Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

العوده بعد المو-ت الجزء الاول بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

دفنت جوزي الشتاء اللي فات… وبعدها شوفته ماسك إيد ست تانية في القاهرة.

النعش في جنازة جوزي كان مقفول. كل الناس قالولي إن حادثة العربية كانت بشعة أوي… وإن مافيش حاجة أقدر أشوفها. فدفنت كريم من غير حتى ما أودعه الوداع الأخير. تمان شهور كاملة وأنا لابسة أسود… بنام على طرف واحد من السرير… وبعيط لحد ما أنام وأنا بسمع فويساته القديمة مرة ورا مرة. وبعدين، وأنا في مشوار شغل في القاهرة، شفت راجل واقف الناحية التانية من الشارع. في الأول افتكرت إني بتهيألي. بقالي شهور بشوف كريم في كل حتة… وسط الزحمة، في العربيات اللي بتعدي، حتى في إزاز المحلات.

بس المرة دي كانت مختلفة. الراجل لف وشه. وكان هو. حي. أول ما عيوننا اتقابلت، كريم ثبت مكانه. بس ماكنش لوحده. ست حامل كانت واقفة جنبه، ولفة إيديها حوالين وسطه كأن ده مكانها الطبيعي. الدنيا كلها اتهدت فوق دماغي. “كريم؟” همست وأنا جسمي كله بيترعش. وشه قلب أبيض. ولثانية… افتكرت إنه هيجري عليا. بس بدل كده، مسك إيد الست ومشي بسرعة وسط الناس. وأنا مرعوبة، رحت على طول القسم. لكن لما فتحوا ملف وفاة كريم من جديد… ظهرت تفاصيل مر-عبة.

وماقدرتش أنام الليلة دي. كنت قاعدة لوحدي في أوضة الفندق في مدينة نصر، ببص على صور المحاضر وتقارير الحا-دث المفروشة على السرير… وإيديا بترتعش. وفجأة… دق جامد وعن-يف على الباب. “يا أوليفيا…” صوت راجل همس من بره. قلبي وقف. وفي اللحظة اللي بعدها… الباب اتفتح بالراحة من الناحية التانية. ثانية واحدة من الرعب. الصدمة. وبعدين… الدنيا اسودت قدام عيني. صحيت وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر. الأوضة كانت ضلمة، والستارة بتتحرك مع الهوا الخفيف اللي داخل من الشباك. حاولت أتحرك… بس جسمي كان تقيل.

وفجأة افتكرت. الباب.
الصوت.
وكريم. قومت مفزوعة وبصيت ناحية الباب… لقيته واقف هناك فعلًا. نفس الطول.
نفس العيون.
حتى الجرح الصغير اللي جنب حاجبه. كريم كان حي. رجليا خانتني وأنا برجع لورا فوق السرير. “إنت… إنت مين؟!” صوتي خرج مكسور. كريم رفع إيده بهدوء:
“أوليفيا… اسمعيني بس.” “إسمعك؟!” صرخت وأنا دموعي نازلة. “أنا دفنتك! حضرت جنازتك! عشت تمان شهور بموت كل يوم!” وشه كله اتكسر بالذنب. ولأول مرة… شوفته خايف مني. قعد على طرف الكرسي وقال بصوت واطي:
“الحادثة كانت مدبرة.”

سكتت. حسيت إني مش فاهمة أي كلمة. كمل:
“أنا كنت مديون لناس خطر… ناس أكبر مني بكتير. ولما حاولت أهرب منهم، قالولي يا إما أختفي… يا إما هيمو-توك إنتِ كمان.” “كداب!” “والله دي الحقيقة.” رميت عليه ملف الحا-دث اللي كان في إيدي:
“طب والجثة؟! مين اللي دفنته بدل منك؟!” سكت. والسكون اللي حصل بعدها كان أبشع من أي إجابة. بصلي بعين مليانة رعب وقال:
“كان راجل تاني… مات في الحادث.” إيدي بدأت تسقع. بطني قلبت.

“يعني سيبت إنسان يندفن باسمك؟!” كريم غمض عينه:
“ماكنش عندي وقت… الناس دي رتبت كل حاجة شهادة الوفاة، المستشفى، حتى الدفن.” كنت ببصله وكأني أول مرة أشوفه. الراجل اللي حبيته عشر سنين… بقى غريب. لكن الحاجة اللي كسرتني فعلًا… ماكنتش الكدب. كانت الست الحامل. بلعت ريقي بالعافية وسألته:
“مين هي؟” كريم بص للأرض. وده كان كفاية أعرف الحقيقة. حسيت بقلبي بيتسحب مني بالعافية. “من إمتى؟” “بعد ما اختفيت بشهرين.” ضحكت. ضحكة طالعة من قلب مي-ت.

“يعني أنا كنت قاعدة أعيط عليك… وإنت بتبدأ حياة جديدة؟” “ماكنتش قادر أرجع.” “بس كنت قادر تخو-ن.” سكت. وقتها الباب خبط تاني. كلنا اتفزعنا. وكريم وشه فقد لونه فجأة. همس:
“هما وصلوا.” وفي نفس اللحظة… مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء. كريم جري ناحيتي بسرعة وهمس:
“اطفي النور… ومتطلعيش صوت.” قلبي كان هيقف. طفى الأباجورة، والأوضة غرقت في الضلمة. ماكنتش سامعة غير صوت أنفاسي السريعة… وصوت مقبض الباب بيتحرك سنة سنة. وبعدين… صوت خشن من بره:
“إحنا عارفين إنك هنا يا كريم.”

إيدي مسكت طرف السرير بقوة. كريم قرب من الشباك وبص لتحت بسرعة، وشه كان مليان ذعر:
“لا… لا…” همست:
“مين دول؟” رد بصوت مبحوح:
“الناس اللي هربت منهم.” وفجأة الباب اتخبط جامد. مرة.
واتنين.
وتلاتة. الحلق اتكسر. صرخت، وكريم شدني ناحية الحمام بسرعة قبل ما الباب يتفتح بالكامل. صوت رجالة دخلوا الأوضة. “فتشوا المكان!” كنت مستخبية مع كريم جوه الحمام، لازقة في الحيطة، سامعة خطواتهم وهي بتقرب. واحد منهم قال:
“البنت شافته في الشارع… قولتلكوا الموضوع خلص.”

كريم غمض عينه كأنه استسلم. وفجأة… موبايله رن. الصوت كان عالي بشكل مر-عب في السكون. الرجالة كلها سكتت. واحد منهم صرخ:
“جوه الحمام!” وفي ثانية، الباب اتكسر. كريم وقف قدامي فورًا وهو بيحاول يحميني. دخل راجل ضخم، وشه فيه جر-ح طويل، وبص لكريم بابتسامة باردة:
“كنت فاكر هتعرف تختفي العمر كله؟” كريم قال بعصبية:
“سيبها… هي مالهاش دعوة.” الراجل ضحك:
“بس هي بقت تعرف كتير.” وقبل ما أستوعب أي حاجة… طلع مسدس. صرخت، وكريم اندفع عليه.

صوت طلقة دوّى في الحمام الصغير. وداني صفرت. والدنيا وقفت. بصيت قدامي… ولقيت كريم واقع على الأرض. والد-م بينزل من تحت جسمه.

صرخت باسمه ونزلت على ركبتي جنبه، وإيديا كلها اتغرقت د-م.

“كريم! كريم بصلي!” كان بيتنفس بالعافية… وعينيه بتفتح وتقفل. الراجل اللي ضرب النار قرب مننا بهدوء، ولسه المسد-س في إيده. قال ببرود:
“كان لازم يسمع الكلام من الأول.” رفعت وشي وأنا بصرخ:
“إنتوا عايزين منه إيه؟!” الراجل ابتسم ابتسامة خوفتني:
“مش فلوس… إحنا عايزين حاجة أهم.” وقبل ما يكمل، صوت سرينة شرطة دوّى تحت الفندق. الرجالة اتوتروا فجأة. واحد منهم جري ناحية الشباك:
“البوليس وصل!” الراجل صاحب الجر-ح بص لكريم بغضب:
“محظوظ كالعادة.” وبعدين شاور لرجالته:
“يلا!”

في ثواني اختفوا من الأوضة. فضلت أنا وكريم وسط الد-م والفوضى. مسكت وشه بإيديا المرتعشة:
“استحمل… الإسعاف جاية.” بصلي بنظرة ضعيفة وقال:
“في حاجة لازم تعرفيها…” “اسكت دلوقتي.” “أوليفيا… البنت اللي معايا…” قلبي اتقبض. كمل وهو بيكح دم:
“ماكنتش مراتي.” سكت. “كانت أخت الراجل اللي مات في الحا-دث.” عيني وسعت بصدمة. “إيه؟!” “لما اكتشفت إن أخوها اتد-فن باسمي… هدد-ت تفضح كل حاجة. وبعدها عرفت إنها حامل منه قبل ما يمو-ت.” حسيت الأرض بتميل. يعني الست ماكنتش حبيبته… كانت جزء من الكارثة كلها.

كريم دموعه نزلت:
“أنا كنت جبان… سيبتك تعيشي الحداد لوحدك.” ماعرفتش أرد. لأن جزء مني كان لسه بيحبه… وجزء تاني عمره ما هيسامحه. وفجأة، عينيه ثبتت في نقطة ورايا. وشه اترعب. همس:
“لا… مستحيل.” لفيت ببطء. ولقيت الست الحامل واقفة عند باب الحمام. لكن اللي جمد الد-م في عروقي… إنها كانت ماسكة مسد-س هي كمان. الست دخلت بخطوات بطيئة، وعينيها كلها دموع وغضب. المسد-س كان بيترعش في إيدها… بس متوجه علينا مباشرة. “كفاية كدب بقى يا كريم.”

كريم حاول يقوم، لكنه وقع تاني من الألم:
“منى… اسمعيني.” صرخت فيه:
“أسمعك؟! بعد ما خلت أخويا يندفن باسمك؟!” أنا كنت ببص بينهم ومش قادرة أستوعب. منى قربت خطوة:
“إنت وعدتني إنك هتسلّم نفسك.” كريم بصلي بنظرة مكسورة:
“ماكنش ينفع… الناس دي كانت هتقتلنا كلنا.” منى ضحكت بمرارة:
“بس هما قتلوا أخويا فعلًا.” السكون في الأوضة كان مرعب. وفجأة… فهمت. الحادث ماكنش مجرد هروب. كان فيه سر أكبر. بصيت لكريم وأنا هامسة:
“إنت كنت سايق العربية؟”

كريم سكت. وده كان أخطر اعتراف. منى دموعها نزلت:
“كان سكران.” حسيت نفسي اتخبطت في الحيطة. “إيه؟” “ليلة الحادثة… كان سكران ومتهور. أخويا كان معاه في العربية. العربية اتقلبت… وأخويا مات.” بصيت لكريم بصدمة ورعب. الراجل اللي فضلت أبكي عليه شهور… كان السبب في موت إنسان. كريم بكى:
“ماكنش قصدي… والله ماكنش قصدي.” منى صرخت:
“بس سيبته يتحرق ويتدفن باسمك!” وفجأة… دوى صوت خطوات في الممر. الشرطة. منى اتوترت، والمسد-س في إيدها بدأ يهتز أكتر.

كريم بص لها برجاء:
“سلّمي السلا-ح… الموضوع انتهى.” لكن منى كانت منهارة. صرخت وهي بتعيط:
“انتهى؟! أخويا مات! وابني هييجي الدنيا من غير أب!” وبعدين رفعت المسد-س ناحية كريم مباشرة. في اللحظة دي… عملت الحاجة الوحيدة اللي جت في بالي. اندفعت عليها. الطل-قة خرجت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!