أسرار تحت الق-بر بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أنا و جوزي شريف استنينا سنين عشان ربنا يرزقنا بعيال.
سنين دكاترة، تحاليل، وأمل بيطلع وينزل لحد ما بقينا خايفين نحلم أصلًا. ولما التوأم دخلوا حياتنا، حسّينا إن الدنيا أخيرًا ادتنا كل حاجة نفسنا فيها. ملك ومريم كان عندهم خمس سنين لما ما-توا. كل حاجة حصلت فجأة.
في لحظة كانوا بيجروا ويضحكوا في الصالة… وبعدها حياتنا اتكسرت بطريقة لحد النهارده مش قادرة أوصفها. العزا عدى عليا كأنه كابوس. وشوش لابسة أسود، ناس بتهمس، وأنا مش حاسة بأي حاجة حواليا. وبعد اليوم ده، عمر حياتنا ما رجعت زي الأول.
شريف عمره ما سامحني. كان دايمًا يقول إن لو ماكنتش سبت البنات مع البيبي سيتر الليلة دي، كانوا لسه عايشين. فضل يكررها لحد ما ساعات كنت بصدق فعلًا إني السبب. والأقسى من كده… إن شريف نفسه هو اللي عرفنا على البيبي سيتر دي من البداية. بس الحزن مابيخضعش للمنطق. بعد سنة واحدة، جوازنا انتهى.
البيت بقى خانق… كل ركن فيه بيفكرني ببنتين صغيرين اختفوا من حياتي فجأة. اتطلقنا في هدوء، وكل واحد فينا اختفى من حياة التاني.
بعد موت البنات بسنتين، رحت المقابر لوحدي. ركعت قدام قبرهم في مدافن الأسرة في مدينة نصر، وحطيت ورد جديد قدام الرخامة اللي محفور عليها أساميهم وصورتهم وهم بيضحكوا. وقفت شوية أحاول آخد نفسي وسط الوجع اللي عمري ما عرفت أتجاوزه. وفجأة سمعت صوت طفل قريب مني. “ماما… البنات دول معايا في الفصل.” لفّيت بسرعة. ولد صغير، يمكن عنده ست أو سبع سنين، كان واقف في الممر مع مامته وبيشاور مباشرة على صورة ملك ومريم. أمه بصّتله باستغراب، وبعدها بصّت للقبر… وبعدين ليا.
قالت بإحراج:
“آسفة… أكيد هو متلخبط.” بس قلبي وقتها كان بيدق بعنف. قربت منهم والدموع مالية عيني. وقلت بصوت مهزوز:
“لو سمحتي… ممكن أسأله قصدُه إيه؟”
الولد بصلي بثقة غريبة، كأنه متأكد من اللي بيقوله.
قال:
“هما فعلًا معايا في المدرسة… بيقعدوا ورا عند الشباك.” أمه شدته من إيده بسرعة وقالت بتوتر:
“يلا يا يوسف… كفاية كلام.” بس أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني. ركعت قدام الولد وقلت بهدوء:
“إنت شفتهم فين؟” يوسف بص لصورة ملك ومريم تاني وقال:
“في المدرسة الجديدة… مدرسة النور. البنت اللي شعرها طويل اسمها ملك، والتانية مريم. هما مش بيتكلموا مع حد غير بعض.” نفسي اتقطع. مدرسة النور كانت بعيدة عن المقابر بحوالي نص ساعة… ومدرسة خاصة أصلًا. وأنا عمري ما سمعت عنها قبل كده.
أمه ابتدت تتوتر أكتر.
“بصي يا مدام… ابني خياله واسع شوية، أكيد شاف الصورة وربط بينها وبين بنات عنده في الفصل.” لكن يوسف هز راسه بعناد.
“لا يا ماما. هما نفس البنات. حتى الفستان الوردي ده… ملك كانت لابساه امبارح.” بصيت للصورة على القبر. ملك فعلًا كانت لابسة فستان وردي في الصورة. حسيت ببرودة ماشية في جسمي. سألت الولد:
“إنت متأكد إن دي نفسهم؟” قال بسرعة:
“آه. وفي واحدة فيهم قالتلي مرة إن مامتها بتعيط كتير.”
أمه اعتذرت بسرعة وسحبته ومشيت، لكن قبل ما يبعدوا، يوسف لف ناحيتي وقال:
“هما مستنيينك.” وقتها حسيت إني مش قادرة أتنفس. فضلت واقفة قدام القبر يمكن عشر دقايق كاملة، بحاول أقنع نفسي إن ده مجرد طفل بيهبد… مجرد صدفة سخيفة. لكن جملة واحدة فضلت تتكرر في دماغي: “هما مستنيينك.” رجعت البيت وأنا تايهة. وفي الليل، لأول مرة من سنتين، حلمت بملك ومريم. كانوا واقفين في فصل مدرسة، لابسين يونيفورم أبيض وكحلي، وبيبصوا عليا من بعيد. مريم كانت بتضحك، لكن ملك كانت بتقول حاجة مش سامعاها.
صحيت مفزوعة وقلبي بيدق بعنف. الساعة كانت ٦ الصبح. ومن غير ما أفكر، لبست وركبت عربيتي وروحت على مدرسة النور. وصلت مدرسة النور وأنا حاسة إني بعمل حاجة مجنونة. الجو كان بدري شوية، والأطفال لسه بيدخلوا من البوابة بإيدين أهاليهم. وقفت قدام المدرسة دقيقة كاملة مترددة… وبعدين دخلت. السكرتيرة بصتلي باستغراب.
“حضرتك جاية لمين؟” بلعت ريقي وقلت:
“أنا… كنت عايزة أسأل عن بنتين.” ابتسمت ابتسامة رسمية وقالت:
“أسماءهم؟” لساني تقيل وأنا بنطق:
“ملك… ومريم شريف.”
أول ما قلت الأسماء، ابتسامتها اختفت للحظة. وبعدين قالت بهدوء غريب:
“استني دقيقة.” قامت دخلت مكتب المديرة، وأنا قلبي كان هيقف. بعد دقيقتين، ست في أواخر الخمسينات خرجت تبصلي. ملامحها اتغيرت أول ما شافتني. “حضرتك… مدام نهى؟” اتجمدت مكاني.
“إنتِ تعرفيني؟” قالت بسرعة:
“اتفضلي المكتب.” دخلت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. قفلت الباب وقعدت قدامي وقالت بصوت واطي:
“أنا بجد ما توقعتش إنك تيجي هنا يوم.” سألتها وأنا حرفيًا مش قادرة أتنفس:
“فين البنات؟”
الست سكتت ثواني، وبعدين قالت:
“البنات مش هنا.” حسيت بخيبة مرعبة دخلت قلبي مرة واحدة. “أمال ابني اللي شافهم…؟” قاطعتني:
“بس في حاجة لازم تعرفيها.” فتحت درج مكتبها وطلعت ملف قديم. وحطت قدامي صورتين. إيدي كانت بتترعش وأنا بمسكهم. الصورتين كانوا فعلًا لملك ومريم. بس أكبر. يمكن بعمر سبع سنين. بصيتلها بصدمة:
“دي إيه؟!” قالت:
“الصورتين دول متاخدين من كاميرات المدرسة… بعد وفاة بناتك بسنة تقريبًا.” الدم جمد في عروقي. ضحكت بعصبية:
“إنتِ بتقولي إيه؟! ده مستحيل!”
قالت بسرعة:
“عارفة إنه مستحيل. وعشان كده مخبّين الموضوع من وقتها.” وبدأت تحكي. في أول يوم دراسة السنة اللي فاتت، أكتر من طفل قالوا إن فيه بنتين توأم بيلعبوا في الفسحة لوحدهم. المدرسات افتكروا الأطفال بيتخيلوا. لكن بعدها بأيام، الكاميرات جابت لقطات لبنتين شبه ملك ومريم بشكل مرعب. كانوا يظهروا ثواني… وبعدين يختفوا. ولا مرة دخلوا من البوابة. ولا مرة خرجوا. حسيت معدتي بتتقلب. “ليه… ليه محدش بلغني؟” المديرة بصتلي بحزن.
“لأن جوزك السابق جه هنا قبلِك.”
اتسعت عيني.
“شريف؟” هزت راسها.
“أيوه. ولما شاف التسجيلات… انهار تمامًا.” قلبي وقع. “هو كان يعرف؟” قالت بصوت مرتعش:
“هو طلب مننا ما نتواصلش معاكي أبدًا.” وقتها حسيت إن في حاجة أبشع من الحزن نفسه مستخبية عني طول السنين دي. قمت من مكاني بعنف. “ليه؟! ليه يعمل كده؟!” المديرة بصت بعيد شوية قبل ما تقول:
“لأنه كان مقتنع إن اللي حصل للبنات… مش حا-دث.” حسيت جسمي كله تلج. “يعني إيه؟” فتحت الملف قدامي أكتر، وطلعت ورقة مطبوعة من تقرير قديم.
“بعد وفاة ملك ومريم، الشرطة قفلت القضية بسرعة على إنها حادث تسمم بسبب تسريب غاز في الشقة.” أنا كنت عارفة الكلام ده طبعًا… حفظاه من كتر ما اتكرر قدامي. لكن المديرة كملت:
“بس شريف رجعلنا بعد شهور وقال إن فيه تفاصيل ماكانتش راكبة.” بصتلها وأنا حاسة إني داخلة نفق مظ-لم. قالت:
“البيبي سيتر اختفت بعدها بيومين.” اتسعت عيني.
“إيه؟” “محدش عرف يوصلها. رقمها اتقفل، وشقتها اتسابِت فاضية.” نفسي بقى تقيل. “وشريف… كان شاكك في إيه؟”
المديرة سكتت لحظة، كأنها مترددة تكمل. “كان شاكك إن البنات ما ماتوش بالطريقة اللي اتقالت.” في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتميل بيا. “إنتِ بتقولي إن حد قتلهم؟!” قالت بسرعة:
“أنا معرفش. بس شريف كان بيقول دايمًا إنه غلط لما وثق فيها.” “مين؟” “البيبي سيتر.” افتكرت فجأة كل حاجة كنت بحاول أنساها. البنت دي ظهرت فجأة في حياتنا. هادية زيادة عن اللزوم. شريف كان يعرفها من شغل قديم، وقال إنها محتاجة فرصة. والمريب… إن ملك ماكنتش بتحبها أبدًا.
مرة قالتلي:
“ماما، الست دي بتبص علينا وإحنا نايمين.” وقتها ضحكت وافتكرت خيال أطفال. لكن دلوقتي… ضحكتي دي بقت خنجر في قلبي. المديرة قربت مني وقالت:
“في حاجة لازم تشوفيها.” شغلت فيديو قديم على الكمبيوتر. كاميرا ممر في المدرسة. التاريخ ظاهر فوق: بعد وفاة البنات بسنة كاملة. الأول الممر كان فاضي. وبعدين… ظهروا. ملك ومريم. ماشيين ماسكين إيد بعض. نفس الشعر. نفس الملامح. نفس الطريقة اللي كانوا بيتحركوا بيها. حطيت إيدي على بقي عشان ماصرخش.
الفيديو كمّل. البنات وقفوا قدام فصل أولى ابتدائي… وبصوا مباشرة للكاميرا. وقتها الصورة شوشت فجأة. لكن قبل ما تختفي بثانية… ملك رفعت إيدها الصغيرة ناحية الكاميرا. كأنها بتشاور على حد. أو بتحذر من حاجة. وفجأة الشاشة اسودت. المديرة قفلت الفيديو بسرعة وهي مرعو-بة. أما أنا… فكنت حاسة إن في حاجة اتكسرت جوايا للأبد. لأن في اللحظة اللي الصورة شوشت فيها… كنت شفت شخص واقف آخر الممر. راجل طويل… بملامح مش واضحة. لكن كنت عارفة هو مين.
شريف.
رجعت لورا وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
“رجّعي الفيديو.” المديرة بصتلي بتوتر.
“مدام نهى—” “رجّعيه!” شغّلته تاني. الممر ظهر، وبعدها ملك ومريم دخلوا الكادر بهدوء، ماسكين إيد بعض زي ما كانوا بيعملوا دايمًا. دموعي نزلت أول ما شفتهم. لكن المرة دي كنت مركزة على آخر الممر. ولما الصورة شوشت للحظة… ظهر الراجل. واقف ثابت، نص جسمه في الضلمة. الصورة مش واضحة، لكني كنت متأكدة. شريف. همست:
“هو كان هناك…” المديرة بلعت ريقها.
“هو جه المدرسة أكتر من مرة.” لفّيتلها بسرعة.
“بعد موت البنات؟”
هزت راسها. “كان ييجي بالليل أحيانًا. مرة الأمن لقى مكتوب على سبورة فصل أولى:
(هما مش سايبيني).” جسمي كله قشعر. “مين كتبها؟” “ماحدش يعرف.” سكتت ثواني وبعدين قالت:
“بس خط الإيد كان شبه خط شريف.” طلعت من المدرسة وأنا تايهة. ركبت العربية وقعدت فيها يمكن نص ساعة، مش قادرة أدور الموتور. كل حاجة كنت مصدقاها عن حياتي بدأت تقع. شريف كان بيخبّي عني إيه؟ وليه كان بيحمّلني الذنب طول السنين دي؟ طلعت موبايلي بعد تردد طويل… واتصلت بيه لأول مرة من سنتين.
رد بعد رنتين. صوته كان مرهق:
“ألو؟” إيدي كانت بتترعش.
“أنا عرفت.” سكت. ثواني طويلة من الصمت. وبعدين قال بهدوء مر-عب:
“كنتي في المدرسة.” ماكانتش سؤال. غمضت عيني.
“إيه اللي حصل لبناتنا يا شريف؟” سمعت نفسه بيتقل. وبعدين قال:
“مش في التليفون.” قبل ما أرد، بعتلي عنوان. شقة قديمة في المعادي. وصلت بعد المغرب. العمارة كانت قديمة ومهجورة تقريبًا. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق بعن-ف. ولما خبطت، شريف فتح فورًا… كأنه كان واقف ورا الباب مستنيني.
اتصدمت أول ما شوفته. كان شكله أكبر بعشر سنين. دقنه بيضا، وعينه مليانة خوف حقيقي. دخلت من غير كلام. الشقة كانت ضلمة إلا من أباجورة صغيرة في الركن. ولاحظت فورًا… صور ملك ومريم في كل مكان. على الحيطة. على الترابيزة. حتى مرسومين بالقلم على ورق مبعثر. بصيتله بصدمة.
“إنت لسه عايش وسط ده كله؟” ضحك ضحكة مكسورة.
“أنا عمري ما خرجت من الليلة دي.” قعدنا في صمت لحظات. وبعدين قال فجأة:
“البنات كانوا عايشين لما وصلت البيت.”
اتجمدت مكاني. “إيه؟” بصلي وعينه اتمليت دموع.
“الشرطة كذبت عليكي.” حسيت إني هقع. قرب وقال بصوت مهزوز:
“ولما دخلت الشقة… لقيت ملك لسه بتتنفس.” حسيت الأرض بتسحبني لتحت. “إنت… إنت بتقول إيه؟!” شريف دفن وشه بين إيديه للحظة، وبعدها قال بصوت مكسور:
“لما رجعت البيت، كان فيه ريحة غاز فعلًا… بس مش قوية بالشكل اللي يق-تل في دقائق.” نفسي بقى متقطع. “لقيت مريم واقعة في الصالة… لكن ملك كانت لسه بتتحرك. كانت بتحاول تاخد نفسها.”
الدموع نزلت من عينه لأول مرة من سنين. “شلتها وجريت بيها على المستشفى.” صرخت:
“ليه محدش قالي الكلام ده؟!” بصلي بانهيار:
“لأنها ماتت في الطريق.” حطيت إيدي على بقي وأنا ببكي. كل السنين دي… وأنا فاكرة إنهم ماتوا فورًا. لكن ملك كانت لوحدها… بتتألم… وأنا ماكنتش جنبها. شريف كمل:
“قبل ما تموت… قالت جملة واحدة.” بصيتله ببطء. صوته طلع شبه الهمس:
“قالت: الست قفلت الباب.” الدنيا سكتت حواليا. “إيه؟” “قالت إن البيبي سيتر قفلت باب الأوضة عليهم.”
بدأت أفتكر تفاصيل صغيرة كنت دفناها جوايا. البيبي سيتر قالت يومها إنها نزلت تجيب أكل وإنها لما رجعت لقت البنات واقعين. لكن لو الباب كان مقفول… يبقى البنات ماقدروش يخرجوا. شريف قام وفتح درج قديم، وطلع ملف أصفر مهلوك. “أنا فضلت أدور وراها شهور.” فتحت الملف بإيد مرتعشة. صور. تقارير. عنوان قديم. واسم. “هبة سامي.” قال:
“اسمها الحقيقي مش اللي ادتهولنا.” بصيتله بذهول. “كانت نصابة… واشتغلت قبل كده في بيوت كتير بأسماء مختلفة.” قلبي كان بيدق بعنف.
“ليه تعمل كده؟!” شريف سكت شوية وقال:
“عشان تنتقم مني.” بصيتله بعدم استيعاب. اعترف وهو مكسور:
“زمان… قبل ما أتجوزك، كنت مرتبط بيها فترة قصيرة.” اتجمدت. “إيه؟” “ولما سبتها… دخلت مصحة نفسية بعدها بفترة. ولما ظهرت في حياتنا بعد سنين، ماعرفتهاش في الأول.” كنت حاسة إني في كابوس. “إنت دخلتها بيتنا… وإنت عارفها؟!” صرخ فجأة:
“ماكنتش أعرف إنها هي إلا بعد موت البنات!” الصمت خنق المكان. وبعدين قال بانهيار:
“عشان كده كنت بلومك دايمًا… لأني ماقدرتش ألوم نفسي.”
الوجع اللي جوايا تحول لحاجة أهدى… وأوحش. شفقة. لأول مرة شفت شريف مش كرجل قاسي، لكن كأب مدفون حي تحت الذنب. سألته بصوت ضعيف:
“والبنات؟” بص ناحية الصور المنتشرة حوالينا. “أنا شفتهم يا نهى.” غمضت عيني. “في المدرسة؟” هز راسه. “أكتر من مرة.” سكت لحظة وبعدين قال:
“كانوا بيظهروا كل ما أقرب من الحقيقة.” برودة مشت في ضهري. “يعني إيه؟” فتح لابتوبه القديم، وشغّل صورة ثابتة من كاميرا المدرسة. ملك ومريم واقفين في آخر الممر.
لكن المرة دي… كان في حاجة جديدة. ملك كانت شايلة ورقة صغيرة. كبر الصورة بإيده المرتعشة. وعلى الورقة كان مكتوب بخط أطفال: “دوروا تحت السرير.” بصيتله وأنا حاسة إني هتجنن. “إنت عملت إيه؟” قال:
“رجعت الشقة القديمة.” نفسي وقف. “ولقيت إيه؟” طلع من جيبه سلسلة صغيرة فضة. سلسلة ملك. والدبوس اللي كانت بتحبه. لكن كان ملفوف حواليه… فلاشة صغيرة. قال:
“كانت متخبّية تحت سرير البنات.” شغل الفلاشة على اللابتوب. ظهر فيديو مهزوز. واضح إنه متصور بموبايل قديم.
هبة كانت واقفة قدام الكاميرا، وشكلها مضطرب جدًا. وقالت بصوت متقطع:
“لو حد شاف الفيديو ده… يبقى أنا فشلت.” قلبي كان هيقف. كملت:
“أنا ماكنتش عايزة أقتلهم… كنت عايزة أخوفه بس.” دموعي نزلت بغزارة. “قفلت الباب عليهم وشغلت الغاز في المطبخ… افتكرت إنه هيرجع بسرعة.” شريف انهار جنبي. أما أنا فكنت سامعة صوت نفسي بالعافية. هبة في الفيديو كانت بتعيط بشكل هستيري:
“البنات فضلوا يخبطوا على الباب… وأنا خفت وهربت.” الفيديو وقف. الصمت بعدها كان مرعب.
بعد دقائق طويلة، همست:
“يعني… هما كانوا بيحاولوا يقولولنا الحقيقة.” شريف هز راسه ببطء. وفي اللحظة دي… نور الأباجورة طفّى لوحده. اتجمدنا إحنا الاتنين. وبعدين سمعنا بوضوح… ضحكة طفلتين صغيرة جاية من آخر الطرقة. بصيت ناحية الصوت وقلبي بيترعش. ولثانية واحدة… شفت ملك ومريم واقفين هناك. لابسين نفس الفساتين اللي في الصورة. وبيبتسموا. ملك رفعت إيدها الصغيرة ولوّحتلي. أما مريم فقالت بصوت هادي جدًا: “ماتعيطيش يا ماما.” وفجأة… اختفوا. النور رجع تاني. لكن المرة دي، لأول مرة من سنتين…
الو-جع اللي جوايا كان أهدى. كأن بنتيّ أخيرًا قدروا يوصلوا رسالتهم. إنهم ماكانوش غضبانين. وإنهم أخيرًا… ارتاحوا.
