Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

الاستها-نه بالام بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

جوزي طرد المربية وخلّى أمي اللي دراعها مكسور ترعى عيالنا الأربعة — فقررت أعلّمه درس عمره ما هينساه أمي، الحاجة فاطمة، كانت لسه عاملة عملية بعد ما وقعت واتكس-ر دراعها. الدكتور قال لها بوضوح إنها ممنوع تشيل أي حاجة تقيلة أو تبذل أي مجهود لمدة شهرين على الأقل لحد ما العضم يلم كويس. أمي عندها 68 سنة وعايشة لوحدها في المنصورة، فقلت أجيبها تقعد معانا شوية في القاهرة عشان أقدر أخدمها وأهتم بيها. طبعًا قبل ما أعمل كده، سألت جوزي محمود إذا كان موافق، وقال إنه معندوش أي مشكلة.

تاني يوم بعد ما أمي وصلت، جالي تليفون من الحضانة بيقولوا إن محدش جه ياخد بنتي الصغيرة اللي عندها 3 سنين. استغربت جدًا، لأن المربية منى هي اللي كانت دايمًا بتروح تجيبها. سيبت الشغل وجريت على الحضانة وجبت البنت بنفسي. بالليل حكيت لمحمود اللي حصل، لكنه ابتسم وقال بكل برود: “إحنا محتاجين مربية ليه أصلًا؟ أنا مشّيتها. أمك قاعدة معانا دلوقتي، وهي تقدر تاخد بالها من العيال. ولا هي جاية تعيش هنا ببلاش؟” أمي كانت واقفة جنبنا، وقالت بهدوء:

“يا بنتي، عادي. أنا لازم أساعدكم بأي طريقة، وممكن أخد بالي من الأطفال.” أمي طول عمرها طيبة وبتستحمل فوق طاقتها. أنا ومحمود بنشتغل دوام كامل، وعندنا أربع أطفال صغيرين. إزاي ست كبيرة ودراعها مكسور هتقدر تطبخ وتنضف وتغسل وتراعي أربع عيال؟ أنا ما جبتهاش هنا عشان تبقى خدامة. لكن محمود ز-عق بعصبية وقال: “أمك لازم تعرف مكانها. كل الجدات بتربي أحفادها، ومحدش بيصرف آلاف الجنيهات على مربيات!” حسيت إن دمي غلي. بصيت لأمي وقلت لها:

“متعمليش أي حاجة يا ماما، وأنا هتصرف.” لكن تاني يوم لما رجعت من الشغل، لقيت أمي بتحاول تطبخ وتغسل المواعين وتلم البيت بإيد واحدة. وقتها كنت هتجنن من الغضب. لكن في نفس اللحظة، كانت فكرة عبقرية اتكونت في دماغي. محمود كان على وشك يتعلم درس يستاهله. وبعد حوالي ساعة، خرج من أوضة النوم ووشه أحمر من العصبية، وبص لي وهو بيصرخ: “إنتِ اللي عملتي كده؟! إنتِ إزاي تتجرأي وتعملي كده؟!” بصيت له بهدوء شديد، وقلت:

“آه، أنا اللي عملت كده.” كان ماسك موبايله في إيده ووشه متحول. “إنتِ بعتّي رسالة لماما؟!” هززت راسي. “آه، بعتّ لها كل اللي حصل.” والدة محمود كانت ست قوية جدًا، وعمرها ما كانت بتقبل الظلم. أنا صورت أمي وهي بتحاول تشيل حلة سخنة بإيد واحدة، وصورت الغسيل اللي كانت بتحاول تنشره وهي بتتألم، وبعتّ الصور كلها لحماتي مع رسالة قصيرة: “الحاجة فاطمة جاية تتعالج عندنا بعد العملية، لكن محمود قرر يطرد المربية ويخليها تربي الأطفال الأربعة وتخدم البيت كله.”

بعد أقل من ساعة، حماتي كانت واقفة قدام باب البيت. دخلت من غير حتى ما تسلم عليه. وبمجرد ما شافت أمي وهي بتحاول تقطع الخضار بإيد واحدة، انفجرت فيه. “إنت اتجننت يا محمود؟!” حاول يدافع عن نفسه. “يا أمي، الموضوع مش مستاهل…” قاطعت كلامه فورًا. “واحدة عاملة عملية ولسه خارجة من المستشفى وإنت مستغلها؟!” سكت محمود. ولأول مرة من سنين، شفته مش عارف يرد. حماتي فضلت توبخه قدامنا كلنا. وقالت له: “أبوك لو كان عايش كان اتكسف منك.”

الكلمة دي أصابته في مقتل. فضل ساكت وباصص في الأرض. أما أمي فكانت بتحاول تدافع عنه كعادتها. “سيبيه يا أم محمود، أكيد مكنش يقصد…” لكن حماتي ردت بحزم: “لا، كان يقصد. واللي عمله غلط.” بعد ما مشيت حماتي، دخل محمود أوضة المكتب وقفّل على نفسه. وأول مرة من بداية الأزمة، بدأ يفكر فعلًا في اللي عمله. فضل محمود محبوس في المكتب أكتر من ساعتين. ولما خرج، كان شكله مختلف. لا صريخ، ولا عصبية، ولا تبريرات.

قعد على السفرة وساكت. أنا وأمي كنا بنجهز العشا، لكنه فجأة قام وقال: “سيبي يا طنط… أنا هعمله.” أنا وأمي بصينا لبعض باستغراب. أول مرة أشوفه بيجهز السفرة بنفسه من سنين. بعد العشا، جمع الأطباق وبدأ يغسلها. طبعًا الأطفال افتكروا إن في حاجة غريبة بتحصل. ابني الكبير سأل: “بابا… إنت معاقَب؟” كتمت ضحكتي بالعافية. أما محمود فتنهد وقال: “لأ يا حبيبي… بابا بس اكتشف إنه كان غلط.” في الليلة دي، دخل أوضة أمي وخبط على الباب.

كنت واقفة في الممر وسمعت جزء من الكلام. قال لها: “أنا آسف يا طنط فاطمة.” أمي ابتسمت وقالت: “خلاص يا ابني، حصل خير.” لكنه هز راسه. “لا… مش حصل خير. أنا فعلًا ظلمتك.” وبعدين مد لها ظرف أبيض. فتحت الظرف باستغراب. كان جواه مبلغ محترم من الفلوس. قال لها: “ده ثمن العلاج والأدوية وأي حاجة تحتاجيها.” أمي حاولت ترفض. لكنه أصر. تاني يوم الصبح، وأنا في الشغل، جالي إشعار من البنك. دخلت أبص عليه. لقيت محمود محول مبلغ كبير لحساب المربية منى.

اتصلت بيه فورًا. رد وقال: “رجعتها للشغل.” قلت: “بجد؟” قال: “آه… وكمان دفعت لها مرتب الشهر اللي ضاع بسبب قراري الغبي.” ولأول مرة من أيام، حسيت إن في أمل. لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بأسبوع. رجعت البيت بدري شوية. لقيت أمي قاعدة بتشرب شاي في البلكونة ومستريحة. الأطفال بيلعبوا. البيت نضيف. والعشا جاهز. استغربت وسألت: “مين عمل كل ده؟” أمي ضحكت وأشارت ناحية المطبخ. دخلت لقيت محمود لابس مريلة مطبخ وبيحاول يطفي حلة كانت هتتحر-ق.

بمجرد ما شافني قال: “متضحكيش… أنا لسه بتعلم.” وانفجرت من الضحك. بعدها بشهور، دراع أمي خف تمامًا. ويوم ما كانت راجعة المنصورة، محمود هو اللي وصلها بنفسه. وقبل ما تنزل من العربية، قال لها: “أنا مدين لحضرتك باعتذار طول عمري.” ابتسمت أمي وربتت على كتفه. وقالت: “الغلط مش عيب يا ابني… العيب إن الواحد يعرف إنه غلط ويكابر.” سكت لحظة، ثم رد: “أعتقد إني أخدت الدرس أخيرًا.” وأول ما العربية اتحركت، بصيت من الشباك وشفت أمي بتلوّح لنا وهي مبتسمة.

وقتها عرفت إن أحيانًا أقوى درس مش بيكون بالصريخ أو الانتقام… أحيانًا بيكون إنك تخلي الإنسان يشوف الحقيقة بعينه، وساعتها ضميره هو اللي يتكفل بالباقي. النهاية. حكايات المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!