Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

البنت والمشر-د بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

لما بنتي “مريم” كان عندها ٩ سنين، بدأت ألاحظ إن الأكل اللي في التلاجة بيخلص أسرع من الطبيعي. في الأول افتكرت إني بس مش مركزة في اللي بشتريه.
في يوم الصبح حضرتلها سندوتشين للمدرسة، وبالليل لقيت واحد بس في علبة الأكل. قولتلها:
“هو انتي رميتي السندوتش التاني؟” مريم بصّت في الأرض بسرعة وقالت:
“لا…” تاني يوم قررت أراقبها. بعد ما خرجت من المدرسة، مروحتش البيت على طول. مشيت ناحية الجنينة القديمة اللي جنب موقف الأتوبيسات في طنطا. كان فيه راجل غلبان قاعد على دكة في آخر الجنينة، لابس جاكيت قديم ومقطوع.
شفت بنتي وهي بتديله كيس ورق بحرص.

وقالتله بصوت واطي:
“النهارده جبنة رومي… ومعاها تفاحة كمان.” إيدين الراجل كانوا بيترعشوا. قالها:
“ربنا يكرمك يا بنتي.” وقتها حسيت بغضب رهيب. صرخت فيها:
“انتي فاهمة ده ممكن يبقى خطر عليكي إزاي؟!” مريم بصتلي بهدوء وقالت:
“يا ماما… الراجل ده جعان دايمًا.” والحكاية فضلت كده تقريبًا سنة كاملة. بعدها مريم تعبت جدًا. لفينا على دكاترة ومستشفيات وتحاليل وأدوية ملهاش آخر. بطلت تروح الجنينة، ومع الوقت اضطرينا ننقل لشقة صغيرة أوي، لأن تقريبًا كل فلوسنا راحت على علاجها. عدّى عشر سنين كاملة… والعلاج كان بالكاد بيجيب نتيجة.

لحد امبارح العصر. حد خبط على الباب. فتحت، لقيت راجل طويل واقف ببدلة شيك جدًا وساعة شكلها غالية. قال بهدوء:
“مريم هنا؟” اتوترت فورًا وقلتله:
“حضرتك مين؟” ابتسم ابتسامة خفيفة وبص جوه الشقة. وقال:
“قوليلها تبدأ تلم حاجتها.” حسيت ببرودة سرت في جسمي. قلتله بخوف:
“في إيه؟” بصلي مرة تانية وقال بصوت هادي:
“من عشر سنين… بنتك ساعدتني. دلوقتي جه دوري أساعدها.” وسكت شوية… وبعدين قال:
“ممكن أدخل؟” دخل الراجل بهدوء، ومريم كانت قاعدة على الكنبة، وشها شاحب والتعب باين في عينيها.

أول ما شافته… فضلت تبصله كام ثانية، وبعدين قالت باستغراب: “أنا أعرفك؟” الراجل ابتسم وقال:
“يمكن متفتكرنيش… بس أنا عمري ما نسيتك.” قعد على الكرسي المقابل ليها، وحط شنطة جلد صغيرة جنبه. أنا كنت واقفة متوترة ومش فاهمة أي حاجة. قال:
“زمان… كنت قاعد كل يوم في الجنينة اللي جنب الموقف. الناس كلها كانت بتبعد عني، إلا انتي.” مريم بدأت تفتكر ببطء. قالت:
“أنت الراجل اللي كان دايمًا بيشرب شاي من الكشك…” ضحك لأول مرة وقال:
“أيوه… أنا هو.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:
“وقتها كنت في أسوأ أيام حياتي. خسرت شغلي، ومراتي سابتني، وبقيت بنام في الشارع. مكنش حد بيبصلي كبني آدم… غير بنتك.” حسيت إن قلبي اتقبض. الراجل فتح الشنطة وطلع ملف كبير. وقال:
“أنا دلوقتي صاحب شركة استيراد كبيرة في القاهرة.” اتصدمت. كمّل وهو بيبص لمريم:
“اليوم اللي انتي وقفتي فيه تديني سندوتش… كان اليوم اللي خلاني أقرر إني لازم أقف على رجلي تاني.” مريم دمعت عينيها. قالها بهدوء:
“كل يوم كنتي تيجي فيه، كنتي بتفكريني إن لسه فيه رحمة في الدنيا.”

بعدها فتح الملف وناولهولي. بصيت جواه… لقيت أوراق مستشفى خاص مشهور جدًا. قال:
“أنا تواصلت مع دكاترة بره مصر كمان. وفي علاج جديد لحالة مريم… ونسبة نجاحه كبيرة.” إيدي بدأت تترعش. قلتله:
“بس العلاج ده أكيد غالي جدًا…” رد فورًا:
“متشغليش بالك بالفلوس.” مريم بصتله بعدم تصديق وقالت:
“حضرتك هتعمل كل ده… عشاني؟” ابتسم وقال:
“انتي أكلتيني وأنا مكنش معايا جنيه… أقل حاجة أعملها إني أرجعلك الحياة.” فضلت أبصله وأنا مش مستوعبة اللي بيحصل. طول السنين دي كنت حاسة إني لوحدي… كل باب بخبط عليه بيتقفل في وشي، وكل دكتور بيقول نفس الكلام:
“هنحاول…”

لكن لأول مرة من سنين، حسيت إن فيه أمل حقيقي. الراجل طلع كارت من جيبه وقال:
“اسمي دلوقتي المهندس كريم الشاذلي.” الاسم كان معروف فعلًا… شركة كبيرة جدًا وإعلاناتها في كل حتة. قال:
“حجزت لمريم معاد بكرة الصبح في مستشفى خاص بالقاهرة. وهتبدأ الفحوصات فورًا.” أنا كنت على وشك العياط. قلتله:
“إحنا منعرفش حتى نشكرك إزاي…” هز راسه وقال:
“لو عايزين تشكروني… خليها تخف.” تاني يوم سافرنا القاهرة. ولأول مرة من سنين، مريم دخلت مستشفى من غير ما نحسب تكلفة الكشف قبل ما ندخل.

التحاليل بدأت بسرعة، والدكاترة كانوا جاهزين ومستنيينها كأنهم عارفين قصتها من زمان. بعد أسبوع كامل من الفحوصات، كبير الدكاترة طلب يقابلنا. قلبي كان هيقف. قال:
“فيه فرصة حقيقية للعلاج… بس لازم نبدأ فورًا.” مريم بصتلي ودموعها نازلة. وأنا حضنتها بقوة لأول مرة من شهور. العلاج كان صعب جدًا. أيام طويلة من التعب، والوجع، والأدوية القوية. لكن كريم كان موجود في كل خطوة. كل يوم تقريبًا ييجي يطمن عليها، ويجيب لها كتب لأنها بتحب القراءة، أو شوكولاتة صغيرة حتى وهي ممنوعة من السكر.

وفي مرة سألته:
“ليه مهتم أوي كده؟” سكت شوية وقال:
“لأن زمان… وأنا قاعد جعان في البرد، بنت صغيرة حسستني إني لسه إنسان. الناس بتفتكر إن الخير بيضيع… بس الحقيقة إنه بيرجع في الوقت اللي محدش يتوقعه.” بعد شهور من العلاج… الدكتور دخل الأوضة وهو مبتسم. وقتها قلبي دق بسرعة. قال:
“النتائج الجديدة ممتازة.” مريم بصتله بعدم استيعاب:
“يعني إيه؟” ابتسم وقال:
“يعني… الورم اختفى تقريبًا.” مريم انهارت في العياط. وأنا كمان. حتى كريم لف وشه بسرعة ومسح دموعه.

في الليلة دي، وإحنا خارجين من المستشفى، مريم بصتله وقالت:
“أنا زمان كنت بديك سندوتشات بس.” ضحك وقال:
“وأنا زمان كنت محتاج أمل… وانتي ادهتيهولي.” بعدها بسنة كاملة… حياة مريم اتغيرت تمامًا. رجعت تضحك تاني، تخرج، وتعيش سنها اللي المرض كان سرقه منها. وفي يوم، قالتلي:
“ماما… عايزة أروح الجنينة القديمة.” استغربت، بس وافقت. رحنا نفس الجنينة اللي بدأت فيها الحكاية كلها. نفس الدكك القديمة… نفس الكشك… حتى الشجر كان كأنه فاكرهم. مريم وقفت قدام المكان اللي كانت بتقعد فيه مع كريم زمان.

وقالت بهدوء:
“تخيلي يا ماما… أنا كنت فاكرة إني بعمل حاجة بسيطة.” رديت عليها وأنا ببصلها:
“ولا كانت بسيطة… ولا انتي بسيطة.” وفجأة لقينا طفل صغير بيقرب مننا، هدومه قديمة وعينيه مليانة خوف. قال بصوت واطي:
“هو فيه أكل؟” مريم بصتلي… ونفس النظرة القديمة رجعت لعينيها. ابتسمت، وفتحت شنطتها، وكانت عاملة سندوتشات قبل ما ننزل. ناولته واحد وقالت:
“لسه دافي.” الولد خد السندوتش بسرعة وكأنه مش مصدق. وفي اللحظة دي… سمعت صوت ورايا. “واضح إنها لسه زي ما هي.”

لفّينا، لقينا كريم واقف، لابس بدلة بسيطة المرة دي، وفي إيده أكياس أكل كتير. مريم ضحكت وقالت:
“حضرتك بتراقبنا ولا إيه؟” ضحك وقال:
“لا… بس الظاهر إن الخير بيعرف يرجع لنفس المكان.” وبعد شهور قليلة، كريم أعلن عن افتتاح جمعية كبيرة في طنطا لمساعدة المرضى والمشردين. وسماها… “جمعية مريم للرحمة.” يوم الافتتاح، كان فيه صحافة وناس كتير. لكن أكتر لحظة خلت الكل يعيط… لما كريم وقف قدام الميكروفون وقال: “زمان، وأنا قاعد جعان ومنسي، بنت صغيرة علمتني إن الرحمة ممكن تنقذ إنسان… النهارده دوري أخلّي الرحمة توصل لناس أكتر.”

وبص لمريم اللي كانت واقفة جنبه، وقال: “هي السبب إنّي لسه عايش.” الخير اللي بتعمله بقلب صافي ممكن يرجعلك يوم في صورة نجاة وحياة جديدة حكايات المجهول اتمني تكون عجبتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!