الندم بعد 25 سنه بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أنا عندي ٤٩ سنة، واليوم اللي جوزي فيه سابني ماكانش فيه خناق ولا تكسير أبواب… كان فيه صمت بس.
ابني كان لسه مولود من كام ساعة، نايم على صدري، لما دكتور المخ والأعصا-ب قال بهدوء إن ابننا هيعيش طول عمره على كرسي متحرك. كنت لسه بحاول أستوعب الكلام، لما جوزي “وائل” مد إيده خد مفاتيحه. حتى ما بصّش لابنه. قال ببرود:
“أنا مش هعرف أعيش الحياة دي… أنا ما وافقتش على كده.” وبعدين خرج من أوضة المستشفى كأنه سايب اجتماع طويل وممل. السنين اللي بعد كده ماكنتش بطولة… كانت تقيلة. مستشفيات ريحتها مطهرات. ورق وإجراءات عمري ما فهمتها. ليالي كنت بنام فيها على الأرض جنب ابني “آدم”، وأنا بمرّن رجليه وهو بيعيط، وإيديا نفسها بتترعش من التعب.
الناس كانوا يوطّوا صوتهم وهم بيتكلموا عن مستقبله. “حركته هتكون محدودة.”
“لازم نقلل توقعاتنا.” واتعلمت أتجاهلهم. لأن وهو عنده عشر سنين، كان بيصحح للدكاترة معلوماتهم. ولما بقى عنده خمستاشر سنة، كان بيقرأ أبحاث طبية أنا نفسي ماعرفش أنطق أساميها. كان بيكره الشفقة أكتر ما بيكره الوجع. والمعجزة حصلت بالتدريج… العلاج الطبيعي بقى تقدم. الكرسي المتحرك بقى عكاز. والعكاز بقى يستخدمه كل فين وفين. ودخل كلية طب. واتخرج من أوائل الدفعة. الأسبوع اللي فات، قبل التخرج بكام يوم، لقيته قاعد ساكت بشكل غريب… إيده ثابتة وفكه مشدود.
سألته:
“مالك يا حبيبي؟” اتردد شوية وقال:
“بابا كلمني.” حسيت جسمي تلج. قال:
“عايز يحضر التخرج… عرف إني بقيت بمشي.” طبعًا عرف. كنت عايزة أرفض. كنت عايزة أحميه. بس آدم بصلي بهدوء وقال:
“أنا اللي عزمته.” وجِه يوم التخرج بسرعة. القاعة كانت مليانة ناس… وفجأة دخل وائل. واثق من نفسه. مبتسم. كأنه هو اللي تعب وربّى وكافح. اتخنقت من جوايا… بس سكت. ولما آدم طلع على المسرح… كان ماشي بثبات وقوة، رفع عينه ناحية وائل وقال:
“يا أستاذ وائل… أنا فضلت أتمرن على اللحظة دي سنين.” وبعدين عمل حاجة خلت خطاب التخرج يتحول للحظة عمر وائل ما هينساها… ومش هيقدر يقوم منها أبدًا. آدم وقف قدام الميكروفون، والقاعة كلها ساكتة. كان لابس روب التخرج الأسود، وشكله أكبر بكتير من سنه… كأن التعب اللي عاشه خلاه أقدم من الزمن نفسه. بص ناحية وائل مرة تانية وقال: “وأنا صغير، كنت فاكر إن كل الأطفال بيصحوا بالليل على صوت أمهم وهي بتعيط في الحمام.”
الناس بدأت تبص لبعضها. وأنا حسيت قلبي بيتقبض. آدم كمل بهدوء: “كنت فاكر إن كل الأمهات بينزلوا يشتغلوا شيفتات زيادة، ويرجعوا يشيلوا ابنهم على ضهرهم عشان الكرسي المتحرك باظ في نص الشارع.” وائل ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج. “كنت فاكر إن كل الأطفال بيكبروا من غير أب.” القاعة بقت ساكتة زيادة. لدرجة إنك تقدر تسمع صوت التكييف. آدم طلع نفس طويل وقال: “بس لما كبرت… فهمت إن مش كل الآباء بيهربوا.” الناس بدأت تستوعب إن الكلام مش مجرد خطاب نجاح عادي.
وائل حاول يضحك الضحكة السمجة بتاعته، وبص للي حواليه كأنه مش متأثر. لكن آدم ما ادالوش فرصة. قال:
“أبويا الحقيقي… هو الشخص اللي فضل موجود.” وبعدين لف ناحيتي. أنا حرفيًا نسيت أتنفس. قال:
“أمي ماكنتش دكتورة… لكنها حفظت مواعيد العلاج أكتر من الدكاترة نفسهم.” القاعة بدأت تصقف، لكنه رفع إيده بهدوء وكمل: “كانت بتصحى الفجر تشتغل في مخبز في شبرا، وبعدها تروح بيا جلسات العلاج الطبيعي في القصر العيني.” ناس كتير بدأت تمسح دموعها. “ولما كنت أرجع منهار من الألم، كانت تقعد جنبي طول الليل، وتقولي: هتمشي يا آدم… حتى لو الدنيا كلها قالت لأ.”
أنا حطيت إيدي على بقي. ماكنتش قادرة أستحمل. آدم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“وأنا صغير كنت بزعل منها… كنت فاكرها بتكدب عليا عشان أهدى.” وسكت لحظة. “بس طلعت هي الوحيدة اللي كانت شايفاني صح.” القاعة انفجرت تصفيق. أما وائل… فكان وشه بقى أحمر. واضح إنه مش مستوعب إن الناس كلها بقت شايفاه. آدم كمل:
“من أسبوع، الراجل اللي سابنا من ٢٥ سنة كلمني.” ناس بدأت تبص لوائل مباشرة. “قالي إنه فخور بيا.” ضحكة خفيفة ساخرة خرجت من آدم.
“والحقيقة؟ أنا ماعرفش هو فخور بإيه بالظبط.” الصمت رجع تاني. “فخور إني بقيت بمشي؟” بص على رجليه. “ولا فخور إني بقيتش محتاج الكرسي اللي خلاه يهرب؟” وائل بدأ يتحرك في كرسيه بتوتر. آدم قال:
“أنا كنت محتاج أب وأنا عندي خمس سنين، مش وأنا دكتور ناجح.” الجملة نزلت على القاعة كلها زي الطوبة. واحدة ست كبيرة في الصفوف الأولى مسحت دموعها. آدم أخد نفس وقال:
“لما كان عندي حرارة ٤٠ وأنا طفل، أمي هي اللي شالتني وجريت بيا على مستشفى المطرية الساعة ٣ الفجر.”
وبص لوائل. “أنت كنت فين؟” وائل بلع ريقه. ما ردش. “لما الولاد كانوا بيتريقوا عليا عشان مش بعرف أجري زيهم، أمي هي اللي فضلت تقنعني إني مش أقل من حد.” وسكت ثانية. “أنت كنت فين؟” القاعة كلها بقت مركزة مع كل كلمة. “لما أول مرة وقفت على رجلي وقعت واتكسرت نفسيتي… أمي هي اللي شجعتني أقف تاني.” وبصله للمرة التالتة. “أنت… كنت فين؟” وائل نزل عينه في الأرض. لأول مرة. آدم ابتسم ابتسامة وجع أكتر منها سعادة.
وقال:
“عارف إيه أغرب حاجة؟” الناس كانت مستنية. “إني طول عمري كنت فاكر إن عندي مشكلة عشان جسمي ضعيف.” هز راسه. “لكن مع الوقت اكتشفت إن الإعاقة الحقيقية… عمرها ما كانت في رجلي.” وبص لوائل مباشرة. “كانت في قلبك.” القاعة اتجمدت. ثواني كاملة محدش اتحرك فيها. بعدها التصفيق انفجر بشكل مرعب. ناس قامت واقفة. وأنا كنت بعيط بطريقة عمري ما عيطتها قبل كده. وائل حاول يقوم، واضح إنه عايز يمشي. لكن آدم قال بسرعة:
“استنى… لسه ما خلصتش.”
وائل وقف مكانه. آدم مد إيده لحد من إدارة الجامعة، وخد منهم ظرف أبيض. وقال:
“طول عمري كنت مستني اليوم اللي أشوف فيه أبويا.” بص ناحية وائل. “بس النهارده فهمت إن الراجل اللي قدامي… مجرد شخص شاركني في الجينات.” القاعة هديت تاني. “الأب الحقيقي هو اللي بيقعد جنب ابنه وقت الضعف… مش وقت النجاح.” وبعدين فتح الظرف. وقال:
“من سنة تقريبًا، جالي عرض شغل من مستشفى كبيرة جدًا في ألمانيا.” الناس بدأت تهمهم بإعجاب. “مركز متخصص في علاج وتأهيل الأطفال اللي عندهم إصا-بات عصبية وحركية.”
أنا بصيتله بصدمة. هو ماقاليش. ابتسملي بهدوء. وقال:
“وقبلت العرض.” القاعة انفجرت تصفيق مرة تانية. بس هو رفع إيده وسكتهم. “السبب إني قبلت… مش الفلوس.” وبص ناحية وائل. “السبب إني كنت عايز أبقى الشخص اللي أنا نفسي كنت محتاجه وأنا صغير.” أنا حسيت إني مش قادرة أوقف دموعي. آدم نزل من على المسرح ببطء. وكل الناس قامت واقفة تسقفله. لكن هو ما راحش لوائل. راح ناحيتي أنا. وقف قدامي، وسط القاعة كلها، وشال قبعة التخرج من على راسه… وحطها على راسي أنا.
وقال:
“الشهادة دي بتاعتك.” أنا انفجرت في العياط. حضنته بكل قوتي. والقاعة كلها كانت بتسقف. أما وائل… فكان واقف لوحده. محدش بصله.
محدش قرب منه. ولأول مرة في حياته، باين عليه إنه فهم يعني إيه تبقى متساب. بعد الحفلة، ناس كتير فضلت تيجي تسلم على آدم. دكاترة.
صحفيين.
أهالي طلبة. كلهم عايزين يتصوروا معاه. أما وائل ففضل واقف بعيد، متردد. وبعدين أخيرًا قرب. قال بصوت واطي:
“آدم… ممكن نتكلم؟” آدم بصله ثواني. وقال:
“اتفضل.” أنا كنت همشي، لكنه مسك إيدي وقال:
“خليكي يا أمي.”
وائل اتوتر. واضح إنه ماكنش عايزني أسمع. بس آدم كمل بثبات:
“أي حاجة تتقال دلوقتي… المفروض كانت تتقال من زمان.” وائل أخد نفس طويل وقال:
“أنا غلطت.” آدم ما ردش. “كنت صغير… وخوفت.” آدم قال بهدوء:
“لا. أنت ما خوفتش.” وائل سكت. “أنت اخترت نفسك.” الكلمة أصابته في مقتل. وائل بصلي أنا وقال:
“عارف إن مفيش مبرر… بس ممكن نبدأ من جديد؟” آدم فضل ساكت شوية. وبعدين قال:
“تعرف أصعب حاجة في الغياب إيه؟” وائل هز راسه بالنفي.
“إن الشخص الغايب بيبقى فاكر إن الزمن وقف مستنيه.” الصمت وقع بينا. “بس الحقيقة… إحنا اتعلمنا نعيش من غيرك.” وائل عينه اتمليت دموع لأول مرة. قال:
“أنا ندمت.” آدم رد بسرعة:
“الندم سهل.” الجملة كانت حادة جدًا. “التربية هي اللي كانت صعبة.” أنا شفت وائل بيتكسر قدامي. لكن الغريب… إني ماحسّتش بشماتة. بس فراغ. ٢٥ سنة من الوجع ما بيتعوضوش باعتذار. وائل قال بصوت مبحوح:
“يعني دي النهاية؟” آدم بصله بهدوء غريب. وقال:
“لا.” وائل رفع عينه بأمل.
لكن آدم كمل:
“دي نتيجة اختياراتك.” وسابه واقف… ومشي. خرجنا من الجامعة سوا. الهوا كان دافي، وشمس المغرب نازلة على مباني القاهرة بلون برتقاني هادي. ركبنا العربية، وفضلنا ساكتين شوية. وبعدين آدم بصلي وقال:
“زعلانة إني قسيت عليه؟” أنا بصيتله وابتسمت وسط دموعي. وقلت:
“لا يا حبيبي.” سكت لحظة. “أنا بس… فخورة بيك.” ابتسم، وسند راسه على الكرسي بتعب. ولأول مرة من سنين طويلة… حسيت إن رحلتنا الثقيلة أخيرًا وصلت لمكان يستحق كل الوجع اللي عشناه.
تمت حكايات المجهول
