رسائل سارة الأخيرة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أنا وأختي التوأم **سارة** كنا ملزوقين في بعض من يوم ما اتولدنا. الناس كانت دايمًا تهزر وتقول إننا بنكمل كلام بعض، لكن الحقيقة إن اللي بينا كان أكبر بكتير من مجرد شبه أو تفاهم. سارة كانت أول واحدة أكلمها لما يحصل معايا خبر حلو، والوحيدة اللي كانت تعرف تهديني لما أكون مخنوق، والشخص الوحيد اللي عمري ما تخيلت إني أعيش من غيره. لكن من ست شهور، جالي تليفون قلب حياتي كلها.
سارة كانت راجعة من شغلها في **مدينة نصر**، ولما شافت حادثة بسيطة على الطريق، وقفت تساعد الناس اللي كانوا موجودين. وبعد دقائق، عربية تانية زحلقِت بسبب المطر وفقد السواق السيطرة عليها، وخبطت مكان الحادث. سارة ما رجعتش البيت تاني. لأسابيع طويلة، كنت تايه ومش قادر أستوعب اللي حصل. ولما العزا خلص، ماقدرتش حتى أدخل شقتها. كل ركن فيها كان بيفكرني بيها، وكأنها لسه عايشة وهترجع في أي لحظة. بعد حوالي شهر، جمعت شجاعتي وقررت أساعد في ترتيب شقتها وإخراج حاجتها.
معظم اللي لقيته كان طبيعي… كتب، هدوم، ألبومات صور قديمة، وكروت عيد ميلاد كنا محتفظين بيها من وإحنا أطفال. لكن وأنا بنضف آخر درج في الكومودينو اللي جنب سريرها، لفت نظري صندوق خشب صغير مستخبي ورا شوية كراسات. فتحته… ولقيت رصة مظاريف مقفولة ومرتبة بعناية. كل ظرف فيهم كان مكتوب عليه اسمي بخط إيد سارة. قلبي بدأ يدق بسرعة بشكل مرعب. مسكت أول ظرف، وفتحته وإيديا بتترعش. وأول سطر كان مكتوب فيه: **”لو إنت بتقرا الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجودة علشان أحميك… وفي حاجة عن عيلتنا لازم تعرفها.”**
أكملت قراية أول سطر، وحسيت إن نفسي اتقطع. قعدت على الأرض، وضهري مسنود على السرير، وكملت. “أنا عارفة إنك هتكرهني شوية بعد اللي هقوله، لكن أوعدني تكمل للنهاية. أنا كنت بخبي الحقيقة عشان أحميك، مش عشان أخدعك.” بصيت لباقي المظاريف. كانوا متقسمين بأرقام. ١… ٢… ٣… ٤… وكأنها كانت مجهزة كل حاجة من سنين. رجعت لأول جواب. “فاكر وإحنا عندنا تسع سنين؟ اليوم اللي بابا اختفى فيه كام ساعة ورجع وشه كله كدمات؟ قال وقتها إنه اتخانق مع واحد في الشارع.
دي كانت أول كذبة كبيرة في حياتنا.” وقفت عن القراية. أنا فعلًا فاكر اليوم ده. فاكر ماما كانت بتعيط في المطبخ، وبابا كان بيقول إن الموضوع بسيط. ولا مرة شكيت. لكن سارة كتبت: “أنا سمعتهم بيتكلموا بعد ما افتكروا إننا نمنا.” وبعدين كتبت الحوار بالحرف. ماما كانت بتقول: “مش هينفع يفضل عايش وهو مش عارف.” وبابا رد: “لو عرف الحقيقة هيموت.” إيديا بدأت ترتجف. فتحت الظرف التاني. “بعدها بسنين، وأنا في الجامعة، قابلت بالصدفة واحدة اسمها أستاذة منى.
أول ما شافت صورتي قالتلي: إنتي شبه واحدة كانت صاحبتي زمان… اسمها هناء.” الاسم كان غريب. لكن بعدها كتبت: “هناء… هي أمك الحقيقية.” وقفت. حسيت الدنيا بتلف. أنا وسارة؟ إزاي؟ كملت. “ماما اللي ربتنا عمرها ما كانت أمنا البيولوجية. هي خالتنا.” اتجمدت. الجواب شرح كل حاجة. أمنا الحقيقية، هناء، توفت بعد الولادة بأيام. وكان عندها مشاكل كبيرة مع أهلها. خالتنا قررت تربينا كأننا ولادها. حتى شهادة الميلاد اتعدلت بشكل قانوني وقتها عن طريق إجراءات كانت موجودة في الزمن ده.
إحنا كبرنا فاكرين إنها أمنا. وهي عمرها ما فرقت بيننا وبين أولادها لأنها أصلًا ماكانش عندها أطفال. لكن ده ماكانش السر الكبير. السر الحقيقي كان في الظرف الثالث. “بابا… مش باباك.” حسيت إني مش قادر أتنفس. كتبت: “أبوك الحقيقي كان راجل اسمه شريف.” وقالت إنها عرفت الحقيقة وهي بتدور في أوراق قديمة بعد وفاة جدو. لقيت تحليل DNA قديم، وخطابات، وصور. هناء كانت مخطوبة لشريف. وقبل الجواز بأيام، توفى في حادث. بعدها اكتشفت إنها حامل.
العيلة خافت من كلام الناس. فاتجوزت خالتها من الراجل اللي إحنا اعتبرناه طول عمرنا بابا. وهو وافق يربينا باسمه. فضل محافظ على السر أكتر من ثلاثين سنة. سارة كتبت: “أنا واجهته.” واعترف. وقال لها: “أنا كنت أبوكم بالفعل… حتى لو الدم بيقول غير كده.” لقيت دموعي بتنزل. افتكرت كل مرة كان بيصحى الفجر يودينا المدرسة. كل مرة وقف جنبي. كل مرة تعب علشان يوفرلنا حياة كويسة. فهمت إن الأبوة عمرها ما كانت تحليل دم. لكن لسه فيه ظرف رابع.
وهو اللي قلب كل حاجة. “أنا كنت مريضة.” اتصدمت. سارة عمرها ما اشتكت من أي حاجة. كتبت إنها قبل الحادث بست شهور كانت عرفت إنها مصابة بمرض نادر في القلب. وكان محتاج عملية دقيقة. لكن نسبة نجاحها ضعيفة. رفضت تقول لأي حد. حتى ليا. وقالت: “أنا كنت عايزة آخر أيام حياتي تبقى طبيعية.” وبعدين كتبت الجملة اللي كسرتني. “الحادث هو اللي خدني… مش المرض. بس لو كنت نجيت من الحادث، يمكن المرض كان هيكون السبب بعدها بشهور.”
آخر ظرف كان أصغر واحد. ماكانش فيه أي أسرار. كان مجرد جواب ليا. “يا أحمد… لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا مشيت. وأعرف إنك هتلوم نفسك، لأنك طول عمرك كنت بتحس إنك لازم تحميني. بس الحقيقة… أنا اللي كنت بحاول أحميك. يمكن أخفيت عنك حاجات. بس كنت عايزة تفضل شايف الدنيا أبسط شوية. متقفلش على نفسك. متسبش الضحكة اللي كانت بينا تموت معايا. زور بابا وماما كتير. سامحهم. هما عملوا اللي افتكروه صح. ولو في يوم بقيت أب…
احكي لأولادك عن خالتهم المجنونة اللي كانت بتاكل البطاطس وهي بتحط عليها سكر.” ضحكت وسط دموعي. دي كانت فعلًا عادتها الغريبة. قفلت آخر ظرف. وبصيت حواليّا في أوضتها. أول مرة من ساعة وفاتها حسيت إنها موجودة. مش كروح… لكن في كل كلمة كتبتها. بعد كام يوم، قعدت مع بابا. حطيت الجوابات قدامه. بكى لأول مرة في حياتي. واعترف بكل حاجة. وقال: “أنا كنت خايف تخسروني لو عرفتوا.” حضنته. وقلتله: “إحنا عمرنا ما خسرنا أب… لأنك كنت الأب الحقيقي بأفعالك.”
بعدها زرنا قبر أمي الحقيقية لأول مرة. وحطيت جنب شاهد القبر وردتين. واحدة باسم سارة… وواحدة باسمي. ومن يومها، بقيت أحتفظ بالمظاريف في نفس الصندوق الخشب. مش عشان الأسرار. لكن عشان كل ما أشتاق لأختي… أفتح آخر جواب. وأقرأ آخر سطر كتبته. “التوأم الحقيقي عمره ما بيفترق… حتى لو واحد فيهم سبق التاني بخطوة.”
