخ الصورة من أسبوع. همست:
“لا… مستحيل.” “كريم ما دخلش السجن.” “إنتي بتكدبي.” “الراجل اللي اتحاكم مكانه كان شخص شبهه.”
حسيت نفسي هقع. يعني حتى النهاية كانت كذبة؟ دموعي نزلت غصب عني:
“ليه؟… ليه يعمل كل ده؟” منى ردت بهدوء:
“عشان كريم ماكانش مجرد ضحية.” وسكتت لحظة قبل ما تكمل: “كان واحد من مؤسسي الشبكة.” الكلمة ضربتني كأنها رصاصة. لا. مستحيل. كريم كان كذاب… جبان… لكن مش وحش للدرجة دي. “إنتي بتحاولي تنتقمي منه.” منى فتحت ملف تاني. وفيه عقود… حسابات… وتحويلات بملايين. وكلها باسم كريم. افتكرت كل اللي تجاهلته زمان:
سفره المفاجئ.
فلوسه الكتير.
توتره الدائم.
أنا عمري ما كنت أعرفه. وفجأة سألت السؤال اللي كان بيقتلني:
“طب ابني؟” منى بصتلي بجدية:
“ابنك في خطر طول ما هو عايش.” حضنت نفسي بخوف:
“ليه؟” “لأن كريم كتب كل أملاكه وتحويلاته السرية باسم الطفل.” شهقت. “يعني الناس دي…” “هتفضل تدور عليه طول عمرها.” وفي اللحظة دي… سمعنا صوت عربية وقفت برا المخزن. منى بصت ناحية الباب واتوتر-ت:
“هما وصلوا أسرع مما توقعت.” صرخت:
“مين؟!” لكن قبل ما ترد… رصاصة اخترقت الإزاز فجأة. الزجاج انفج-ر حوالينا.
منى شدتني بسرعة ووقعتني على الأرض. وصوت رجالة دوّى برا: “هاتوا الطفل… والباقي مالوش لازمة!” يتبع
