رسائل سارة الأخيرة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

مرت سنين. لكن كان فيه عادة عمري ما بطلتها. كل سنة، في يوم وفاة سارة، كنت أروح لشقتها القديمة بعد ما احتفظت بيها زي ما هي تقريبًا. أقعد ساعة أو اتنين، أقرأ آخر رسالة، وأكلمها كأنها قاعدة قدامي. الناس كانت تقول إن دي مجرد طريقة للهروب من الحزن. لكن بالنسبة لي… كانت الطريقة الوحيدة اللي بحس بيها إنها لسه قريبة. بعد أربع سنين، وأنا برتب الصندوق الخشب تاني، لاحظت حاجة عمري ما انتبهتلها. القاع بتاعه كان أسمك من الطبيعي.
ضغطت عليه بالصدفة… وفجأة طلع درج سري صغير. اتجمدت. كان جواه فلاشة صغيرة، ومكتوب عليها بخط سارة: “ما تفتحهاش إلا لما تكون مستعد تسامح.” فضلت أبص عليها دقائق. رجعت بيها البيت، وشغلت اللابتوب. كان فيها ملف فيديو واحد. ضغطت تشغيل. ظهرت سارة. كانت قاعدة في نفس أوضتها، لابسة التيشيرت الأزرق اللي كانت بتحبه، وبتضحك وهي بتعدل الكاميرا. قالت: “واضح إنك لقيت الدرج السري… كنت متأكدة إنك هتقلب الشقة فوق تحت لحد ما تلاقيه.” ابتسمت رغم دموعي.
ثم تغيرت ملامحها. “الفيديو ده مش معمول عشان تعرف أسرار جديدة… لكن عشان ما تعيشش باقي عمرك شايل غضب.” قالت إنها عرفت بعد مواجهة بابا بالحقيقة إنه كان قدامه اختيارين فقط. إما يسيبها هي وأنا في دار أيتام بعد وفاة أمنا… أو يتجوز خالتنا ويتحمل مسؤوليتنا بالكامل. اختار المسؤولية. اشتغل شغلانتين. باع عربيته. واستلف فلوس عشان يدخلنا مدارس كويسة. “هو غلط لما خبّى الحقيقة… لكن عمره ما غلط في حبه لينا.” بعدها سكتت شوية. وقالت بابتسامة:
“وفي حاجة كمان… إنت لازم تبطل تأجل حياتك.” أنا استغربت. كأنها كانت شايفاني. قالت: “عارفة إنك هتفضل تقول مش هتجوز… ومش هحب حد… عشان محدش هيعوضني عن سارة. بس أنا مش محتاجة حد يعوضني. أنا محتاجة أشوفك سعيد.” قفلت الفيديو وأنا منهار من العياط. بعد سنة تقريبًا… حصل شيء غريب. وصلني اتصال من رقم غريب. المتصل كان راجل كبير. قال: “أنا اسمي عماد… كنت أقرب صاحب لوالدتك هناء.” قابلته. سلمني شنطة جلد قديمة. وقال إن هناء كانت سايباها أمانة عنده، وطلبت منه يسلمها لينا لما نكبر لو الظروف سمحت.
فتحنا الشنطة. كانت مليانة صور، وخطابات، ومذكرات. وفي آخرها جواب صغير. مكتوب فيه: “لأولادي… أحمد وسارة.” كان أول مرة في حياتي أشوف خط إيد أمي الحقيقية. كتبت: “يمكن لما تقرأوا كلامي أكون مش موجودة. لكن أوعوا تفتكروا إني سبتكم بإيدي. أنا كنت بحارب عشان أعيش معاكم. ولو ربنا اختار غير كده… فأنا متأكدة إن أختي هتحبكم أكتر من نفسها.” قفلت الجواب وأنا ببكي. كل الناس اللي كنت فاكر إنهم خدعوني… اكتشفت إنهم كانوا بيحاولوا يحمونا، كل بطريقته.
في نفس الأسبوع، أخدت قرار. تبرعت بكل متعلقات سارة الشخصية اللي كانت ممكن تفيد غيرها، ما عدا الصندوق الخشبي، والرسائل، وألبوم الصور. وباسمها، عملت منحة سنوية صغيرة لطالب أو طالبة في كلية التمريض، لأن سارة كانت دايمًا تحلم تساعد الناس. كان أول اسم على شهادة المنحة: “منحة سارة… لأن الرحمة عمرها ما بتموت.” وبعد عشر سنوات… كنت واقف في جنينة البيت. وبنتي الصغيرة جريت عليا. قالت: “بابا… هي مين سارة اللي كل الصور دي ليها؟”
شلتها بين إيديا. وقلت مبتسم: “دي مش مجرد خالتك… دي نص قلبي.” سألتني: “هعرفها في الجنة؟” ابتسمت، وأنا باصص للسما. وقلت: “أكيد… ولما تشوفيها، هتعرفك من أول لحظة… لأنها كانت طول عمرها تعرف كل اللي في قلبي.” تمت
