سرّ اختـ,ـفاء أمي بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

آخر مرة شفت فيها أمي كان عندي سبع سنين.
كان يوم عادي جدًا. كانت بتسرّح شعر أختي التوأم “سارة”، وأنا بحاول ألبس الجزمة بالعافية. باستنا إحنا الاتنين في جبيننا، وركبنا العربية وودّتنا المدرسة في طنطا. قالت وهي مبتسمة:
“هعدّي عليكم بعد المدرسة يا حبايبي.” بس ما رجعتش. بعد الضهر، بدل ما أمي تيجي، جه أبويا. وشّه كان باين عليه التعب، وقال بصوت واطي:
“أمكم… مش راجعة.” ما فهمناش وقتها.
استنيناها بالليل. واليوم اللي بعده. واللي بعده.
بس أمي اختفت… كأنها ما كانتش موجودة أصلًا. بعد كام شهر، “نجلاء” دخلت حياتنا. مرات أبونا. في الأول كانت بتتعامل بلطف، وكأنها جاية تصلّح اللي اتكـ,ـسر. لكن مع السنين، اللطف اتحوّل لتحكم. كل ما نطلب أي حاجة كانت تقول:
“احمدوا ربنا إني مستحملاكم. أمكم الحقيقية رمتكم ومشيت… أنا اللي فضلت.” كبرنا وإحنا مقتنعين إننا مش مرغوب فينا. وعشان كده، قبلنا كل حاجة. هدوم مستعملة.
أكل على القد.
مفيش أعياد ميلاد.
مفيش فسح ولا مصايف. دايمًا كانت تتنهد وتقول:
“الدنيا ضيقة والفلوس بالعافية.”
بس الغريب إن الفلوس ما كانتش بتضيق عليها هي. شنط ماركات.
موبايلات جديدة.
سبا وكوافير كل أسبوع. والسنين عدّت. وبقينا من النوع اللي ما بيطلبش حاجة من حد. لحد عيد الأم السنة دي. أختي ما قدرتش تيجي، فقررت أفاجئ نجلاء بنفسي. اشتريت لها ورد علشان أشكرها إنها فضلت معانا. لما وصلت البيت، لقيت الباب موارب.
سمعت صوت ضحكها جاي من المطبخ… الضحكة اللي ما بتطلعش منها غير لما تكون متأكدة إن محدش سامعها. كانت بتتكلم في التليفون.
وقفت في الطرقة، مستنية تخلص. وفجأة… سمعت اسمي. قالت وهي بتضحك:
“والله لحد دلوقتي مش مصدقة إن البنتين الأغبية دول ما شكوشش في حاجة طول خمستاشر سنة! دول طلعوا ساذجين بشكل يضحك… وحتى أمهم الهبلة قدرت أضحك عليها.” وسكتت لحظة، وبصت حواليها ببطء. اتجمدت مكاني ورا الحيطة، حتى نفسي حبسته. بعدها وطّت صوتها خالص، وقالت كلام خلّى رجلي ما بقتش شايلاني. في اللحظة دي… عرفت أخيرًا ليه أمي ما رجعتش. وعرفت نجلاء عملت فيها إيه فعلًا.
قلبي كان بيدق بعنف، وإيدي بتترعش لدرجة إن الورد وقع مني على الأرض من غير ما أحس. نجلاء كمّلت كلامها وهي بتضحك:
“أكيد فاكرة لحد دلوقتي إن جوزها خانها معايا بس… يا شيخة دي لو تعرف إني أنا اللي بعتلها الصور والرسائل من موبايله كانت ماتت قهر.” حسيت الدنيا بتلف بيا. صور؟
رسائل؟ أمي سابتنا علشان افتكرت إن أبويا خانها؟ سمعت صوت الست اللي معاها في التليفون وهي بتقول بدهشة:
“بس إزاي صدقت بسهولة كده؟”
نجلاء ردت بفخر:
“لأنها كانت طيبة زيادة عن اللزوم. وأنا استغليت ده. جبت خط جديد، وبعتلها صور ليا أنا وجوزها بعد ما كنت بقصّد أقرّب منه قدام الناس. وبعدها بعتلها رسالة إني حامل منه.” شهقت وحطيت إيدي على بقي علشان ما تصرخش. كانت بتكمل وكأنها بتحكي موقف مضحك. “طبعًا ما كنتش حامل ولا حاجة… بس الست انهارت. وفي نفس الأسبوع اختفت. حتى جوزها ما عرفش إنها كانت رايحة تقابله آخر مرة علشان تواجهه.” صوت الست سألها:
“طب والبنتين؟”
نجلاء ضحكت أكتر:
“البنتين كانوا صغار. أي كلام يتقالهم يصدقوه. وأنا لعبت دور الأم المضحية سنين… لحد ما بقى مستحيل يدوروا ورا الحقيقة.” ما قدرتش أسمع أكتر. دخلت المطبخ فجأة. نجلاء اتخضت، والتليفون وقع من إيديها. بصتلي ووشها اصفرّ:
“إنتي… جيتي إمتى؟” بصيتلها وأنا حاسة إني بشوف شخص غريب لأول مرة. قلت بصوت مخنوق:
“أمي ما سابتناش… إنتي اللي دمـ,ـرتي حياتها.” بدأت تتلعثم:
“إنتي فاهمة غلط…” صر-خت فيها لأول مرة في حياتي:
“اسكتي!” البيت كله سكت.
حتى هي نفسها اتجمدت. دموعي نزلت وأنا بقول:
“خمستاشر سنة… خمستاشر سنة خلتينا نكره أمنا ونفتكر إنها باعتنا.” دخل أبويا في اللحظة دي، واضح إنه سمع آخر جملة. بصلنا باستغراب:
“في إيه؟” لفّيت ناحيته ببطء، وقلت:
“تعرف إن ماما ما هربتش؟ تعرف إن مراتك هي اللي لفقت كل حاجة؟” وش نجلاء اتقلب رعب. وأبويا فضل واقف مكانه، كأنه مش مستوعب الكلام. ولأول مرة من سنين… بدأت الحقيقة تطلع للنور. أبويا بص لنجلاء، وبعدين بصلي، وكأن عقله رافض يصدق أي كلمة.
قال بصوت متقطع:
“الكلام ده… مش حقيقي، صح يا نجلاء؟” نجلاء حاولت تضحك، بس ضحكتها كانت مكسـ,ـورة.
“طبعًا مش حقيقي… دي فاهمة غلط.” لكن قبل ما تكمل، قلت بسرعة:
“سمعتها بنفسي. كانت بتحكي لصاحبتها إنها هي اللي بعتت الصور والرسائل لماما.” أبويا قرب منها خطوة.
“ردي.” لأول مرة، نجلاء ما عرفتش تمثل. وشها شحب، وعينيها راحت يمين وشمال. وفجأة قالت بعصبية:
“وأنا يعني لو عملت كده؟! ما أنت أصلًا كنت بتحبني!” الصمت نزل على البيت كله.
أبويا فتح عينيه بصدمة، كأن الجملة نفسها خبطته. كملت وهي بتصرخ:
“أيوه! كنت بحبك من قبل ما تتجوزها أصلًا! وهي كانت دايمًا عندها كل حاجة… البيت، الحب، العيلة… وأنا ولا حاجة!” قال أبويا بصوت واطي مليان قهر:
“فدمرتي حياتها؟” نجلاء ردت ببرود مرعب:
“أنا ما طلبتش منها تختفي.” الكلمة دي خلت قلبي يقف. قلت بسرعة:
“يعني إيه تختفي؟” نجلاء سكتت. وأبويا قرب منها أكتر:
“هي راحت فين يا نجلاء؟” بدأت تتوتر فعلًا.
“معرفش.” صرخ فيها:
“كدب!”
وفجأة… انهارت. قعدت على الكرسي وهي بتعيط بشكل هستيري:
“هي كانت جاية تقابلك يومها… وأنا قابلتها الأول.” نفسي اتقطع. “قولتلها إنك خلاص اخترتني… وإنك ناوي تاخد البنات منها كانت منهارة وبتعيط سابت العربية ومشيت على الطريق الزراعي… وبعدها سمعت إنها عملت حا-دثة.” حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي. أبويا سألها بصوت مخـ,ـنوق:
“حـ,ـادثة؟” هزت راسها وهي بتبكي:
“العربية خبطتها وهي بتحاول تعدي الطريق… وبعدها اختفت من المستشفى.” أنا اتجمدت. “إزاي يعني اختفت؟” قالت وهي بتتنفس بصعوبة:
“لأنها فقدت الذاكرة.”
الوقت وقف. حتى صوت الساعة في الصالة اختفى. نجلاء بصتلنا بخوف وقالت:
“عرفت بعدها بشهور إنها عايشة في دار رعاية في إسكندرية… بس ما قلتش لحد.” شهقت وأنا حاسة قلبي بيتقطع:
“يعني… أمي كانت عايشة طول السنين دي؟” نجلاء غمضت عينيها. وأبويا لأول مرة في حياتي… بكى. بكى بصوت عالي، كأنه راجل انهزم قدام عمر كامل ضاع منه. أما أنا…
فكل اللي كنت بفكر فيه وقتها هو سؤال واحد: لو أمي لسه عايشة…
هل هتفتكرنا لما تشوفنا؟
تاني يوم الصبح، أنا وأختي وأبويا كنا راكبين العربية في طريقنا لإسكندرية. الطريق كان طويل… وصامت بشكل يخنق. أختي كانت ماسكة إيدي جامد، كأنها خايفة نصحى ونكتشف إن كل ده كابوس. أما أبويا، فكان سايق وهو باصص قدامه بس، وعينيه حمرا من العياط والسهر. ولا مرة في حياتي شفته مكسور كده. بعد أربع ساعات، وقفنا قدام دار رعاية صغيرة قديمة جنب البحر. اللافتة كانت باهتة، والحيطان لونها متقشر. قلبي كان بيدق بسرعة مرعبة. دخلنا. ريحة المطهرات والمكان الهادئ خلتني أرتجف.
قابلتنا ست كبيرة في السن، بابتسامة هادية. أبويا قال بصوت متوتر:
“إحنا بندور على واحدة اسمها منى… جات هنا من حوالي خمستاشر سنة.” الست بصتله باستغراب، وبعدها قالت:
“منى؟” وقفت ثواني تفكر، وفجأة ملامحها اتغيرت. “تقصدوا الست اللي كانت فاقدة الذاكرة؟” حسيت نفسي مش قادرة أتنفس. هزّ أبويا راسه بسرعة. الست تنهدت وقالت:
“هي هنا فعلًا… بس حالتها صعبة.” رجلي كانت هتخونّي. مشينا وراها لحد أوضة في آخر الطرقة. وقفت الست قدام الباب وقالت بهدوء:
“هي ساعات بتفتكر حاجات بسيطة… وساعات لأ.”
إيدي كانت بتترعش وأنا الباب بيتفتح ببطء. وشفتها. ست هادية قاعدة جنب الشباك، شعرها فيه خصل بيضا، وجسمها أضعف بكتير من اللي فاكرة. لكنها… كانت أمي. أختي شهقت وبدأت تعيط فورًا. أما أنا… فوقفت مكاني. كأني رجعت سبع سنين في ثانية واحدة. أمي بصتلنا باستغراب. وبعدين بصت لأبويا. ملامحها اتشدت فجأة، وكأن ذكرى قديمة خبطتها. قالت بصوت ضعيف:
“أحمد؟” أبويا انهار. ركع قدامها وهو بيبكي:
“سامحيني يا منى… سامحيني.” أمي بصتله بعدم فهم، وبعدين عينيها جات علينا إحنا.
فضلت ساكتة كام ثانية. ثواني كانوا أطول من عمر كامل. وبعدين… رفعت إيديها المرتعشة ناحية أختي. وقالت بصوت مكسور:
“سارة؟” أختي صرخت وهي تجري عليها:
“ماما!” وأنا… ما قدرتش أتحرك. كنت خايفة. خايفة ما تكونش فاكراني. لكن أمي بصتلي فجأة… ودموعها نزلت لوحدها. وهمست:
“ليلى… إنتي لسه ما عرفتيش تربطي الجزمة لوحدك؟” انهرت. لأن دي كانت الجملة اللي قالتها ليا آخر يوم شفتها فيه. جريت عليها حـ,ـضنتها بكل قوتي، وأنا بعيط كأني بطلع وجع خمستاشر سنة مرة واحدة.
وأمي فضلت تضمنا… وتبكي معانا. في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة: الناس ممكن تسـ,ـرق منك سنين…
لكن عمرهم ما يقدروا يسـ,ـرقوا حب أم حقيقي.
